سكان الفلوجة ينتفضون بوجه داعش بعد يأسهم من وعود "التحرير"

يأس سكان مدينة الفلّوجة الواقعين بين فكيّ الحصار الخانق المفروض على مدينتهم من خارجها، واعتداءات تنظيم داعش الذي يتخذهم دروعا بشرية بداخلها، يدفعهم إلى الانتفاض بوجه التنظيم، في خطوة توصف بالانتحارية، نظرا لشراسة التنظيم وقوّته، لكنها باتت الخيار الوحيد لمحاولة النجاة من موت محقق متعدد الأسباب.
السبت 2016/02/20
داخلها مفقود ومغادرها مولود

الفلوجة (العراق) - دشنت عشائر مدينة الفلّوجة، ثاني أكبر مدن محافظة الأنبار بغرب العراق، انتفاضة مسلّحة بوجه تنظيم داعش المسيطر على المدينة التي يعيش سكانّها أوضاعا مأساوية جرّاء خضوعها لحصار مطبق من الخارج تفرضه القوات المسلّحة العراقية وميليشيات الحشد الشعبي، ويواجهون وحشية التنظيم الذي يفرض عليهم تعاليمه المتشدّدة ويمنعهم من المغادرة متخذا منهم دروعا بشرية.

وشهدت المدينة الواقعة على خطّ بغداد الرمادي، الجمعة، اشتباكات مسلّحة بين شبان من أبناء العشائر وعناصر التنظيم، أفضت إلى سيطرة المسلّحين العشائريين على مناطق في المدينة.

ووصف عضو سابق في مجلس محافظة الأنبار سلوك أبناء العشائر بـ”الانتحاري”، نظرا لقوة التنظيم داخل المدينة وعنفه الشديد في مواجهة الخارجين عن طاعته، في مقابل ضعف تسليح العشائر.

لكنه أضاف أن الضرورة القصوى هي ما دفع العشائر إلى مواجهة التنظيم بعد يأسها من وعود التحرير التي تطلقها الجهات الحكومية تباعا، وبعد أن أصبحت المسألة قضية حياة أو موت لآلاف العوائل المحاصرة في المدينة والتي تواجه الموت بفعل نقص الأغذية والأدوية وسائر ضرورات الحياة.

كما ناشد المسؤول السابق من سماهم “شرفاء العراق داخل الحكومة وخارجها”، إلى مؤازرة سكان الفلّوجة في انتفاضتهم لأن تركهم لمصيرهم بمواجهة تنظيم داعش يعني حدوث مجازر على غرار تلك التي سبق للتنظيم أن اقترفها بحق أبناء عشيرة البونمر.

ويشير المسؤول بذلك إلى أحداث نوفمبر 2014 حين تصدّى أبناء العشيرة التي تقطن قضاء هيت بغرب الأنبار لتنظيم داعش على أمل أن تساندهم القوات الحكومية، لكن ذلك لم يحدث ما جعل التنظيم يتفرّد بهم ويقترف مجزرة بحقّهم ذهب ضحيتها المئات من المدنيين.

ومن جهته طالب اتحاد القوى العراقية، الجمعة، قيادة العمليات المشتركة بـ”استثمار الثورة الشعبية” في مدينة الفلوجة، مشددا على ضرورة تقديم الدعم والإسناد لثوار الفلوجة ضد تنظيم داعش.

وقال عضو المكتب السياسي للاتحاد محمد الكربولي في بيان إنّ “استكمال عناصر تحرير مدينة الفلوجة قد أصبحت جاهزة بثورة أبنائها”، داعيا قيادة عمليات الأنبار وجهاز مكافحة الإرهاب إلى “اغتنام الفرصة وتوظيف الرفض الشعبي لتحرير كامل المدينة المحاصرة”.

ويضاعف معاناة سكان الفلّوجة القصف العشوائي الذي تنفّذه القوات المسلّحة ومقاتلو الحشد الشعبي على أحياء المدينة في محاولة لاستهداف عناصر داعش المتخفّين بين المدنيين.

محمد الكربولي: ظروف تحرير الفلوجة أصبحت جاهزة بثورة أبنائها على داعش

وكان رئيس الهيئة العراقية للإغاثة مكي النزال قدّ أكّد، الخميس، بلوغ عدد ضحايا الحصار المفروض على مدينة الفلوجة منذ سنتين، نحو 4 آلاف قتيل و6 آلاف جريح، قضوا نتيجة القصف والمجاعة والنقص الحاد في الأغذية والأدوية، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن.

وبحسب مصادر محلية، فإن أحداث الجمعة انطلقت إثر اعتداء عناصر ما يسمى بـ”الحسبة” التابعين للتنظيم على امرأة من المدينة بعد اتهامها بعدم التقيد بمقاييس “الاحتشام” التي يفرضها التنظيم بصرامة من خلال فرض لباس معين على النساء يسميه “الزي الشرعي”.

ويشكو سكان الفلوجة التي سيطر عليها داعش منذ أوائل عام 2014 قبل غزوه مناطق أخرى في العراق صيف العام نفسه، من أنهم متروكون لمصيرهم بمواجهة فظاعات التنظيم.

ويعبّر سياسيون وبرلمانيون يتحدرون من المدينة عن استغرابهم من توّجه الحكومة العراقية نحو توجيه الجهد العسكري لتحرير مدينة الموصل مركز محافظة نينوى قبل استعادة الفلوجة من داعش رغم أن جهود استعادة مناطق محافظة الأنبار قطعت أشواطا متقدّمة.

ولا يستثني البعض وجود خلفيات انتقامية لدى بعض الجهات المؤثرة على القرار العراقي، والتي تتهم سكان الفلوجة باحتضان تنظيم داعش والتعاون معه، خصوصا وأنّ المدينة تحوّلت منذ سنة 2003 مركزا لمناهضة الاحتلال الأميركي، ولاحقا لمعارضة المسار السياسي الذي نتج عن الاحتلال ووضع السلطة بين أيدي الأحزاب الشيعية.

وتوصف الفلوجة في أدبيات بعض كبار القياديين الشيعة بأنها “رأس الأفعى”، و”الغدّة السرطانية”، بحسب ما وصفها الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري.

وأعلن مسؤول محلي عراقي، الجمعة، عن سيطرة مسلحين من عشائر قضاء الفلوجة على أحياء شمالي وجنوبي القضاء.

وقال قائم مقام الفلوجة سعدون الشعلان إن “مقاتلين سُنّة من عشائر مختلفة شنوا هجوما عنيفا على مواقع داعش في حي الجولان شمالي الفلوجة، وحي الهياكل والشهداء جنوب القضاء، وتمكنوا من قتل عدد من عناصر التنظيم والاستيلاء على مواقعهم”.

ودعا الشعلان، الذي يرأس اللجنة الأمنية لقضاء الفلوجة الحكومة العراقية إلى الإسراع بدعم ثورة العشائر السُنية داخل الفلوجة عبر تقديم السلاح والعتاد والدعم الجوي”.

ومن جهته، قال صباح الكرحوت رئيس مجلس محافظة الأنبار، الجمعة، إن “العشرات من أبناء عشائر البوعلوان والحلابسة والجريصات والمحامدة انتفضوا، بوجه تنظيم داعش وحملوا السلاح لمقاتلة التنظيم وتحرير المدينة”.

وأضاف أن “أبناء عشائر الفلوجة تمكنوا في بداية الأمر من حرق مقر لداعش وتدمير نقطتي تفتيش وقتل خمسة عناصر من التنظيم، بعد مواجهات عنيفة بواسطة الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في منطقة الجولان شمالي المدينة”.

وتابع في حديث لوكالة الأناضول أن “المعارك تطورت بعد ذلك وانتقلت إلى حي نزال وسط الفلوجة بعد انضمام العشرات من أبناء المدينة إلى أبناء العشائر ليشكلوا قوة تضم أكثر من 150 مقاتلا”، لافتا إلى أن “أبناء العشائر تمكنوا من فرض سيطرتهم على حيي نزال والجولان، بعد انسحاب داعش منهما”.

3