سقوط قواعد تربية الأطفال "الكلاسيكية" في امتحان الحداثة

الاثنين 2013/09/30
طبيعة شخصية الطفل ومرحلته العمرية هي التي تحدد أنواع العقاب

القاهرة- صحيح أن "العقاب والثواب" أسلوبان تربويان، لكن يجب ألاّ تصل مرحلة الضرب بالحرمان من أشياء محببة، وإبداء الغضب، وغيرها من الأساليب، على أن يكون "الحافز" متوفرا في حالة فعل الصغير الصواب.

كما أن "الوالدين" مسؤولان عن تربية أطفالهما بالتساوي، يعني: أن يتحمل الأب مسؤولية العقاب، وأن تتولى الأم مسؤولية الثواب والحنان، فتقسيم الأدوار مضر بالطفل وبعلاقته بأبويه، كما أن تأجيل العقوبة لحين عودة الأب يجعل الطفل ينسى أنه فعل ما يستوجب العقاب.

ويسهم مجتمعنا بتقاليده "البالية"، بصورة أو بأخرى في خلق صور زائفة داخل الأطفال حول صورة الأم أو الأب.

وتتعد أساليب التربية وتتنوع بحسب البيئة والمستوى الثقافي والاجتماعي للأبوين، وفي هذا الإطار، ترى سناء سيد، موظفة وأم لثلاثة أطفال، التي تدلل أطفالها كثيرا وتحبهم جدا، أنها تضطر إلى توقيع عقاب من حين إلى آخر على أحدهم أو جميعهم، حتى لا تصبح العادات السيئة مألوفة بالنسبة إليهم، خصوصا أمام الغرباء؛ لأنها أمر محرج جدا، ولكنها لا تعمد إلى الضرب المبرح، والذي قد يؤذي جسد الأطفال، فمن الممكن أن تعاقب الصغار بحرمانهم من الحلوى اليومية أو النوم مبكرا عن موعدهم المحدد، أو حتى عدم الذهاب إلى نزهة أسبوعية.

وتتفق سناء مع زوجها على هذا الأسلوب، الذي يقوم على جعل الطفل يشعر بالذنب إذا أخطأ، وأن عليه دفع ثمن أخطائه، وفي الوقت نفسه لا يلحِقان به ضررا ماديا أو معنويا يمتد طويلا. وتوافقها الرأى إلهام فتحي، ربة منزل وأم لطفلين توأم، حيث تقول: "أعاقب أبنائي عادة على خطأ حقيقي، بعيدا عن التأثر بحالتي النفسية كما تفعل بعض الأمهات، اللاتي يضربن أبناءهن لمجرد وجود خلافات بينهن وبين أزواجهن أو مشاكل في العمل".

وتؤكد "إلهام" أنها كلما قررت عقابهم وهددتهم، فيجب عليها أن تنفذ تهديدها وقرارها؛ حتى لا يتجرأ الأطفال، ويقوموا بتكرار الأخطاء، وترى أنه المهم أيضا أن يتعود الطفل على الاعتذار على الخطأ الذي يقوم به، وأن ذلك في حد ذاته يعد عقابا من نوع مختلف، ولا يسبب له ضررا جسديا، وإنما يرفع من درجة وعيه بالخطأ وينمّى لديه الشعور بالمسئولية.

يجب أن التأكد من التصرف بشكل مثالي قبل عقاب الأبناء

أما إيمان السيد، موظفة ومتزوجة حديثا، فتقول أنها دائما ما تعترض على طريقة العقاب التي كانت تمارسها والدتها معها هي وأخواتها، وبالتالي، فهي لن تعامل أطفالها بمثل تلك الطريقة التي آذتها نفسيا.

وتضيف أن والدتها كانت تحبسها فى غرفتها يوما كاملا أو تحرمها من وجبة خلال اليوم، أو تمنع عنها المصروف لأسبوع بخلاف الضرب بالعصا، وترى أنها طريقة قاسية في العقاب لأي طفل مهما بلغت درجة خطئه؛ لأنه ما زال يتعلم في الحياة الكثير، ويجب على الأسرة أن تقدم له النصيحة بكل حب وليس بالتخويف والإرهاب.

وتشير "إيمان" إلى أنها تتوقع على العكس، فعندما تثيب طفلها على أي فعل إيجابي فذلك ما سيدفعه إلى تكرار الفعل دون عناد الأطفال المعهود، وسيشعر بأهميته، وأن نلتف حوله دون عناء الوقوع في الأخطاء ليلفت الأنظار كما يفعل غالب الأطفال.

ويرى علماء النفس والمختصون أن العقاب إجراء تربوي مهم، وفي هذا الإطار يقول أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة الدكتور محمد التهامي: إن عقاب الأطفال إجراء مهم تلجأ له الأم أو الأب لتربية الأبناء خلال مراحلهم العمرية المختلفة، ودون وجود الثواب والعقاب سيصبح الطفل مدللا بصورة مبالغ فيها، ولن يتفوق في حياته، إلا أن العقاب أنواع وأشكال من الضروري أن يدركها الوالدان قبل استعمال أي منها، والذي يحدد ذلك هو طبيعة شخصية الطفل ومرحلته العمرية. فمثلا الطفل حتى عمر الثلاث سنوات يجب عندما يخطئ أن نكتفي بإلهائه عن أي شيء في يده دون الضغط والعصبية، أما إذا قام بسلوك مثل العض أو الضرب أو إلقاء الطعام، فعلى الأم أن توضح له أن مثل هذا السلوك غير مقبول، ثم تجعله يجلس بمفرده بعد ذلك لمدة دقيقة أو دقيقتين ليهدأ، بعيدا عن الضرب بصفة عامة؛ حتى يفهم العلاقة بين ما ارتكبه من خطأ والعقاب الجسدي.

في حين تقول أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة الدكتورة إيمان محروس: "إن الأم قبل أن تفكر في عقاب أبنائها الصغار على أي فِعلة خاطئة، يجب أن تتأكد من أنها تتصرف بشكل مثالي أمامه، فمثلا لا تطلب من الطفل أن يأكل "السبانخ" إذا كانت هي لا تأكلها".

وتوضح أن هذا الأسلوب هو الأنسب، خصوصا في الفترة ما بين ثلاثة وخمسة أعوام، التي يبدأ فيها الطفل باستيعاب العلاقة بين الأفعال والعواقب، ولذلك في هذه الفترة على الأم أن تعرّف الطفل على قواعد العائلة والمنزل، وكيف يجب أن يتصرف قبل أن نقوم بمعاقبته على تصرف معين، وإذا عاد لتكرار الخطأ بعد بضعة أيام، يعاقب على ما فعله وعدم الاكتفاء بالتلميح.

وبدءا من سن الثالثة عشرة يكون الطفل قد استوعب المطلوب منه وعواقب التصرفات السيئة، مع الوضع في الاعتبار أن المراهق يحتاج إلى نوع محدد من الحدود والقواعد، مثل زيارة أصدقائه وذهابه في نزهات محددة المواقيت، وطريقة أكل وتحدّث لائقة، ولا شك أنه سيرفض أي نوع من التحكّم من قِبل الأم، أو أي فرد آخر، وسيستمع أكثر لأصدقائه.

21