سلاح التخوين الأعمى متعدد الطلقات

ليس المهم هنا مدى خطأ أو صواب رد الفعل الفلسطيني على اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي، بقدر أهمية انعكاس الموقف الفلسطيني الحالي على القضية الفلسطينية وفرصها في تحقيق السلام.
الأحد 2020/09/27
معاهدة السلام الإماراتية - الإسرائيلية تقدم فرصة جديدة للمفاوض الفلسطيني

المشهد الأول

ما زالت صورة السيد صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين محفورة بذاكرتي وهو يطلب من مذيعي قناة الجزيرة خلال لقاء مباشر يناير عام 2011 تقديم “الفلاشة – USB”، التي أصبحت بعد ذلك مصدرا للتندر، التي فيها الوثائق الحقيقية غير “المحرفة أو المزيفة” ليفند بها ادعاءات القناة واتهاماتها.

كان موقفا صعبا، قناة أخبار تستعد لافتراس أحد أفضل وأنزه المسؤولين الفلسطينيين وتتهمه هو ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بخيانة القضية الفلسطينية، من خلال عرض وثائق تقول إنها لمحاضر اجتماعات المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الأميركية، بتقديم تنازلات “غير مقبولة” سرا للمفاوض الإسرائيلي، وتعمل على “فضحه” علنا على الهواء مباشرة، من خلال حملة إخبارية مطولة ومكثفة تعرض فيها تلك الوثائق التي حصلت عليها من درج مكتبه، ليصف صائب عريقات ما حدث معه بعد ذلك بالقول “تعرضت لأكبر حملة تشهير منذ حادثة الإفك”.

الجزيرة وعدد من التيارات الفلسطينية وحماس انبرت للهجوم على عريقات والسلطة الفلسطينية، تخوينا ومساءلة، والطريقة “المسرحية” التي تم تقديم هذه التغطية بها، على حد وصف صحيفة “الحال” الصادرة عن جامعة بيرزيت الفلسطينية، غطت على السؤال الأهم، وهو مصدر تسريب هذه الوثائق وهي بالآلاف.

وأثبتت نتائج التحقيق الفلسطينية أنه تم تسريب تلك الوثائق، أو سرقتها على نحو أدق، عن طريق شخصين كانا يعملان في دائرة المفاوضات الفلسطينية ومكتب عريقات. ولعل “الصدفة” جمعت بين مصيريهما، حيث قدما استقالتيهما وانتقلا للعمل في قطر قبل نشر الوثائق بعدة أشهر فقط، أحدهما، “بالصدفة”، بدأ العمل في الديوان الأميري القطري والآخر، “بالصدفة” أيضا، بدأ العمل في قناة الجزيرة.

وغطى هول الصدمة، والتضخيم الإعلامي لفحوى هذه الوثائق، على حقيقة أن هذين الشخصين اللذين قالت التحقيقات الفلسطينية إنهما “سربا – سرقا” هذه الوثائق، لم يقوما بهذا العمل بدافع التطوع، وإنما تم تجنيدهما من قبل المخابرات القطرية، لسرقة هذه الوثائق، ومن ثم رتبت المخابرات القطرية انتقالهما للعمل في قطر قبل كشف الوثائق حماية لهما.

أي أن ما أريد تقديمه للعالم على أنه “سبق صحافي شاركت فيه حتى صحف أجنبية” لم يكن إلا مخططا استخباراتيا قطريا. والخطط الاستخباراتية تخدم دائما أهدافا سياسية، والهدف السياسي القطري حينها كان الإطاحة بالرئيس محمود عباس لصالح حركة حماس التي أحكمت سيطرتها على قطاع غزة بعد الانقلاب العسكري الذي قامت به ضد السلطة الفلسطينية هناك عام 2007.

وتشير الوثائق التي عرضتها قناة الجزيرة حينها، والتي أصر عريقات على أنه تم تحريف جملها واستقطاعها لتعطي معنى آخر، إلى تقديم تنازلات “كبيرة”، حسب وصف القناة، وصلت حد “التواطؤ” مع الجانب الإسرائيلي وخيانة القضية، أهمها القبول باحتفاظ إسرائيل بكل مستوطناتها في الضفة ما عدا واحدة، وفي القدس الشرقية ما عدا واحدة، وتأجيل بحث مصير المسجد الأقصى وفتح الباب لحلول “خلاقة” لوضع المسجد، إلى درجة أن أحد المفاوضين الفلسطينيين قال لتسيبي ليفني في أحد اللقاءات، على حد ما جاء في تلك الوثائق، “لقد عرضنا عليكم أكبر أورشليم في تاريخكم”.

كما زعمت الوثائق تمييع حق اللاجئين بالعودة إلى تقسيط العائدين إلى عشر مجموعات كل منها مكونة من 10 آلاف فلسطيني، تعود كل عام واحدة منها، ليكون مجموع العائدين 100 ألف لاجئ فلسطيني خلال عشر سنوات.

المشهد الثاني

صائب عريقات متحدثا من جديد لقناة الجزيرة بتاريخ 29 يناير 2020 (بعد 9 سنوات بالضبط على أزمة اللقاء الأول حول الوثائق المسربة – المسروقة) ويقول للمذيعة معلقا على خطة السلام الجديدة التي طرحها ترامب، إن هذا الكلام ليس جديدا، بل تم عرضه على وفد التفاوض الفلسطيني عامي 2011 و2012.

وربما دون أن ينتبه أشار عريقات إلى أن “لديه الوثائق التي تؤكد ذلك والأدلة”، وهو هنا يشير إلى نفس تلك الوثائق التي تم تسريبها أو سرقتها من مكتبه ونشرها عبر قناة الجزيرة، والتي اضطر بسببها إلى الاستقالة من منصبه حينها اعترافا منه بمسؤوليته عن خروج هذه الوثائق بشكل ما من مكتبه وعهدته.

ويستنتج القارئ للوثائق والمتتبع لتصريحات عريقات أمرا مهما، وهو أن وفد التفاوض الفلسطيني كان منفتحا على دراسة أفكار قريبة جدا من خطة ترامب للسلام أو على الأقل كان منفتحا على “حلول خلاقة” وتقديم تنازلات للطرف الإسرائيلي من أجل تحقيق السلام، بشرط أن يبقى ذلك سرا وفي الغرف المغلقة حتى الانتهاء من جميع الملفات وإعلانها كلها دفعة واحدة، فيكون حصل في مقابل ما قدمه من تنازلات ومرونة، على مكاسب في ملفات أخرى يستطيع أن يدافع بها عن موقفه وعن سبب تقديم تلك التنازلات.

لكن نفس وفد التفاوض الفلسطيني ليس مستعدا لإبداء أي مرونة أو قبول لمناقشة نفس الأفكار أو مقترحات جديدة يتم طرحها في العلن. فهو في الحالة الأولى أمام إحدى نتيجتين، إما أن ينجح في التفاوض ويخرج بمكاسب تغطي على تنازلاته ومرونته، وإما يفشل التفاوض وعندها يخرج دون أن يكون قد قدم أي شيء أو تنازل عن أي شيء. أما في الحالة الثانية العلنية، فهو مكشوف أمام لوبي “التخوين” و”السلفية السياسية” اللذين سيعتبران كل من يقبل التفاوض وفق هذه الأفكار “خائنا” و”عميلا” ومتواطئا مع الإسرائيليين.

وللتأكيد على هذا الاستنتاج، نسترجع بعض تعليقات مثقفين فلسطينيين ومراقبين محايدين، على حادثة “تسريب” الوثائق عام 2011، وأعود مجددا لصحيفة الحال الفلسطينية من جامعة بيرزيت، والتي نقرأ فيها تعليقا يقول “أقنعني صائب عريقات في دفاعه عن نفسه ومواقفه أمام اتهامات مذيع الجزيرة، واكتشفت أن السلطة الفلسطينية كانت متساهلة في التفاوض بالقدر الذي نعرفه لا أكثر“.

أي أن ما وصفته قناة الجزيرة بـ”الخيانة والتواطؤ” كانت له تبريراته وتفسيره المقبول عند الكاتب، وهو أستاذ سابق في الجامعة يتمتع بالاحترام والمصداقية، الذي اقتنع بحديث عريقات وتبريراته.

ويضيف نفس الكاتب، الذي تُحسب له الشجاعة الأدبية لانتقاده الجزيرة وحملتها الإعلامية على الرغم من أنه كان يعمل موظفا لديها حينها، “تعززت قناعتي بأن التفاوض مع الإسرائيليين عبث. وفكرة أبومازن التي قالها في لقاء آخر مع الجزيرة بأننا يجب أن نشجع الصوت الإسرائيلي واليهودي المتعقل والإنساني فكرة قيّمة جدا”.

وأشار إلى فكرة “تجاوز الحكومة الإسرائيلية إلى الحوار المباشر مع الشارع الإسرائيلي من أجل إقناعه بالتخلي عن عنصريته”، وهي الفكرة التي كانت مقبولة ومستساغة فلسطينيا في حينه بعد التعنت الذي ظهر به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

المشهد الثالث

لماذا أستشهد بهذا الكاتب الفلسطيني الشجاع، ببساطة لأنه يشبه في موقفه الكثير من الفلسطينيين الذين كانوا يفكرون بنفس التفكير تقريبا حينها (عام 2011) أما اليوم، فيرفعون شعار “التطبيع خيانة” في وجه معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية والبحرينية الإسرائيلية، تماما مثل صائب عريقات الذي لعله أكثر من يعرف ويدرك يقينا كم أن سلاح التخوين أعمى، وكم هو ظالم الاتهام دون إعطاء نفسك أولا فرصة للفهم قبل أن تعطيها فرصة للغضب ورد الفعل العاطفي.

وليس المهم هنا مدى خطأ أو صواب رد الفعل الفلسطيني الرسمي على اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي، بقدر أهمية انعكاس الموقف الفلسطيني الحالي منه على القضية الفلسطينية وفرصها في تحقيق السلام. فقد يكون لسان المفاوض الفلسطيني قد احترق سابقا من “تسريب أو سرقة” وثائق التفاوض قبل أن تنتهي العملية برمتها من أجل الإيحاء بأن المفاوض الفلسطيني يفرط في حقه ويخون قضيته.

لكن اليوم، تقدم معاهدة السلام الإماراتية الإسرائيلية، في أحد جوانبها، فرصة جديدة للمفاوض الفلسطيني ليجرب التفاوض من جديد حتى “وإن نفخ هذه المرة في الزبادي” وتجربة طرح “الحلول الخلاقة” مجددا، فيما تتكفل العلاقات التجارية والاقتصادية الإماراتية والبحرينية مع إسرائيل، إلى جانب العودة بالنفع الاقتصادي على الطرفين، في “محاولة إقناع الشارع الإسرائيلي بالتخلي عن عنصريته ونظرته المسبقة عن العرب ومحاولة تشجيع الصوت الإسرائيلي المتعقل والإنساني”.

سوء العلاقات القديمة بين السلطة الفلسطينية وأبوظبي لا يجب أن يكون الدافع الأساسي للموقف الفلسطيني من الخطوة الإماراتية والبحرينية. العتب أو الغضب أو حتى التأييد هي مواقف انطباعية عاطفية يجب تركها للمواطن الفلسطيني، لكن السلطة الفلسطينية مسؤوليتها ليست العواطف وإنما السياسة، ومن باب السياسة تطويع الشروط واقتناص الفرص خدمة لمصلحة القضية الفلسطينية، على الأقل حتى لا يضطر الدكتور صائب عريقات إلى توجيه اتهاماته للإمارات بخيانة القضية الفلسطينية، من على نفس الشاشة التي اتهمته هو شخصيا عام 2011 بخيانة فلسطين وشعبها.

6