سلاح الملاذات الضريبية يعري شراكة الرقص مع الذئاب

السبت 2017/12/09

ستضطر تونس إلى الوقوف على قدم واحدة طيلة أكثر من شهر، على الأقل حتى موعد مراجعة تصنيف الملاذات الضريبية في الأسبوع الأخير من يناير من قبل الاتحاد الأوروبي.

في الأثناء فإن حالة طوارئ أعلنتها الدبلوماسية الاقتصادية في تونس منذ أن حشرها وزراء مالية الاتحاد ضمن قائمتها السوداء للجنات الضريبية غير المتعاونة من بين 17 دولة.

في الواقع يخفي التصنيف أزمة أخطر من حيث التداعيات المتوقعة للتصنيف، حيث يذهب المسؤولون الأوروبيون حد مطالبة شريكهم بمراجعة جذرية للسياسة الضريبية التي تعرضها تونس على الشركات المصدرة كليا فوق أراضيها منذ إصدارها قانون 1972 الذي يحدد الامتيازات الممنوحة لهذه الشركات.

والقانون ينطوي في جوهره على أهداف اجتماعية في المقام الأول إذ وضعته الحكومة التونسية في بداية خططها الإصلاحية بهدف الانتقال إلى مرحلة الانفتاح الاقتصادي بعد فشل تجربة التعاضدية الاشتراكية أواخر الستينات من القرن الماضي. وكان الهدف من القانون استباق أزمة البطالة التي بدأت تظهر في سبعينات القرن الماضي وتتفشى بتصاعد ظاهرة النزوح من الأرياف نحو المدن الكبرى بحثا عن فرص عمل.

يمنح القانون الشركات المصدرة المنتصبة في تونس امتيازات ضريبية واسعة في مقابل تحقيق الأهداف الاجتماعية، وهي أساسا تشغيل العاطلين في المناطق الداخلية.

اليوم تنضوي تحت هذا القانون قرابة ثلاثة آلاف مؤسسة أغلبها من دول أوروبية كشركات مصدرة كليا، تشغل أكثر من 400 ألف عامل، من بين مليون عامل أجير في القطاع الخاص المنظم.

لهذا فإن التصنيف الأوروبي الخطير يمهد فعليا لفتح الباب على مصراعيه أمام تداعيات مدمّرة على النسيج الاقتصادي والاجتماعي التونسي في وقت تبحث فيه الحكومة عن فرص أوسع لجلب استثمارات جديدة وإيجاد برامج تعاون أكثر فعالية مع الشريك الأوروبي للحد من البطالة الحالية في صفوف الشباب، كأحد الحلول الأساسية لوقف تدفق الهجرة غير النظامية والتوتر الاجتماعي.

لكن الاتحاد الأوروبي لا يبدو شريكا يعتد به في ظل خطاباته المتضاربة. فمن جهة تتحدث دول المركز في أوروبا عن مخطط مارشال جديد في أفريقيا لوقف نزيف الهجرة السرية وعمليات تهريب البشر والاتجار بهم، يقوم على تعزيز عناصر الاستقطاب والتنمية والاستثمار وخلق فرص عمل في دول شمال القارة ودول جنوب الصحراء على وجه الخصوص.

ومن جهة ثانية يبدي الاتحاد حرصا على تماسك الانتقال السياسي والاقتصادي المتعثر في تونس لدرء خطر اتساع الفوضى قبالة حدوده الجنوبية، ما قد يجعله عرضة بشكل أكبر لموجات جديدة من المهاجرين كتلك التي عرفها خلال أشهر قليلة عام 2011، إبان سقوط نظام زين العابدين بن علي.

مع ذلك فإن سياسات المسؤولين الأوروبيين لا تؤشر على إرادة حقيقية لشراكة متوازنة تقوم على تقاسم المخاطر كما الأرباح، إذ بدعوته (الاتحاد الأوروبي) الحكومة التونسية إلى سحب الامتيازات الضريبية للشركات المصدرة المنتصبة على أراضيها يكون قد وجه ضربة في مقتل لجهود الاستثمار والتشغيل في تونس، وهي جهود شاركت في تسويقها ألمانيا وإيطاليا وفرنسا بشكل خاص ضمن صفقة سياسية مقابل التزام أكبر لكبح الهجرة في حوض المتوسط.

ومن هذا المنطلق فإن تصنيف الملاذات الضريبية للاتحاد الأوروبي، لا يضرب فقط مصداقية الاتحاد وإنما يهدد بإرباك الديمقراطية الناشئة وإشعال القلاقل فيها. فالتصنيف يتغاضى عن حقيقة أن تونس ترتبط بنسبة تفوق 75 بالمئة من معاملاتها التجارية والاقتصادية الخارجية مع الاتحاد الأوروبي. والتبعات الأولى للقائمة السوداء هي الاتجاه إلى تخفيض المعاملات التجارية والمالية مع تونس وتجميد المساعدات وتعليق أي خطط لاستثمارات حكومية أوروبية في البلد. بكل بساطة فإن الاتحاد بصدد تسطير مستقبل غامض مع شريكه الجنوبي.

لا أحد ينكر في تونس بأن البلد لا يزال يلتمس طريقه لتعميم الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد وتعزيز العدالة الضريبية بإصلاحات وإن كانت بوتيرة بطيئة، لكن يرقبها الاتحاد والمؤسسات المالية الدولية عن كثب. بالنسبة إلى خبراء المال والاقتصاد في تونس فإن وضع القائمة السوداء الأوروبية تم بالاستناد إلى أبعاد تقنية وسياسية خاضعة لشروط يعود تاريخها لعام 2009 بهدف تعقب الجنات الضريبية خلال الأزمة الاقتصادية التي شهدها العالم آنذاك.

لكن حتى أولئك أشد المنتقدين للسياسة الضريبية في صفوف المعارضة، يدركون تماما كما يدرك الاتحاد الأوروبي، أن تونس لا ترتقي في كل الأحوال إلى مستوى الملاذات الضريبية التقليدية كبنما والجزر البعيدة في المحيطات وتلك المرتبطة اقتصاديا بأوروبا باعتبارها من المستعمرات الأوروبية القديمة، بل إن الاتحاد الأوروبي يعلم أن جزءا من أراضيه تمثل الجنان بعينها للتهرب الضريبي في مناطق لا تبدو بعيدة عن مقر الاتحاد في بروكسل، إمارة موناكو ولوكسمبورغ وسويسرا أو حتى البلد المجهري ليشتنشتاين.

في نظر أرباب العمل في تونس فإن التصنيف الأوروبي في حال لم تتم مراجعته قبل نشره في ديسمبر المقبل، فإن انعكاساته ستكون وخيمة على صورة الديمقراطية الناشئة وقدرتها على جلب الاستثمارات الخارجية وعلى علاقات الشراكة والتعاون مع بلدان الاتحاد الأوروبي ومؤسسات التمويل الدولية.

ومع أن الحكومة التونسية لوحت بوجود تطمينات باتجاه إنقاذ الموقف مع الشريك الأوروبي، إلا أن أي تسوية لن يكون بإمكانها مستقبلا حجب أزمة الثقة العميقة إزاء شراكة أشبه بالرقص مع الذئاب.

كاتب من تونس

4