سلاح الأحزاب السياسية في مواجهة الإسلاموية والطائفية

الأحد 2015/03/01
مواجهة الإرهاب تبقى قاصرة دون المواجهة السياسية

بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، وانقضاء استحقاقات الاستفتاء على التعديلات الدستورية ثم الانتخابات بشقيها البرلماني والرئاسي، استضافت إحدى الفضائيات المصرية رجالا من المجلس العسكري الذي أدار مصر بعد ثورتها الأولى. ما زلت أتذكر ما قاله أحدهم “نتيجة فوز الإسلامويين طبيعية، والممارسة الديمقراطية فرصة للأحزاب الليبرالية والعلمانية واليسارية لتنظيم نفسها ولاستقطاب أنصار أوسع، وفي كل الأحوال لن يسمح الجيش بتكرار نماذج أفغانستان وإيران وغزة في مصر”.

لقد صدق القائد العسكري في حديثه، فنموذج الإسلاموية سقط في ثورة الثلاثين من يونيو بعد عام واحد –بالضبط– من حكم الرئيس محمد مرسي وزمرة الإخوان، لكن الأحزاب المدنية لم تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، بل إن بعض المستقلين –في مصر– أقوى من بعض الأحزاب أو من كلها مجتمعة.

ومن مصر إلى لبنان، نلحظ بوضوح، في ظل الأغلال الطائفية التي تكبل جبال الأرز وسهولها، أن الأحزاب السياسية –في حقيقتها– آلات انتخابية لزعمائها.

فما هو الفرق الأيديولوجي بين حزب الكتائب والقوات اللبنانية؟ الفرق هو أن الكتائب يرأسها الشيخ أمين الجميل والقوات يرأسها سمير جعجع! أين هي المظاهر اليسارية التي يفترض أن يعبّر عنها الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه وليد جنبلاط؟ حركة أمل التي يفترض أن تشكل بديلا علمانيا لـ”حزب الله” أسستها رعاية المعمم الفقيه موسى الصدر. ما هو مصير التيار الوطني الحر بعد جنراله ميشال عون وهل هناك مستقبل لتيار المستقبل من دون آل الحريري؟

هذه الصورة الهشة للأحزاب السياسية في مصر وفي لبنان تتخللها ومضات منها المشرق ومنها المظلم، فإن كانت القوات اللبنانية قد نجت –إلى الآن– من الوراثة العائلية فإنها لم تتحرر بعد من الطائفية، وفي مصر فإن حزب الوفد –رغم التحولات التي عصفت به والانشقاقات التي أوهنته– ما زال صفحة مضيئة، أما الثقوب السوداء فواضحة من خلال “حزب الله” الإيراني لبنانيا والفصائل الإسلاموية الموزعة بين إخوان وسلفيين مصريا. كل ذلك لا بد أن يغفل أننا لا نتحدث عن دولتين مدنيتين تماما، فمصر يمكن اعتبارها دولة نصف عسكرية ولبنان دولة نصف طائفية.


كارثة الإسلاموية


شعبية التنظيمات الإسلاموية مسبباتها واضحة، فشل الدولة والإحباط الحضاري والغريزة الدينية. وإن كانت ظاهرة الإسلاموية كارثة سلبية بكل المعايير وفي مختلف المستويات، إلا أن المحاولات الفاشلة لتصدي لها كارثة أكبر.

النخب الحاكمة، مصريا وخليجيا بالذات، تواجه الإسلاموية بإسلاموية مضادة، فمصر تواجه الإخوان بالسلفيين وهم أكثر تشددا ودموية ويمثلون الخزّان الثقافي والاجتماعي للإرهاب، والخليج يتنازع بين سلفية تواجه سلفية أو بين خطاب ديني تائه الملامح تمثله الدولة يواجه خطابا دينيا صارم المعالم يمثل الإرهاب. ومشكلة هذه المقابلة أنها تمنح الشرعية للمنطق الإسلاموي، وبالتالي استدرجت الدولة نفسها إلى ملعب الخصم وفق قواعده، فأصبحت الدولة هنا هي الحلقة الأضعف لأن مساحة المزايدة عليها من خصمها أكبر كما أن هامش مناورته أوسع.

الدستور المصري واضح تماما في حظر الأحزاب الدينية، ووجود حزب النور السلفي –وما شابهه- هو الانتهاك الأكثر صراحة للدستور. كان حديث القائد العسكري في إحدى الفضائيات المصرية بعد ثورة يناير تواقا –وفق الظاهر– إلى أن تستعيد الأحزاب المدنية مكانتها المفترضة، لكن القانون الانتخابي الجديد –رغم محاسنه في تثبيت المواطنة بإنصاف المرأة والأقباط– يضعف الأحزاب أكثر لصالح “وهم” المستقلين، إضافة إلى أن الدولة المصرية بعد ثورة يونيو بدت لا تثق في المدنيين كما أنها تمارس السياسة بمنطق لا يمتّ للسياسة بأيّ صلة.

الخطاب الإسلاموي من جهة والمؤسسة الدينية الكلاسيكية من جهة أخرى يعيقان الشريحة الإصلاحية في مؤسسة الحكم وفي النخب عن الإقدام نحو المستقبل

إن الارتباط بين الإسلاموية والإرهاب واضح وجليّ، ولا يمكن أن ندق مسمار نعشها من دون إعادة الاعتبار للأحزاب في الحياة السياسية العربية. فمقولة “لا ديمقراطية مع الأحزاب الدينية”، لا بد من تكملتها– أيضا– بـ “لا ديمقراطية بلا أحزاب”.

إن أبسط تعريف للإرهاب يصفه بـ”ارتكاب الجرم لتحقيق هدف سياسي”، والمشكلة أننا لم ندع سبيلا للتغيير يسلكه راغبوه من المحيط إلى الخليج، ولم نغطّ قانونيا دعاة التغيير، فأصبح المقابل للدولة هو الإرهاب، في حين أنها يجب أن تسمو فوق الكل وتحتضن الجميع لتصبح المعارضة هي خصم الموالاة.

إن تصوير البعض بأن خصومة بعض النخب مع الإسلامويين هي خصومة مع الديمقراطية ومع حقوق الإنسان غير صحيح البتة، إن الخصومة مع الإسلاموية هي لبّ الخصومة مع الاستبداد، ومن يرفض الاستبداد الغيبي لن يقبل الاستبداد الزمني. ومهما ادعت الأحزاب الدينية إيمانها بالديمقراطية وبالحقوق العامة وبالحريات الخاصة فإن إيمانها مشروط وجزئي إن لم يكن مزورا، والدليل ما نراه في تركيا بعد تمكن أردوغان من الدولة وما رأيناه من الإخوان بعد أن ثار الشعب على حكمهم.

وفي الخليج من الواجب أن نخصص الحديث عن المملكة العربية السعودية التي تشكلت بتحالف بين مؤسسة سياسية ومؤسسة دينية لتكون دولة “نصف مدنية”، وولادة الخطوات الجديدة في المملكة تنتج –دائما– عن مخاض عسير لاحتدام التوأم الملتصق (الإسلاموي والمدني) وغالبا ما يعيق الجنين الإسلاموي توأمه المدني عن الخروج إلى الحياة متشبثا به في الرحم المظلم.

إن الخطاب الإسلاموي من جهة، والمؤسسة الدينية الكلاسيكية من جهة أخرى، يعيقان الشريحة الإصلاحية في مؤسسة الحكم وفي النخب عن الإقدام نحو المستقبل. ودعوات الإصلاح في المملكة خصمها إما سياسي صريح أو إسلاموي صريح أو سياسي مقنّع بوجه إسلاموي. وأمام معضلة التكوين، في بيئة فقيرة سياسيا، يمكن أن نفهم حال المملكة من منظار شامل.

مصطلح “ناشط سياسي” لم تعرفه الساحة السعودية إلا عقب أحداث 11 سبتمبر حين وصف به الإعلامي أحمد منصور ضيفه المستشار محمد سعيد طيب، في قناة الجزيرة. وبعد تحرير أفغانستان من القاعدة وتحرير العراق من صدام حسين تمدد استخدام المصطلح مشكلا مشكلة سعودية. فالنشطاء المدنيون في دائرة السياسة والحقوق في علاقة غير ودية مع الدولة التي يفترض أن تمثل الجنين المدني، ومن يقابلهم من أتباع الجنين الإسلاموي أفضل حالا بغطاء ديني ذي وجه اجتماعي قاتم محرج للدولة.


السياسة لاحتواء التطرف


الدولة السعودية، رغم كل إنجازاتها، ما زالت في صيغتها متأخرة إلى شكل الدولة العباسية زمن قوتها الداخلية، ليبدو غريبا أن تكون الحداثة التي حققتها الدولة شحيحة في الدولة نفسها، ليصبح مظهرها في القرن الحادي والعشرين شاذا تماما. فالحياة السياسية ضحلة في أفضل أحوالها، والمواطن الذي يعرف واجباته المتمثلة في السمع والطاعة لا يعرف حقوقه السياسية إن كانت موجودة أصلا.

لذلك فالدعوة هنا واجبة، لأن تعترف الدولة بالحقوق السياسية للمواطن، وأن تشرّع أولا قانونا واضحا وحاسما للحريات المدنية، وأن تفرج عن قانون مؤسسات المجتمع المدني الحبيس منذ سنوات في أدراج هيئة الخبراء التابعة لمجلس الوزراء، وأن تدشّن بيدها تنظيما للحياة السياسية في البلاد يتيح للناشطين ولغيرهم ممارسة حقهم في الدعوة إلى التغيير وإحداثه تحت سقف الدولة وداخلها، فلا مصلحة أبدا في أن نجعل خيار التغيير خارجا عن مظلّة شرعية النظام الأساسي للحكم.

الارتباط بين الإسلاموية والإرهاب واضح وجلي ولا يمكن أن ندق مسمار نعشها من دون إعادة الاعتبار للأحزاب في الحياة السياسية العربية

ستعلو بعض الأصوات التي تخوّف من امتداد نفوذ التطرف إلى السياسة، والحقيقة أنها ذريعة مفتعلة. فبإمكان صاحب القرار أن يشرف بنفسه على تكوين الأحزاب كما فعل في الجمعية الأهلية لحقوق الإنسان أواخر عهد الملك فهد، ومن الواجب عليه أن يعلن بحزم أنه لا مكان للإسلاموية وللأحزاب الدينية- وليس للإسلام الذي هو دين الفرد– في الحياة السياسية السعودية، ومن هذا المدخل يكون الولوج إلى تحقيق المشاركة الشعبية –التي وعد بها النظام الحاكم– إلى مجالس الشورى والمناطق والبلديات ووصولا إلى الحكومة نفسها. ستبقى الدولة السعودية تعاني من تطرف يتلو تطرفا حتى تملك الشجاعة لمواجهة نفسها، وليس من العدل أن يتحصن الإسلاموي بالشريعة ولا يتحصن المدني بالقانون.

لا تمكن مواجهة الإرهاب بالذراع الأمنية فقط، واستدعاء المنطق الفكري مهم، لكن من دون المواجهة السياسية، ستبقى مواجهة الإرهاب قاصرة لأنه يرتكب الجرم لتحقيق هدف سياسي، والبنية الطائفية التي يفرزها التطرف ويعبر عنها، لا يمكن احتواؤها من دون السياسة.

إن مصر معيبة في الآن الراهن بسلطة سياسية لا معارضة لها، مما يدفع الغاضبين إلى التعاطف مع الإرهاب أو الإسلاموية، ولبنان معيبة بالطائفية التي هي لبّ المشكلات، وكان حكماء لبنان يرون نهضته في التحرر منها، لكن بعض النخب السياسية اللبنانية اليوم تصعد إلى الهاوية بالعمل على تكريس الطائفية، ومشكلة التطرف في السعودية لا فرار منها لتخلف الخطاب الديني وتزمّته ولهاثه للحفاظ على مكتسباته الوصائية أو توسيعها مما يجعل المواطن الطامح مشتتا بين دولة يؤمن بها لكنها لا تؤمن به، وبين إسلاموية تعادي الدولة وتعاديه لكنها تتمتع بامتيازات رسمية تاريخية. دعونا نستخدم سلاح الأحزاب لمواجهة التنظيمات والميليشيات.

إن جانبا من السرطان الذي ينخر جسد العرب والمسلمين (داعش)، يعود إلى دهس مشاريع التغيير والإصلاح، فلجأ الغاضبون من العرب والمسلمين إلى سحق الإنسانية وسحق دولتها، خصوصا بعد تعبئتهم بخطاب ديني وطائفي مريض، وإرث تاريخي داكن، ورؤيتهم لحاضر لا أفق له، مما سهل تلاعب الغرباء والمختلين بهم.

لقد تحدثت مرارا عن ارتباط الدولة بالعلمانية وبالديمقراطية، وتحدث غيري كثيرا عن استحالة استعادة الدولة العربية لهيبتها من دون التقدم في عملية السلام. والآن لا بد من التأكيد على إعادة الاعتبار للسياسة والإيمان بالأحزاب السياسية كسبيل شرعي سليم لبناء الحياة السياسية وكحلّ من حلول تحجيم الطائفية والإرهاب والتطرف.

إن التذكير هنا بدعوة الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز لإصلاح البيت العربي ملحّ، والرهان على السعودية ومصر ولبنان –كنقطة بداية– يعود إلى ثقل هذه الدول كل في ساحته. من الواجب أن تؤمن الدولة العربية بعمقها المدني ساعية إلى توسيعه ليشمل الكيان طاغيا على النصف العسكري في مصر والنصف الطائفي في لبنان والنصف الديني في السعودية، وإن كان مخرج لبنان ومصر يكمن في التفكير خارج الصندوق، فإن المملكة –لسوء الحظ– لا بد أن تفكر خارج صندوقين.


صحفي سعودي

6