سكان أهوار العراق يتركون بيئة شح فيها الماء

44 ألف طفل يعملون بشكل دائم في الأردن لمساعدة عائلاتهم، وهو مؤشر خطير لأن ذلك يؤدي إلى تسربهم من المدارس وتدني مستوى التعليم.
السبت 2018/09/08
الجفاف يزحف بقوة ويغطي الأرجاء

أزمة المياه تلقي بظلالها على سكان الأهوار الوسطى في العراق وتدفعهم إلى الرحيل عن ديارهم والبحث عن مناطق أنسب، لا سيما وأنهم يعتمدون بشكل كبير على تربية المواشي، وبسبب الجفاف صارت الجواميس عرضة للهلاك والاندثار وارتفعت تكاليف تربيتها أضعاف سعرها، مما شكل عبئا إضافيا على مربيها.

الأهوار (العراق) - نقص المياه إلى مستويات متدنية في نهر الفرات أجبر سكان الأهوار الوسطى في العراق على الهجرة من مناطقهم فرادى وجماعات.

ويقول مدافعون عن البيئة وباحثون إن نقص المياه الذي يتزامن مع ارتفاع مستويات الملوحة يهدد أيضا النظام البيئي في تلك المناطق ومربي الجاموس بها.

ويشكو مربو الجاموس من أن متوسط تدفق المياه الحالي، الذي يبلغ 17 مترا مكعبا في الثانية، يكفي بالكاد لتغطية منطقة الأهوار الشاسعة بما يهدد بإصابة أعداد هائلة من الجواميس بالمرض والهلاك ويجبر الكثيرين على الهجرة.

ومن بين أكثر مناطق الأهوار الوسطى تضررا بسبب انخفاض مستوى المياه في نهر الفرات قرية إيشان حلاب. ويغذي نهر الفرات الأهوار حاليا بنحو 87 سنتيمترا مقارنة مع 1.28 متر قبل بضعة أشهر، الأمر الذي يجبر الناس على هدم منازلهم التقليدية وترك المنطقة للمدن القريبة بحثا عما يمكنهم أن يقتاتوا عليه هم وقطعانهم.

وأوضح أحمد موحان وهو أحد سكان قرية إيشان حلاب القليلين المتبقين فيها “هجر أغلب سكان هذه القرية دون أن ينظر إلى الخلف وبقينا فقط نحن وقلة قليلة من البيوت المنتشرة هنا وهناك، للأسف في السابق كان المكان يعج بالمنازل أكثر من مئة بيت في هذه الرقعة، لكن متساكنيها هربوا، مخلفيننا وراءهم للعطش والبعوض، هذا كله بسبب الماء وانتظاراتنا حتى تمدنا الحكومة به، لم يبق إلا الخراب وبيوت مهجورة”.

ويزيد ارتفاع درجة الحرارة والسدود التي تقام على نهري دجلة والفرات وزيادة الأنشطة الزراعية من الضغط على موارد المياه الشحيحة في العراق. وفي ما مضى اتهم صدام حسين عرب الأهوار بالخيانة خلال الحرب مع إيران التي امتدت من 1980 إلى 1988، وأقام السدود وجفّف الأهوار لطرد المتمردين المتحصنين هناك. والآن هناك مخاوف من أن الدول المجاورة قد تخنق إمدادات المياه، فمع انخفاض مستويات المياه يهجر السكان الأهوار بشكل جماعي.

وقال رعد حبيب رئيس منظمة الجبايش للسياحة البيئية، إن هجرة سكان مناطق الأهوار أدت إلى انخفاض حاد في أسعار الجاموس من ثلاثة ملايين دينار عراقي (2521 دولارا) إلى مليون دينار (840 دولارا) ثم إلى أقل من مليون دينار أو حتى 500 ألف دينار عراقي (420 دولارا).

فقدان مصادر الرزق الأساسية لا سيما تربية المواشي وصيد الأسماك
فقدان مصادر الرزق الأساسية لا سيما تربية المواشي وصيد الأسماك

وأجبر نقص المياه من يربون الجاموس على شراء الطعام لحيواناتهم بمبلغ 440 ألف دينار عراقي للطن (نحو 369 دولارا) بالإضافة إلى شراء مياه بما بين 12 ألفا إلى 16 ألف دينار عراقي (10 دولارات و13.45 دولار) يوميا مما فاقم أعباءهم المالية.

وأضاف حبيب “إيشان حلاب هي منطقة استيطان يومية تقريبا.. قبل ثلاثة أو أربعة أشهر كان يسكنها تقريبا أكثر من 100 عائلة، وعدد الجواميس تقريبا أكثر من ستة آلاف جاموس كانت ترعى بهذه المنطقة أيضا، إلا أن هذه المنطقة تقريبا هُجرت بالكامل الآن، كل مربي الجاموس هاجروا، لم يبق سوى بيت واحد أو بيتين وهـؤلاء هـم أصلا يجهزون أنفسهم للهجرة لأن كل مصادر المعيشة وكل مصادر تربية الجاموس ولت دون رجعة”.

وتابع “المتواجدون الآن بهذه القرية يضطرون من أجل الحصول على الماء لهم ولجواميسهم لقطع مسافة ما يقارب 20 كيلومترا لجلبه من مركز القضاء الماي آرو، وهذا يرفع من تكلفة تربية الجواميس، لأن الجاموس أصبح يستهلك وهو ما يثقل كاهل مربيه لأنه يستهلك بدل أن ينتج”.

وأوضح رئيس منظمة الجبايش للسياحة البيئية “صارت تكاليف تربية الجاموس تفوق أضعاف سعره، إذ صار المربون يصرفون مقابل الحفاظ على حياة جواميسهم، وهذا ما يثقل كاهلهم، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة بين سكان الأهوار، حقيقة الأرقام مخيفة، لأن مناطق الأهوار تعتمد مصادر أرزاقها أساسا على تربية الجاموس، صيد الأسماك، الطيور والسياحة، الآن كل هذه المصادر أصبحت معدومة بشكل تام”.

وأكد “لا يملك المربون سوى الهجرة إلى إيران أو الدول المجاورة أو أن تجد الدولة حلا فوريا وآنيا حتى نحافظ على مربي الجاموس، مستوطنين داخل الأهوار، هذه ثروة وطنية لا بد من الحفاظ عليها والحفاظ على مربي الجاموس كونهم يمثلون العمود الفقري للأهوار خاصة وأنها انضمت للتراث العالمي بسبب طبيعة المعيشة”.

وقد أُدرجت الأهوار ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لمنظمة التربية والعلم والثقافة (اليونسكو) قبل عامين.

وقال جاسم الأسدي مدير العمليات الجنوبية لمنظمة طبيعة العراق المعنية ببيئة الأهوار في قضاء الجبايش، حول ما يتعلق بعدد الذين يهجرون منطقة الأهوار الوسطى “ليست هناك أرقام محددة، لكن الشيء الثـابت والمـؤكد أن المئات من العـوائل هاجرت وليس فقط العشرات، بإمكاننا القول إن في إيشان حلاب وإيشان قبة تجاوز العدد المئة وخمسين عائلة، كذلك الحال بالنسبة لهور الحذمار الغربي، فكل آل البحر الذين كانوا يسكنون في هور الحّمار الغربي قد هجروها، حتى أن مهاجرا من هور الحّمار جاء إلى هذه المنطقة لأنه سمع بأنها تحتوي على القليل من المياه في هذه القناة العميقة”.

وأضاف الأسدي “بكل تأكيد اليوم لن نجد الكثير من مربي الجاموس داخل الأهوار الوسطى، أنا باعتقادي أن ما يقارب 90 إلى 96 بالمئة من مربي الجاموس في هور الحّمار قد هاجروا تماما إلى الفرات، قرب مدينة الجبايش، والبكثير من الذين يسكنون داخل الأهوار الوسطى قد هاجروا إلى أماكن أيضا بعيدة، قسم منهم هاجروا إلى المشرح والكحلاء ثم عادوا مرة أخرى بسبب الحال في المشرح، فالمنطقة منكوبة وجافة تماما وكذلك الحال بالنسبة للكحلاء”.

جفاف الأهوار يفقد العراق منطقة مصنفة ضمن تراث اليونسكو
جفاف الأهوار يفقد العراق منطقة مصنفة ضمن تراث اليونسكو

وانزعج العراق عندما بدأت تركيا في تخزين مياه نهر دجلة خلف سد إليسو الشهر الماضي. ويعاني البلد بالفعل من جفاف قلص مستويات المياه في البحيرات والأنهار. وتحمل بغداد تركيا معظم المسؤولية.

وكانت الأهوار تغطي تسعة آلاف كيلومتر مربع في السبعينات، لكنها تقلصت إلى 760 كيلومترا مربعا بحلول عام 2002. وبحلول سبتمبر 2005 جرت استعادة نحو 40 بالمئة من المنطقـة الأصليـة، ويقول العـراق إنـه يستهدف استعادة ستة آلاف كيلومتر مربع في المجمل.

وتجدر الإشارة إلى أن تناقص منسوب المياه وزيادة الملوحة في منطقة الأهوار بجنوب العراق أيضا سبّبا انتشار الأمراض مما جعل الجاموس المنتشر في المنطقة عرضة للهلاك. وكان نشطاء في مجال البيئة حذروا من أن ذلك ربما يُجبر من يربون الماشية في المنطقة على الهجرة إلى دول مجاورة.

وقال مسؤولون في منطقة الأهوار إنهم سجلوا أكثر من 30 حالة نفوق لجواميس خلال شهر يونيو الماضي، مشيرين إلى أنه ربما تكون هناك حالات أخرى لأن المربين عادة ما يذبحون حيواناتهم أو يحرقون جيفها عقب نفوقها.

وأوضح وسام كاظم صالح، طبيب بيطري من المستوصف البيطري في الجبايش، “انخفاض نسبة المياه في الأهوار الوسطى أدى إلى ارتفاع نسبة الملوحة في قضاء الجبايش، الذي له تأثير سلبي على مربي الثروة الحيوانية”.

17