سلاح حماس لغم قد يفجر أي اتفاق مقبل

أطنب قادة حركة حماس في الحديث عن النوايا الحسنة للحركة وعزمها على المضي قُدما في إنجاز المصالحة وستواصل تقديم التنازلات في سبيل تحقيق ذلك. لكن، في خضم المتابعة والترحيب في الداخل والخارج لمساعي إنهاء الانقسام السياسي الذي تعيش على وقعه الأراضي الفلسطينية منذ منتصف يونيو 2007، إثر سيطرة حماس على قطاع غزة، بينما بقيت حركة تدير الضفة الغربية، يبدو أن الجميع يتحاشى طرح موضوع سلاح حركة حماس بشكل مباشر لا لأن قادة حماس أكدوا على أنهم لن يقبلوا مناقشة هذه القضية بل لخصوصيتها وحساسيتها في علاقة بالقضية الفلسطينية ككل، وتأثيرات ذلك على التطورات الراهنة، فيما لم يُخف الرئيس الفلسطيني محمود عباس قلقه من تكرار تجربة حزب الله، وأكد أنه لن يقبل بقوة موازية في غزة يمكن أن تهدد السلطة الفلسطينية لا إسرائيل.
الجمعة 2017/09/29

القاهرة - لفت ما أشيع عن شروط طالب بها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لإتمام المصالحة مع حماس إلى بروز ملف سلاح الحركة والذي لم تتناوله الأوراق التي أدت إلى التطور النوعي في موقف حماس برعاية القاهرة. ويعتبر المراقبون أن ملف السلاح سيبقى يشكل لغما قد يفخخ أي اتفاق مقبل، بحيث يستعير الفلسطينيون مصطلح “فائض السلاح” الذي يستخدمه اللبنانيون عند الحديث عن سلاح حزب الله.

وتلازم الحديث عن عزم الحكومة الفلسطينية العودة إلى غزة واستئناف عملها قريبا، مع تواتر أحاديث كثيرة لها علاقة بالمصالحة الوطنية ومصير جيوش الموظفين الإداريين الذين عيّنتهم حركة حماس منذ استيلائها على القطاع، وتعاظم دور القوات الأمنية والترتيبات التي قامت بها وجرفت معها مسلمات يصعب تصويبها.

رغم المسافات السياسية المتباعدة بين حركتي فتح وحماس، غير أن وصول الطرفين إلى تفاهمات مشتركة على وقع التطورات الداخلية والخارجية لن يكون مستحيلا هذه المرة، فهناك جملة مؤشرات إيجابية لاحت في الأفق عقب اللقاءات المنفصلة التي عقدها مسؤولون في مصر مع وفدي الحركتين مؤخرا، والاستعداد لجولة جديدة من الاجتماعات والحوارات تضم فصائل أخرى أيضا أملا في تذليل المزيد من العقبات والاتفاق على تفاصيل المصالحة.

لكن المراقبين يرون أن محاولة كافة أطراف النزاع المحليين والإقليميين لإقفال ملف الانقسام الفلسطيني يؤجل انفجار مسألة سلاح حماس بصفته سلاحا يتناقض مع منطق الشرعية الفلسطينية التي يفترض أن تتمثل بحكومة وحدة وطنية تضم الجميع. ويضيف هؤلاء أن الطرف الفلسطيني يحتاج إلى وحدة داخلية تمكّنه من مواجهة المحتل الإسرائيلي والتعامل مع المجتمع الدولي، وأن هذه الوحدة ستبقى منقوصة إذا ما بقي سلاح حماس عصيّ على الشرعية الفلسطينية المعترف بها عربيا وإقليميا ودوليا.

وتعمدت الجهود المصرية تحاشي الدخول مباشرة في النقاش حول مصير المقاومة الفلسطينية في الوقت الراهن، لأن الكلام عنها وحولها سيؤثر سلبا على اللقاءات التي تعتزم القاهرة تكرارها، فهي قضية حساسة وفي غاية الأهمية لجهات فلسطينية وإسرائيلية ودولية، طرحها حاليا سيثير زوابع كثيرة ترخي بظلال كثيفة على عملية المصالحة.

تسريع التفاهم الأمني والسياسي بين التيار الإصلاحي بقيادة محمد دحلان وحماس لضمان حسن إدارة ملف المقاومة

كان الرأي، حسب مصادر مصرية تحدثت إليها “العرب”، ينطوي على شقين، أحدهما تجاهل المقاومة مؤقتا في هذه المرحلة كي يتسنّى تعزيز الثقة بين السلطة الفلسطينية وحماس وفصائل أخرى، والثاني يرى الحديث عنها يجب أن يتم بصورة تدريجية للتوصل إلى توافق يحافظ على الثوابت الفلسطينية ويمنع تحويل سلاح حماس إلى قوة داخل الأراضي يتم استغلالها ضد قوة السلطة الفلسطينية بدلا من قوة إسرائيل.

وكانت حماس استعانت بكتائب عزالدين القسام، جناحها العسكري، للسيطرة على قطاع غزة عام 2007 وطردت القوات الأمنية التابعة لجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني، وهو ما جعل الهدف الرئيسي لتكوين قوات حماس ينحرف عن هدفه المعلن (من محاربة إسرائيل إلى الاقتتال مع الفلسطينيين) ويقلق المسؤولين في السلطة.

وعندما اقتربت المصالحة من الدخول في عمق البعض من الملفات الحيوية، بدأ ملف كتائب عزالدين القسام يخرج للعلن على استحياء في البداية، وسواء كان هدف من توقفوا عنده خلال الأيام الماضية نبيلا لتأسيس مصالحة متينة أو خبيثا لوضع شروط تعجيزية مسبقة، ففي الحالتين طفت المشكلة مبكرا، والتي حاولت القاهرة تأجيلها لمرحلة لاحقة خوفا من ولوج حقل مليء بالألغام السياسية.

وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) مؤخرا إنه لن يسمح بتكرار نموذج حزب الله اللبناني، في إشارة إلى أنه لن يقبل بقوة موازية في غزة يمكن أن تهدد السلطة الفلسطينية وليست إسرائيل.

في التوقيت ذاته، أكد موسى أبومرزوق، القيادي بحركة حماس، أن سلاح المقاومة (يقصد كتائب القسام) لم يطرح على طاولة مناقشات وفد الحركة مع المسؤولين المصريين، وهذا الملف “غير مطروح للنقاش لا سابقا ولا مستقبلا”. وشدّد على أن سلاح المقاومة موجود لحماية الشعب الفلسطيني، ولا يعقل أن تلقي المقاومة سلاحها ولازالت أرضها محتلة وشعبها مشردا.

موسى أبو مرزوق: حماس لن تقبل بمناقشة قضية سلاح جناحها العسكري

خطورة بالغة

برأي البعض من المراقبين يعدّ تفجير هذه القضية حاليا مسألة في غاية الخطورة، لأنه يكشف عن نوايا كل طرف تجاه الآخر، والتوصّل إلى تفاهم بشأنها اختبار جدّي لفرص التعاون والتنسيق لاحقا، لأن المصالحة هي مرحلة ضمن مراحل طويلة تنتظرها القضية الفلسطينية.

مصر، الجهة المعنية بالوساطة الآن لديها طموحات كبيرة لتمهيد الأجواء أمام التسوية السياسية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، عقب تلقي إشارات وتصريحات وتلميحات دولية متباينة تساعد على انطلاق المفاوضات المتجمدة وتوصيلها إلى غاياتها النهاية المتعلقة بوضع قواعد لعملية سلام حقيقية.

وتشديد أبومازن اللافت على رفض تكرار نموذج حزب الله له جذور داخلية وأخرى خارجية. فالوضع الداخلي يفرض عليه تقليص دور القوة العسكرية لحماس وتقدر بالعشرات من الآلاف المدججة بأنواع مختلفة من الأسلحة، وتبدو مقارنتها بالقوات التابعة للسلطة الفلسطينية غير مطروح لأن كتائب القسام ذات إمكانيات وفيرة، بالتالي من السهولة أن تمثّل للرئيس أبومازن مصدر تهديد قويّ له ولسلطته، خاصة أن التجربة علمته عدم استبعاد توظيفها ضده.

كما أن الرئيس محمود عباس يريد تأكيد جدارته بأنه يملك اليد الطولى في الضفة الغربية وغزة أيضا ولن يستطيع أحد تحطيمه أو تهديد من يخلفه في السلطة، وهي دلالة على أن من يريدون الدفع باتجاه المفاوضات لن يجدوا أفضل منه وعليهم مساعدته وتخفيف الضغوط الواقعة عليه وتوجيهها نحو حركة حماس التي تعيش أياما قاسية بسبب تراجع الدعم القطري والتركي والإيراني، فضلا عن ضعف جماعة الإخوان وحصارها من قبل دوائر إقليمية ودولية.

أما البعد الخارجي، يتعلق بأن سلاح المقاومة وقوة حماس العسكرية هدف رئيسي لدى جميع الجهات الدولية الراغبة في السلام حفاظا على أمن إسرائيل وتشجيعها على الدخول في مفاوضات لن تقبلها بسهولة، ما لم تجد مردودا ماديا أو ضغطا قويا.

ولا يهمل الخبراء في الشأن الفلسطيني الأجندات الأخرى التي يختزنها امتلاك حماس لسلاح لا يخضع للقرار الفلسطيني الموحد. ويقول هؤلاء إن الأجندات الإيرانية والقطرية والتركية سواء كانت متآلفة أو مختلفة في أهدافها تحتاج لسلاح حماس للإمساك بالورقة الفلسطينية واستخدامها على طاولة الترتيبات الإقليمية والدولية.

وترى هذه الأوساط موقف عباس لا يتناقض مع روحية ما تريده القاهرة من خلال تبريد ملف غزة، لا سيما لجهة تخليص غزة من تدخل عواصم لا تتسق مصالحها مع مصالح الأمن الإستراتيجي المصري.

وكانت حركة فتح قامت رسميا بحل جناحها العسكري المعروف بـ”كتائب شهداء الأقصى” عام 2008، وهي خطوة حظيت بانتقادات كبيرة لأن الحل منح حماس فرصة الانفراد بالقوة الرئيسية للمقاومة، ولم يستتبعه تغيّرات في تصورات وتصرفات إسرائيل في الأراضي المحتلة، ولا يزال الجنود والمتطرفون يتعرضون لعلميات اغتيال وتفجيرات متنوعة من قبل جماعات فلسطينة مختلفة.

الأجندات الإيرانية والقطرية والتركية تحتاج لسلاح حماس للامساك بالورقة الفلسطينية واستخدامها عند الضرورة

وترى حماس أن التخلّي عن كتائب القسام بمثابة انتحار علني، وتدرك أن قوتها العسكرية حافظت على بقائها حتى الآن، وحتى لو كانت إسرائيل تريدها ذريعة لتبرير تجاوزاتها في الأراضي المحتلة وخلط الأوراق عند الضرورة، فحماس تعتقد أن وجود السلاح في حوزتها عملية إستراتيجية، لا سيما عندما تستطيع ضبط الإيقاعات بالطريقة التي تريدها.

وقالت مصادر مصرية على دراية بملف الحوارات الفلسطينية لـ”العرب”، إن المرونة التي أبدتها حركة حماس والتنازلات التي تحدث عنها يحيى السنوار رئيسها في غزة ليست لها علاقة بوضع المقاومة، فمن يقبض على زمام الحل والعقد في الحركة الآن هم الجناح المتشدد الذي يقود كتائب القسام، ويصعب على الجناح السياسي تجاوزه.

ولفتت المصادر إلى الجذور التي ينحدر منها السنوار نفسه وهي أمنية بامتياز، وجميع قيادات الحركة تعلم أن التخلّي عن السلاح معناه القضاء على حماس. ويتم التعامل مع هذا الملف بالمزايدة نحو إسرائيل وأنها العدو والسلاح الذي يتم تخزينه هو ليوم قادم لا محاولة للدخول معها في معركة فاصلة، وذلك لمداراة الأهداف الداخلية.

وتدرك دوائر عربية ودولية أن حماس تعتبر تجربة حزب الله نموذجا تقتدي به، جعلت عناصر الحزب والمنتمين إليه دولة فوق الدولة، واستطاع بمرور الوقت أن يقبض على زمام الأمور في لبنان. وأضحت مقاومة إسرائيل شعارا تم رفعه في مرحلة معيّنة لتبرير امتلاك السلاح والحصول على دعم وتأييد لبناني ومن القوى المناوئة لإسرائيل أو التي تريد أن تجد لها موطئ قدم في المنطقة مثل إيران.

وعندما انسحبت إسرائيل من الجنوب اللبناني عام 2000 لم ينته دور حزب الله بل تعاظم ودخل في غالبية مناحي الحياة، الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكان يواجه سقوط ذريعته للاحتفاظ بالمقاومة بعد الانسحاب من الجنوب أن مزارع شبعا المتنازع عليها مع سوريا لا تزال تحتلها إسرائيل، وهكذا كان الحزب يبحث دائما عن مبررات تدعم عدم التخلي عن سلاحه وتضاعف نفوذه.

سيناريو مكرر

يدرك محود عباس ومن معه من قيادات حركة فتح هذا السيناريو جيدا، ومرجح أن يكون تصاعد الحديث مباشرة عن المقاومة صخرة تتحطم عليها أجزاء كبيرة من مشروع المصالحة الفلسطينية.

التخلي عن كتائب القسام انتحار علني

وفي ظل الشد والجذب الذي لاحت ملامحه خلال الأيام الأخيرة من الضروري وضع النقاط على الحروف، لأن هذا الملف يمكن أن ينفجر في وجه الجميع وتستفيد منه إسرائيل وتتزايد العراقيل وتصبح القضية الفلسطينية في مهب الريح قولا وعملا.

وقالت المصادر المصرية التي تحدثت لـ”العرب” إن القاهرة ليست ضد التخلي عن سلاح المقاومة في هذه المرحلة، لأن الاحتلال الإسرائيلي لا زال مستمرا. وأضافت أن متشددي حماس إذا ارتفعت مداركهم وقناعاتهم الوطنية وتخلوا عن حساباتهم الأيديولوجية يمكن أن يكون الاحتفاظ بهذا السلاح أداة ضغط قوية ومثمرة، وهو ما يتطلب توزيع الأدوار بطريقة محكمة.

وألمحت المصادر إلى الطريقة التي تعامل بها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، من خلال التنسيق مع تنظيمات وجبهات المقاومة والأذرع السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وكان يختلق أسماء حركية أحيانا لجبهات تختفي بمجرد أداء مهمتها القتالية. واستطاع أن يضغط على إسرائيل وكان متصدرا للمشهد السياسي قبل تشكيل السلطة الفلسطينية وبعدها.

لكن، المشكلة أن الأوضاع تغيّرت الآن، والرئيس أبومازن لا يستطيع القيام بالدور ذاته، وحماس تعتقد أنها أقوى منه ويصعب عليها القبول بما يمكن وصف بالإملاءات.

من هنا تكون الصيغة التي فكرت فيها مصر والإمارات جيدة، وتقوم على تسريع خطوات التفاهم الأمني والسياسي بين التيار الإصلاحي بقيادة محمد دحلان وحركة حماس، لضمان حسن إدارة ملف المقاومة والسيطرة عليه واستخدامه كوسيلة ردع، لأن سلاح المقاومة مهما تعاظم لن يناطح عتاد إسرائيل العسكري، والصواريخ المعنوية التي تطلقها حماس لن تجدي نفعا حقيقيا.

ويركز أبومازن على أن تستخدم المقاومة الفلسطينية قوتها الشعبية والتفاوضية في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، وهو اتجاه يتماشى مع مواقف قوى دولية عدة، لكن الإصرار على ذلك فقط يحتاج إلى تفاهم وانسجام فلسطيني عالي المستوى ويقين بالالتزام بثوابت محددة لا يخرج عليها أي فصيل، الأمر الذي يحتاج إلى إعادة هيكلة كثير من التوجهات السياسية.

لكن مراجع فلسطينية مراقبة حذّرت من الخلط بين حاجة الطرف الفلسطيني لسلاح مقاوم يستخدم كورقة من أوراق القوة في أي مفاوضات مقبلة مع إسرائيل، وبين أن تأتي حماس إلى الصلح الفلسطيني متأبطة “فائض سلاح” يلوّح به للإطاحة بأي تفاهمات مقبلة.

وتضيف المراجع أن مثال حزب الله في لبنان ماثل للعيان بصفته نموذجا نافرا لفلسفة الخلط بين “سلاح المقاومة” وسلوكيات هيمنة دويلة السلاح على الدولة المركزية.

وترى أن وضع السلطة بصفتها كيانا يخضع لشروط الاحتلال لا يعني إسقاط مفهوم الشرعية السياسية التمثيلية لصالح “الشرعية الثورية” التي لطالما كانت شعار حق يراد به باطل.

كاتب مصري

7