سكان المقابر في مصر يتنافسون للفوز ببيت يجاور الأحياء

ليس الأموات فقط من يسكنون المقابر، والقبر ليس فقط ليسكنه الميت.. هذا الانطباع الرئيسي الذي يمكن الخروج به عند زيارة مقابر مصر الكبرى، خاصة تلك الواقعة في منطقة الدراسة أو الحلبي. الاستثنائي في المسألة برمتها أن انطباع السواد والموت عند رؤية ساكني المقابر الأحياء، سرعان ما يتبدد بمجرد التعرف إلى أفكار السكان وأحلامهم، فهم من أكثر الناس حبا للحياة وتوقا للخروج من مضاجعهم المجاورة للموتى، حتى إذا أعلنت حملة “مين بيحب مصر” عن مسابقة لأكثر ساكنات المقابر جمالا، تجدهن كافة يتنافسن من أجل الجمال.
السبت 2015/08/01
يسعى كل سكان المقابر إلى تغيير أماكن عيشهم فالأمر لا يحتمل

القاهرة - في أحد “الأحواش” (والحوش هو عبارة عن مقبرة كبيرة لها باب تضم حجرة دفن خاصة بأفرادها، وفناء) بمنطقة سيدي جلال، بالدَراسة، يمكن لقاء الشابة بدرية ذات العشرين عاما، من ضمن المتسابقات المشاركات في المسابقة، وهي حاصلة على دبلوم فني وتعيش مع والدتها المنفصلة عن أبيها، وأخيها.

وتقول بدرية إن لها خطيبا وهناك علاقة متينة بينهما، إلا أن خطيبها لا يعلم عن سكنها في المقابر شيئا لذلك فهي تريد أن تفوز بجائزة المسابقة حتى تغادرها وتجد لها مسكنا لائقا، وتضيف “لن أخبر خطيبي بأني أعيش بين المقابر، حتى لا يسخر مني أو يعيرني في المستقبل، هو يفهم أنني أعيش مع خالتي في منطقة دار السلام”، بهذه الكلمات تحدثت بدرية بمأساة عميقة بادية على ملامحها.

ليست بدرية فقط هي التي تسكن المقابر في مصر، أو هي الوحيدة التي لا تريد الإفصاح عن مكان سكناها خوفا من سخرية واستهزاء الآخرين منها. فهناك العشرات بل والمئات من الفتيات والفتيان الذين يعانون صعوبات جمة في الحياة والتأقلم مع الآخرين لأنهم يقطنون المقابر.

وعلى قرب من مسكن بدرية، وفي منطقة “الحلبي” تسكن البنت آية ذات الأربعة عشر ربيعا وهي تلميذة في الصف الثالث الإعدادي، تعيش مع والدتها المنفصلة، وأخت أصغر بالصف الثاني الابتدائي، وأخ عمره 5 أعوام.

ورغم صغر سن آية إلا أن لديها أحلاما كبيرة تتوقع أن تحققها من جائزة المسابقة، كإكمال تعليمها حتى تعمل ولو بالتمريض، لتستطيع إخراج أسرتها من “الخنقة والحبسة” في المكان الذي تحيا فيه الآن حسب قولها. وأشارت آية، أن زميلاتها بالمدرسة لا يعرفن مكان إقامتها، وهي تتمنى أن تخرج من الحياة التي تعيشها في هذه الأيام والتي تشبه الأموات الذين يقطنون جوارها. وحسب بيان صادر عن حملة مين بيحب مصر فإن معايير الاختيار تعتمد على قدرة الفتاة على تحدي الصعاب، وإكمال مراحل التعليم المختلفة، وثقافتها. وأشار البيان إلى أن سكان المقابر في مصر، وصل عددهم إلى 6 ملايين مواطن، يصل متوسط الإنجاب بينهم بين 7 و10 أطفال.

وتعتبر حملة مين بيحب مصر، حملة شعبية دون انتماءات حزبية، تهدف إلى القضاء على ظاهرة السكن حذو القبور، كما تدعو الحملة إلى “تجفيف منابع العشوائيات”، وفق ما جاء على صفحتها الرسمية على “فيس بوك”. وتسعى إلى أهداف كثيرة، وهذه المسابقة تحاول الالتفات إلى فتيات يعشن في هذه الظروف القاسية.

كما تحاول أيضا كسر خجل الفتيات بالتعريف بأماكن سكنهن بين القبور والأحواش، مما يضطرهن إلى أخذ قرارات في حياتهن تعود في أساسها إلى مواقفهن من مكان سكنهن، مثل الزواج وطريقة الحياة واللباس والعيش.

وأصدرت الحملة بيانا قالت فيه إن سبب ارتفاع معدلات الإنجاب بين سكان المقابر مرده “إيمانهم بالقدر” واستخدام الأطفال كمصدر للرزق، عن طريق التسول، والإرشاد لطرق المقابر، والعمل ببعض المهن الحرفية المجاورة للمقابر. وأشارت دراسة حديثة، أعدها فريق عمل من جامعتي القاهرة والأزهر من الخبراء بالدراسات السكانية، وقدمت أخيرا إلى المؤتمر الـ31 للسكان والتنمية والشباب في الدول النامية الذي نظمه المركز الديمغرافي في القاهرة، أن ارتفاع معدلات الخصوبة لسكان أحواش المقابر صاحبته العديد من المشاكل على رأسها عدم قدرة الأسرة على تعليم الأطفال وتحولهم إلى الشوارع يتخذون منها مكانا لنومهم، وكذلك عدم إتاحة الخصوصية للبنات نظرا لإقامة كامل الأسرة في مكان واحد، وهو الأمر الذي دعا السلطات إلى القيام بمثل هذه المسابقات للفت الانتباه إلى هذه الظاهرة وأيضا للتقرب من سكان المقابر الذين حاكوا الأموات في سلوكهم الصامت والبعيد عن الأضواء.

20