سكتة قلبية

السبت 2015/02/21

مات أبو أحمد، من القهر، خرجت الأم المكلومة من خيمتها في العراء لتنثر رماد حزنها الذي حملته رياح فبراير إلى جيرانها من سكان أحد مخيمات النازحين في شمال العراق، فلم تجد من يواسيها سوى نظرات عطف من أناس كانوا ينتظرون بصمت، هم أيضا، على أبواب الموت الذي وفرهم هذا الصباح واختار ولدها فلذة كبدها.

خرج أبناء الرجل الفقيد هذا الصباح من الخيمة رقم 52 ذاتها، وهم ينوؤون بحملهم الجديد من الحزن الذي ما زال طريا؛ ثلاثة أولاد وسبع فتيات أصبحوا منذ زمن حسبوه طويلا مجرد أرقام في قوائم المشردين داخل الوطن، فتفضلت عليهم الفجيعة هذا الصباح بلقب يتامى ليتم تعليم أرقامهم بعلامات فارقة في قوائم المساعدات.

مات أبو أحمد، أخيرا، بالسكتة القلبية، وهل يموت النازحون بالسكتة القلبية؟ نعم، مات الرجل الأربعيني في عز فجيعته، سكت قلبه وكفت روحه المتعبة عن الثرثرة. هكذا، مثل رجال الأعمال الذين يموتون بأناقة في أروقة البورصة، بعد أن تنزلق أقدامهم صدفة في وحل صفقات فاشلة. لكن أبا أحمد لم يمت مصادفة ولم تغادر روحه جسدها دفعة واحدة، أبو أحمد كان يموت عدة ميتات في اليوم الواحد، فهو يموت في أحلامه القصيرة عندما يرى بقايا المنزل الصغير المتداعي الذي نهبه اللصوص عن آخره، ويموت في صباحاته بسبب نظرات صغاره الذين يتعاظم زمن جوعهم يوما بعد يوم، وهو يموت في مساءاته بسبب الغطاء الضيق الذي لا يستطيع تدفئة جميع الأقدام العارية، وهو يموت مرات عدة عند أول الصباح حين تصله أخبار الحرب التي تحولت إلى جسد أخطبوط، يستبدل أذرعه عند الحاجة ويرواغ الموت والنهايات.

قبل أن يُسمح له بالموت، استبدل أبو أحمد المنزل العامر بخيمة في العراء واستبدل دفء موقده بقسوة ريح الشتاء واستبدل مائدته العامرة بنظرات أبنائه الجياع. وكان ينتظر دوره كل يوم لتسلم قوت يومه وأسرته من طعام فاتر قلما يسد رمقهم، فيبقى نظره معلقا إلى الأبد على شرفة خيمته في انتظار شاحنات مساعدات أخرى قد تحمل مزيدا من الزاد وربما شيئا من نار المواقد، جادت به قلوب المحسنين الذين بدأت أعدادهم تتناقص مع طول زمن الحرب.

مات أبو أحمد ولم يحصل بعد على إجابات واضحة لأسئلته المهمة؛ لماذا هو بالذات؟ ومتى ينتهي من هذا الكابوس؟ وإلى متى يستطيع أن يواصل؟ وكم قرص خبز ستكفي عجينة الدقيق المتبقية في قعر الإناء، وهل سيحصل الولد الصغير على جوارب جديدة بعد أن مزق البرد أصابعه الرقيقة؟ وما هو المستقبل الذي ينتظر الأحداق الجائعة؟ وكيف سيكون شكل منزله عند العودة؟

ربما، في لحظة ما، حصل على جواب واحد وأخير، لكن لم يتح له الوقت لاستجلاء معانيه. لهذا، لن تنبت الأعشاب على زوايا قبره، ولن يترك موته سؤالا معقدا في صدور أهل السياسة، وغالبا لن يتذكره أحد من الجيران في الخيمة المجاورة. كل ما هنالك أن رقمه سيتم شطبه من قائمة المعونات ليفسح الطريق أمام لاجيء أو نازح محتمل سيكون في طريقه، حتما، ليصبح رقما آخر في القائمة السوداء. استودع أبو أحمد أهله وعياله عناية السماء فأطبق جفنيه لمرة أخيرة على وطن، ضاعت تضاريسه فأهدى أبناءه إلى غروب أبدي.

21