سلاح التوظيف الحكومي يقتل مستقبل العراق

الاثنين 2013/11/04

في ظل الفوضى السياسية والتجاذب الطائفي في العراق يجري يوما بعد يوم – كنتيجة عرضية – تدمير أي فرصة لبناء دولة مستدامة على المدى القريب والبعيد.

تبدو الحكومة بميزانيتها الباذخة عاجزة عن تحريك الاقتصاد الراكد، إن لم نقل الميت، ولا تلجأ سوى للهروب الحكومة الى الامام، بحلول ترقيعية، تزيد تعميق الحفرة التي سقط فيها الاقتصاد العراقي، بتشغيل المزيد من العراقيين في وظائف وهمية لكسب المزيد من الصامتين عن فشلها.ففي خضم الاشتباكات الطائفية والجبهات العديدة المفتوحة، والصراع الشرس على السلطة، إضافة الى غياب أدنى معايير المهنية في إدارة الدولة، يجري يوما بعد يوم "معالجة" الأزمات الاقتصادية والاحتجاجات بمزيد من المسكنات القاتلة التي تقطع جميع السبل أمام بناء اقتصاد قابل للحياة.

جهات رسمية كثيرة تقول أن الدولة العراقية تشغل ما يصل الى 4 ملايين شخص، وهي نسبة الى عدد السكان، قد تكون الاعلى في العالم. فهي توظف 3 أشخاص أو 4 وأحيانا أكثر من ذلك بكثير في كل وظيفة ممكنة في القطاع العام.

هل كان للحكومة العراقية أن تستمر بهذا التخبط، لولا ريع النفط، الذي يمكن به شراء صمت الملايين الاربعة وخمسة أضعاف من يعيلونهم في أبسط التقديرات؟

الميزانية التشغيلية أصبحت تأكل ما لا يقل عن 80 بالمئة من الموازنة العراقية في التقديرات المتحفظة، وهي لا تترك متسعا لأي ميزانية استثمارية لتطوير الاقتصاد والبنية التحتية.

ماذا لو انخفضت أسعار النفط العالمية بأكثر من 20 بالمئة؟ حينها ستعجز الحكومة عن الوفاء بالتزامات الميزانية التشغيلية، ولن تستطيع دفع جميع الرواتب ناهيك عن الاستثمار في بناء الاقتصاد.

هكذا في ظل تعطل جميع الأنشطة الاقتصادية، يتزايد تحول العراق الى دولة ريعية، يأتي معظم إن لم نقل جميع دخلها من عوائد النفط، وكلما تزايد الضغط واقترب الِقدر العراقي من الانفجار، نفست الحكومة الضغط بتعيين مزيد من العاطلين في وظائف لا وجود لها، لتتسع الميزانية التشغيلية وتكبر الحفرة التي وقع فيها الاقتصاد العراقي.

في زيارتي الأخيرة الى العراق وجدت أن أحد المصانع التي كانت منتجة حتى عام 2003 قد تضاعف عدد العاملين فيه 4 مرات، رغم أنه متوقف عن العمل منذ عام 2003، وأن الحكومة تستخدمه كفضاء لتنفيس ضغوط البطالة، رغم أن "العاملين" فيه غير مطلوب منهم الحضور الى المصنع.

وفي زيارة الى وزارة الثقافة فوجئت بوجود ما يصل الى 30 موظفا في استعلامات الوزارة التي تسودها الفوضى وتشبه سوقا شعبيا رخيصا. لم يكن أي من الموظفين يتعامل بمهنية مع الزوار. وحين سألت أحد المسؤولين عن سبب وجود هذا العدد الكبير من موظفي الاستعلامات، اجابني بأن عدد موظفي الاستعلامات هو خمسة أضعاف ذلك الرقم وأن معظمهم غير مطلوب منهم الحضور سوى يوم واحد في الأسبوع. الحديث الأكثر شيوعا في العراق هو عن ملايين الوظائف الوهمية التي تمتد من الاجهزة الأمنية الى الجيش وجميع مفاصل الدولة، حيث يقوم المسؤولون بتعيين أشخاص وهميين ليتقاضوا رواتبهم. وفي أحيان أخرى يتقاضون نصف رواتبهم مقابل السماح لهم بعدم الحضور الى العمل.

ويصل هذا المر الى أعضاء البرلمان والوزراء الذين يتقاضون رواتب حمايات وهمية.

لقد أغلق الساسة الحاليون مستقبل العراق بتفجير الميزانية التشغيلية التي سقتصم ظهر مستقبل العراق إن لم تكن قد قصمته فعلا.

ولو حدث أن وصل أفضل رئيس حكومة في العالم الى رئاسة الحكومة العراقية، فإنه لن يستطيع إصلاح كل هذا الخراب في بنية الدولة، ولو حاول إصلاح الأمر فسوف يواجه احتجاجات من تعيلهم الحكومة حاليا، والذين سيدافعون عن مناقب الحكومات الفاسدة.

توزيع المزايا على غير مستحقيها سهل، لكن انتزاعها سيكون في غاية الصعوبة.

11