سلاح الميليشيات وقود عدم الاستقرار في عراق ما بعد داعش

يبدو العراق وهو يقترب من المعركة الأخيرة في الحرب ضد داعش، مقبلا -ظاهريا- على مرحلة جديدة من الاستقرار الأمني، إلاّ أن عيوبا في العملية السياسية وأخطاء في طريقة إدارة شؤون الدولة ترشّح البلد للدخول في دوامة من التوتر وعدم الاستقرار وقودها فوضى السلاح والخلافات الحادة والصراعات على المكاسب والمناصب.
الخميس 2016/08/04
فوضى السلاح الغول الذي سينهش ما بقي من جسد العراق

بغداد - تتواتر تساؤلات المراقبين بشأن مستقبل الاستقرار في العراق، وذلك بالتزامن مع التقدّم الكبير في الحرب على تنظيم داعش باتجاه إنهاء سيطرته على مناطق البلاد.

وتذهب الكثير من التحليلات باتجاه ترجيح ألّا تمثّل هزيمة التنظيم في العراق نهاية العنف وبداية الاستقرار في البلد نظرا لوجود تشوهات في العملية السياسية وأخطاء في طريقة إدارة الدولة ترشّح البلد للدخول في حلقات جديدة من عدم الاستقرار، وربما من الاحتراب الداخلي مع وجود كمّ هائل من السلاح خارج يد الدولة وبأيدي عشرات الآلاف من العناصر المنتمية لميليشيات تابعة لجهات غير منسجمة في أهدافها وغاياتها ومصالحها.

وتعتبر الخلافات السياسية الحادّة في العراق عاملا مضاعفا للتوتر في البلد، وقد بلغت تلك الخلافات ذروتها في الأشهر الأخيرة وخرجت عن شكلها التقليدي كخلافات بين الأطراف الرئيسية من شيعة وسنة وأكراد، ووصلت إلى حدوث انقسام بين الأطراف الشيعية الحاكمة ضمن التحالف الوطني، وهو ما يثير مخاوف البعض من حدوث اقتتال بين الفصائل المسلحة التابعة لتلك الأطراف.

وحاول التيار الصدري الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي النافذ مقتدى الصدر، البروز في مظهر المنحاز للإصلاح في مواجهة أطراف شيعية أخرى متهمة بممانعة التغيير على رأسها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي زعيم اتلاف دولة القانون.

ويقول خصوم الصدر من داخل الأوساط السياسية الشيعية إن ركوبه موجة الإصلاحات تهدف في الأساس إلى اكتساب شعبية تمهيدا للانتخابات البرلمانية في 2018، وذلك باستغلال مشاعر الناس الذين يحتجون منذ سنوات على الفساد وسوء الخدمات وانعدام الأمن.

وفي خضم الخلافات السياسية والاحتجاجات التي رافقتها، كانت ميليشيات مسلحة تابعة للأطراف السياسية الشيعية تتأهب وتراقب المشهد عن قرب.

وعندما اقتحم أنصار الصدر المنطقة الخضراء شديدة التحصين في نهاية أبريل الماضي، احتجاجا على تعطيل تشكيل حكومة التكنوقراط، تمركز مسلحون من جماعة سرايا الخراساني المدعومة من إيران في مواقع قريبة مما أثار محاذير اندلاع قتال بين الشيعة.

إمكانية حدوث احتراب داخلي مع وجود كم هائل من السلاح بيد ميليشيات تابعة لجهات غير منسجمة في أهدافها ومصالحها

وأظهر مقطع فيديو نشر على الموقع الإلكتروني لجماعة سرايا الخراساني مقاتلين يحملون قذائف صاروخية وأسلحة آلية وهم يجوبون شوارع العاصمة تحت سمع وبصر القوى الأمنية.

وقال قائد في الجماعة آنذاك، إنهم سيقاتلون لمنع أنصار الصدر من احتلال المنطقة الخضراء التي تضم البرلمان ومقار حكومية وسفارات.

وأعاد هذا المشهد، وفق مراقبين، المخاوف من عودة الاقتتال داخل العاصمة بغداد، خصوصا وأن الفصائل الشيعية المسلحة بدأت تظهر للعلن في شوارع المدينة، منذ اجتياح تنظيم داعش لشمال وغرب البلاد قبل نحو عامين. وبدأت تسود المخاوف من أن يندلع القتال بين سرايا السلام وهي الجناح العسكري للتيار الصدري وبين فصائل أخرى مقربة من طهران وعلى رأسها فيلق بدر بزعامة هادي العامري.

ويقول المحلّل السياسي العراقي أحمد الأبيض لوكالة الأناضول إن هنالك تجربة حاضرة في تاريخ الفصائل الشيعية وهي تجربة عام 2006 إلى عام 2008 عندما حصلت صدامات بين التيار الصدري وبدر.

ولدى معظم الأحزاب السياسية الشيعية بالعراق أجنحة مسلحة بعضها تشكل على الأراضي الإيرانية في زمن المعارضة لنظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، والبعض الآخر حديث التأسيس.

واكتسبت الفصائل الشيعية المزيد من القوة والسلطة بمساهمتها في وقف زحف داعش على العاصمة بغداد عندما اجتاح التنظيم المتشدد شمال وغرب البلاد في صيف 2014، وشكلت فصائل شيعية إطارا تنظيميا باسم الحشد الشعبي لمحاربة داعش بعد الفتوى الشهيرة من المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني بضرورة حمل السلاح لمقاتلة التنظيم.

وتقول الحكومة العراقية إن الحشد الشعبي يقاتل بناء على أوامرها. لكن مراقبين يشككون في ذلك ويرون أن غالبية الفصائل الشيعية مرتبطة بإيران وتتلقى دعمها وبالتالي أوامرها.

وتواجه الفصائل الشيعية اتهامات متكررة بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين السنّة من قبيل عمليات الإعدام الميدانية ونهب وحرق الدور السكنية في المناطق التي تجري استعادتها من داعش.

ويثير الانتشار الكبير للمسلحين الشيعة ومقارهم في بغداد مخاوف الكثيرين. ويقول المتحدث باسم الحشد الشعبي كريم النوري، إن ترك الأمور بهذه الطريقة من تسيب كبير وانتشار لفصائل عشوائية بالتأكيد يترك أثرا سلبيا على الأمن في العاصمة.

ويضيف النوري أن مقار الفصائل ستكون خارج المدينة وسيتم استبعاد المقار العشوائية وحتى الرسمية لتكون خارج الأحياء المأهولة.

ويشدد النوري على عدم الموافقة لأي فصيل عشوائي بنصب مقار له هنا أو هناك، مبينا أن هذا الأمر مخالف للأمن والنظام، متوعدا بمعاقبة كل فصيل عشوائي يحاول تركيز مقار له أو ابتزاز واستفزاز الناس والضغط عليهم، غير أن مراقبين يرون الفصائل الشيعية المسلّحة التي يعتبرها النوري غير عشوائية أي المعروف تبعيتها وولاؤها تظل الخطر الأكبر على استقرار العراق في مرحلة ما بعد داعش لأن سلاحها لن يكون تحت إمرة الدولة ولن يتأخر قادتها ومنتسبوها حين يقتضي الأمر في الدفاع عن مصالح أشخاص وأطراف غير متلائمة بالضرورة مع المصلحة العامة والأهداف الوطنية.

3