سقوط دولة المالكي

الثلاثاء 2015/08/11

كان انهيار الدولة في العراق أو تحطيمها من قبل المحتل الأميركي عام 2003 الفقرة الأكثر خطورة في المشروع الأميركي، حيث كان من المقرر أن تقام دول عديدة بدلا من تلك الدولة التي انهارت.

ليست دول المكوّنات (مصطلح حلَّ محل مصطلح الشعب العراقي في الدستور وهو مستعار من قاموس الاحتلال) هي البديل المقصود، بل كان المقصود أن تقام دول عبارة عن إقطاعيات، تتجاور ويقع بعضها فوق البعض الآخر وتتتالى في سلسلة لا تنتهي تكون بمثابة بؤر للفساد يتم من خلالها نهب ثروات الشعب العراقي. وهو ما حدث فعلا.

إذ قامت لكل تنظيم أو حزب أو جماعة دينية دولتها التي من خلالها تتم إدارة الاستثمارات المالية الهائلة، محروسة بأفواج من المقاتلين الذين تم تنظيمهم على شكل ميليشيات تملك ما يؤهلها لدخول حرب في أي لحظة، يشعر رعاتها وممولوها بالخطر.

كانت الدولة التي أقامها نوري المالكي لحماية مصالحه ومصالح فريقه هي الأكثر خطورة بين تلك الدول، بل كانت بسبب غناها المادي صمام أمان بالنسبة لدول الآخرين، حيث استطاع المالكي، بدهاء، أن ينظم العلاقات بين تلك الدول من خلال براعته في إدارة أزمات مستعرة، كان الشعب ضحيتها فيما كان اللصوص، في الوقت نفسه، يديرون براحة شؤون إمبراطورياتهم المالية.

صنعت دولة المالكي وصفات جاهزة للفساد، توزعت مفرداتها بين المشاريع العمرانية الوهمية وعمليات غسيل الأموال وتهريبها خارج العراق من خلال صفقات مشبوهة كان البنك المركزي العراقي طرفا فيها. ناهيك عن الهدر المنظم للمال الذي كان يتم من أجل تخريب الأخلاق العامة وشراء الولاءات. دولة المالكي كانت الأشد فتكا بالشعب العراقي بسبب الفرصة التي أتيحت للمالكي للبقاء في السلطة ثماني سنوات حاكما مطلقا، قاربت واردات العراق فيها من العملة الصعبة تريليون دولار أميركي تم إنفاقها خارج القانون. ولقد كان واضحا أن المالكي يستقوي بميليشياته في منع أي مساءلة تتعلق بمظاهر الفساد التي قادت العراق في ما بعد إلى الإفلاس.

ذلك لأن حيدر العبادي، خليفة المالكي، لم يرث إلا خزانة خاوية، وقوائم طويلة من الجنود والموظفين الفضائيين، وداعش الذي ما كان له أن يحتل ثلث أراضي العراق لولا الفساد.

أما حين جُرّدَ المالكي من قدرته على الاستمرار في الحكم في ولاية ثالثة فإنه اشترط، مستقويا بدولته السرية، أن يحصل على منصب رفيع في الدولة لكي يحميه ذلك المنصب من أي محاولة لمحاكمته بسبب ما ارتكبه من جرائم. فكان له ذلك حين عين نائبا لرئيس الجمهورية. ولهذا بقيت دولة المالكي هي الأقوى حتى من الدولة الرسمية.

كان المالكي على ثقة من أن أحدا لن يمسه. فما دام هناك صراع مع السنة الذين هم من وجهة نظره دواعش فإن زعيما شيعيا لن يقاد إلى المحاكمة من قبل حكومة يتزعمها الشيعة.كل شيء بالنسبة لهذا الرجل المريض يجب أن يُقرأ بطريقة طائفية.

ولأن الشعب العراقي صار اليوم على بينة من أن العبادي لن يقوى على إجراء إصلاحات ما دامت دولة المالكي قائمة، فقد كان صريحا في الدعوة إلى إسقاط تلك الدولة. وهو ما وجد فيه العبادي فرصته لإسقاط دولة زعيمه.

العبادي لا يملك سوى أن يقوم بذلك خوفا من أن يتجاوزه المتظاهرون الذين لا يزال الجزء الأكبر منهم ينظر إلى محاولته الإصلاح بثقة. ربما يكون تحويل أحد كبار سياسيي الشيعة (من التيار الصدري) إلى القضاء بتهمة الفساد بداية للاقتصاص من المفسدين، غير أن كثيرا من حقائق الفساد ستظل مجهولة ما لم يقدم المالكي إلى القضاء.

وهو ما ينتظره المتظاهرون وجلهم من الشباب الذي دمر فساد دولة المالكي مستقبلهم.

كاتب عراقي

8