سكينة فؤاد.. نفس امرأة لا يكل في فضح الفساد

الأحد 2013/09/15
أنا مؤمنة بالكلمة ومؤمنة بهذا الشعب وأحس أني جزء من كتيبة كتاب مكلفين

لم يكن اختيار سكينة فؤاد ضمن المجلس الاستشاري في يناير 2012، والهيئة الاستشارية للرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي في أغسطس 2012، ثم اختيارها ضمن القوى المدنية التي توافقت مع الجيش المصري على خارطة الطريق التي عزلت الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو 2013، وأخيرا اختيارها مستشارا للرئيس المؤقت عدلي منصور لشؤون المرأة، اختيارا عبثيا.

فالكاتبة والأديبة تملك تاريخا مشرفا لمحارب شريف ووطني شرس لا يكل ولا يمل عن مقاومة الفساد ومطاردة أذنابه، واستطاعت أن تواصل كتابته بنفس الروح المناضلة على مدى 50 عاما، انطلقت مع عملها في مجلة الإذاعة والتليفزيون عام 1964 وحتى اللحظة الراهنة، نأت بقلمها عن الانحياز لشخص أو لحزب أو فصيل أو جماعة أو تنظيم، ولم تلوثه بالتجريح والسباب والشتائم، حيث اعتبرت "أن الكاتب عندما يمسك القلم يمارس نوعاً من الصلاة على الورق، لأن القلم يسجد ليكتب".

ولم تكن تكتفي بمقال أو اثنين بل كانت تشن الحملة تلو الأخرى ولا تزال أصداء هذه المعارك التي خاضتها ضد نظام مبارك وفساده مثل قضية القمح والاكتفاء الذاتي والبذور المسرطنة وحوض النيل وحماية الآثار الإسلامية ولصوص الآثار وغيرها باقية، بل يمكن القول إنها مهدت بقوة لقيام ثورة الـ 25 من يناير وكتبت لها الاستمرار حتى الاكتمال في 30 يونيو.


المشاركة في ثورة 25 يناير


شاركت فؤاد في ثورة 25 يناير وأيدتها وقاتلت من أجلها ومن أجل أهدافها ومطالبها وثوارها منذ اليوم الأول، حيث كتبت اليوم التالي لانطلاقها في مقالها "الثلاثاء العظيم" "لا تطمئنوا أنفسكم وتصنعوا أوهاما بتذكارات مخادعة ومزورة عما يحدث في مصر الآن، وأن الانتحار مرض نفسي وضعف في العقيدة ومظاهرات الثلاثاء العظيم 25 يناير 2011 لم تكن انفجار مئات الآلاف بالإنابة عن آلاف جموع الملايين من المصريين وتدعون أنهم مجرد بعضة آلاف حركتهم كفاية والإخوان وجماعات من المعارضة والمخربين.

لقد كنت في الشارع وسط الجموع التي تغلي بالغضب والمطوقة بأحزمة أمن تتفوق في العدد والعتاد وأسلحة الترهيب والتخويف لكن كانت إرداة هذه الجموع أقوي وأصلب، وكان الشباب يزحف كالنار والنور من جميع الأطياف السياسية ومن غير الأطياف السياسية، وكذلك الشيوخ والنساء من جميــــع الأعمار".

ولم تتوان "فؤاد" في الدفاع عن الثورة والثوار خلال الفترة الانتقالية التي أدارها المجلس العسكري، وواجهت وانتقدت أخطاء المجلس بنفس القوة المعهودة عنها، وكانت المواجهة مع المجلس العسكري وفلول النظام السابق حيث كتبت في 14 مارس 2011 "النظام السابق لم يسقط بعد.. والثورة لم تنجح بعد؟"، متسائلة "هل من خططوا جرائم إخلاء مصر من جهازها الأمني ومجزرة الأربعاء الأسود 2 فبراير 2011 بميدان التحرير أحدث رقم للشهداء يتجاوز الألف شهيد.

هل من وجهوا الرصاص الحي لعيون الشباب حتى يفقدوا البصر إن لم يفقدوا الحياة وخرموا أجسادهم بالرصاص ودهسوهم بالسيارات هل يصعب أو يعز عليهم أن يضيفوا إليهم قتل مجموعة من الشباب المسيحي وحرق كنيسة هناك والتلويح بحرق مسجد هنا ليحرقوا مصر بالفتنة الطائفية.

وذهبت إلى الاستقالة من المجلس الاستشاري الذي أنشأه المجلس العسكري احتجاجاً على ما وصف بـ "إضفاء شرعية على دور المجلس العسكري"، في إدارة شؤون البلاد خلال الفترة التي شهدت أحداث مجزرة بورسعيد ومجلس الوزراء ومحمد محمود.

وحذرت مستشرفة المستقبل من نتائج الانتخابات البرلمانية 2011 / 2012 التي اكتسحتها جماعات الإسلام السياسي "هذه الانتخابات التي مثل فيها الإقبال الجماهيري إرادة المصريين وحضارتهم أشك كثيرا أن تمنحهم ما يتطلعون إليه من حياة ديمقراطية حقيقية، فهي انتخابات لم تتوازن أو تتكافأ فيها الفرص المتاحة لجميع القوى الوطنية، منذ زرعت بذور الفتنة واستقواء قوى سياسية باستفتاء 19مارس؟".


المواجهة مع الإخوان


وبعد ثلاثة أشهر من اختيارها ضمن الهيئة الاستشارية للرئيس الإخواني محمد مرسي استقالت رفضا للإعلان الدستوري في "22 / 11 / 2012" وردا على ما استتبعه من أحداث أمام قصر الاتحادية التي راح ضحيتها 8 شهداء من الثوار وعشرات المصابين والمعذبين الذين تم سحلهم والتنكيل بهم على يد ميلشيات الإخوان تحت سمع وبصر الرئيس، وإدراكا للنكبة التي منيت بها مصر بتولي جماعة الإخوان حكم مصر، دخلت "فؤاد" في مواجهة مباشرة من الحكم الإخواني وجماعة الإرشاد في المقطم والقصر الرئاسي بالاتحادية، بدأتها بمقال "اعتذار.. وانسحاب" حيث أعلنت اعتذارها لـ"روح الشهيد جابر صلاح ولروح الشهيد إسلام فتحي، من يصدق استمرار جرائم ضرب الشباب حتى الاستشهاد؟ للشباب الثائر في موقعة محمد محمود 2012، لجميع الشهداء، منذ قامت الثورة حتى الآن، ولكل الشباب الذين ما زالت روح الثورة ومبادئها واسترجاعها واستمرارها تشتعل نارا ونورا داخلهم.

لهم جميعا التحية والاعتذار عن خطايا أجيال لم تستطع أن تكون على قدر نبلهم ووطنيتهم وعشقهم لوطنهم، تماسكوا وثقوا أن من قام بثورة مثل ثورتكم لن يُهزَم أبدا.. لا وألف لا لإعلان دستوري أو دستور أو قانون يضع الحاكم وسلطاته أو أي مؤسسة فوق المراجعة والحساب، لذلك ومنذ اليوم الأول لصدور هذا الإعلان الدستوري أعلنتُ رفضي وانسحابي من هيئة كان يجب أن تشاوَر بشأنه قبل إعلانه لا أن تتلقاه كما تلقاه أو كما وقع فوق رؤوس أغلب المصريين".


إعلان بداية الثورة الثانية


وردا على خطاب الرئيس الإخواني في افتتاح مؤتمر إطلاق مبادرة حقوق المرأة 24 مارس 2013 والذي كان تشنج فيه فهدد وتوعد الأصابع الخفية والإعلام والمعارضين وشباب الثورة على تجرؤه بالصعود والتظاهر أمام مقر مكتب الإرشاد في المقطم، كتبت مقالا كاشفا ومنذرا أن ثورة جديدة قادمة، حمل عنوان "استدعاء رئاسي لموجة جديدة من الثورة!" قالت فيه إن "صدور أمر ضبط مجموعة من أخلص وأنبل شباب الثورة وإحضارها، بينما القتلة والمسؤولون، ومن أداروا ونفذوا حلقات الدم وإهدار دماء الثوار منذ قامت ثورة 25 يناير وحتى الآن، أحرار طلقاء لم يحاسب واحد منهم، فنحن أمام استدعاء رسمي لموجة ربما تكون من أعنف موجات الثورة وأعلاها".

وأضافت "في الخطاب لفتني حجم الغضب والانفعال والتهديدات كما لم يحدث من قبل، أو كأنه لم تحدث في مصر كوارث قبل المأساة التي حدثت في المقطم، لفتني أيضا الاستدعاء العاجل للقانون ولتفعيل القانون، ذلك النداء الذي لم يتوقف عنه كل من تطلع وبحث عن وسائل للإنقاذ ولإيقاف التدهور، ودائما لم يكن هناك مجيب، وتمادت وتعددت أشكال انتهاك القانون والاعتداء والخروج عليه!

هل يقل بشاعة ما حدث في المقطم عما تعرض له الشباب من انتهاكات مادية ومعنوية ومطاردة واعتداءات إجرامية وصلت إلى الاغتصاب والضرب حتى الموت والاختفاء؟

هل لم يشاهد في الفضائيات المتهمة نتيجة للدور الكاشف الذي تقوم به صرخات الأمهات ونداءاتهن وتوسلاتهن، والبعض منهن فقط عثرن على أبنائهن حينما أطلق عليهم الرصاص الحي وانتهوا إلى ثلاجات المستشفيات؟ هل لم يتابع رئيس الجمهورية مهزلة الكذب والتزوير في ما حدث لمحمد الجندي والتقارير المروعة لأطباء مستقلين بآثار التنكيل وتكسير الضلوع وشج الرؤوس والصعق بالكهرباء؟ هل لم تسمع لأم محمد الشافعي التي قضت ثلاثين يومًا تبحث عن ابنها حتى تعرفت على جثمانه الطاهر بأحاسيس الأم؟

وقبل أيام من خروج المصريين كالطوفان بطول البلاد وعرضها في ثورة 30 يونيو وجهت "فؤاد" نداء إلى جماعة الإخوان أن لديها فرصة أخيرة لإثبات أن مصلحة هذا الوطن وحمايته تتقدم على مصلحتهم، فإرادة الشعب تفوق الجميع وحجم الألم أصبح يفوق طاقة الشعب، لكن العمى والغرور والكبر كان قد طمس على عقل الجماعة ووجدانها فلم تسمع النداء، ليأتي طوفان الثورة وتباركه بعدة مقالات منذ اليوم التالي لعزل الرئيس الإخواني تحت عنوان "الشرعية والديمقراطية بالدم" واصفة الثورة بأنها "مشهد عبقري يذكرها بجلاء قوات العدوان الثلاثي عن مدينتها بورسعيد نتيجة لنضال أبنائها وكفاحهم، وعودة الطائرات المصرية وتحليقها على سماء المدينة وإمطارها بالأعلام كما فعلت في ميدان التحرير".

ومؤكدة سقوط شرعية مرسي "لا شرعية الآن إلا مع إنفاذ إرادة هذه الملايين من المصريين، فشرعية هذا النظام سقطت منذ الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، سقطت الشرعية منذ سقوط 70 شهيدًا جديدًا بعد الانتخابات الرئاسية، سقطت الشرعية منذ دخل الثوار السجون وقُتلوا وعُذبوا فيها، سقطت الشرعية منذ سقط 60 شهيدًا في مذبحتي يناير ومارس 2013.


حقوق المرأة

واجهت بحس إبداعي وإنساني ووطني ما يحاك للوطن والمواطن من مؤامرات ودسائس ضد أمنهما القومي وتراثهما وتاريخهما وحضارتهما.

موقف "فؤاد" من المرأة وحقوقها تكشّف بعد أن وضحت نوايا النظام الإخواني وحلفائه من جماعات الإسلام السياسي وتنظيماته بإغفال حقوقها في الدستور أثناء العمل عليه، حيث واجهت التيار الإسلامي مؤكدة أن حق المرأة المصرية ليس منحة من أحد، وأن من يحفظ حقها هو تاريخ كفاحها، وأن من يكتبون الدستور الآن يغفلون عن دور المرأة ومكانتها التي كتبها التاريخ. وقالت إن إلغاء المادة 36 من مسودة الدستور التي تنص على "المساواة بين الرجل والمرأة " يدل على عدم القدرة والتوصل إلى الفهم العميق لمدى أهمية المرأة وأن إلغاءها لن يلغى حقوق المرأة ودورها التاريخي والمكون الحضاري والثقافي.

وطالبت تأسيسية الدستور إقرار تاريخ المرأة والاعتراف به، حيث أن غياب دور المرأة عن الدستور هو قصور وعدم إدراك لمكانته عبر التاريخ، وقالت إن ممثلي الإسلام السياسي تغيب عنهم الرؤية الصحيحة للمرأة ومكانتها ودورها الذي أدته تاريخيا وتكريم الإسلام لها. الآن باعتبارها مستشارا للرئيس لشئون المرأة تُعد "فؤاد" لإطلاق مبادرة لتشكيل لجنة لمراقبة العنف ضد المرأة بمشاركة جميع الوزارات والمؤسسات المدنية.


القاصة والروائية


اكتسبت "فؤاد" شهرتها وذاع صيتها بعد أن قدمت للمكتبة الأدبية مجموعة من الأعمال الروائية والقصصية، منها رواية "ليلة القبض على فاطمة" التي تحولت إلى عمل تليفزيوني وسينمائي، واستلهمتها من مكونات المرأة البورسعيدية، امرأة 1956 التي شاركت في المقاومة ضد العدوان الثلاثي، وامرأة 1968 التي هُجّرت وأسرتها تحت الضغط، امرأة واجهت انتهازية المجتمع في عهد عبد الناصر، ومجموعة قصصية بعنوان "امرأة يونيو" ورواية "ترويض الرجل" كتب المقدمة لها الكاتب الكبير توفيق الحكيم، وناقشت فيها قضية خطيرة تمس المرأة، وهى مسألة "العصمة".

وحول علاقة الأدب بالسياسة وتأثيرهما المتبادل تعترف "فؤاد" "أعيش صراعا مدمرا، كل أسبوع أزيح أوراق الصّحفية وألعنها، ولو كان بيدي أن آخذها وأحبسها في مكان وآخذ الأديبة وراء المكتب وأخرج العمل الأدبي وأبدأ في الأديبة، فتتقافز في عقلي معطيات اللحظة والألم وأن هناك مشكلة يجب أن يكتب عنها ولأجل الرواية للأسبوع القادم.

أنا أعتبر أن الإمساك بالقلم وإطلاق الرصاص على الفساد الآن وكشفه ومطاردته فريضة إيمانية لأن مصر في ظروف أنا أعتبرها بالغة الخطورة، فتُهزم الأديبة وتُؤجل للأسبوع القادم.

منذ كتبت "امرأة يونيو" وأنا في صراعات ضدي كإنسانة وككاتبة، ما بين استغناء وما بين أن أحاصر وما بين أن لا يكون لي مكان أعمل فيه رغم قدرتي الحمد لله، ولكن كما قلت كثيراً لو لم يعد هناك مكان فعلى الرصيف سأمسك ورقة وقلما وأكتب ولو لم أجد الورق سأكتب على حوائط مصر.

20