"سلالة الكميرا" أجواء قاتمة لتجارب على البشر تنتهي بجريمة

نسيج مركب ومتداخل بين العلمي والخيالي في الفيلم من خلال بحث مضن للإنسان عن حياة أخرى إضافية.
الاثنين 2019/04/08
زمن مفتوح ومكان معتم

تبدو المغامرة التي ينطوي عليها اكتمال قدرات البشر وعدم إصابتهم بالأمراض والوصول إلى عمر مديد، جزءا من الخيال الذي داعب عقول العلماء والفلاسفة، فضلا عن المتخصصين بالخيال العلمي سواء في الأدب أو في السينما.

تحضر العديد من المفردات الأساسية متى خاض صناع أفلام الخيال العلمي في ثيمة اكتمال القدرات الخارقة لدى البشر، كلمات ومفردات تبدو بمثابة مفاتيح يجري تداولها بكثرة في هذا الخصوص، ومنها مصطلحات الجينات البشرية والتلاعب بها والاستنساخ واستخدام الخلايا الجذعية وغيرها، مصطلحات تحضر بقوة في فيلم “سلالة الكميرا” للمخرج موريس هايمس.

وهنا ثمة نسيج مركب ومتداخل بين ما هو علمي وما هو افتراضي وخيالي، وهو الذي تم الاشتغال عليه بكثافة في هذا الفيلم، حتى أننا عشنا أجواء كابوسية لا تتعدى حدود مختبرات مغلقة تجري فيها تجارب على أجنة وعلى كائنات حية في آن معا.

وفي تلك الأجواء القاتمة تنطلق قصة الفيلم، فالعالم كوينت (الممثل هنري إيفان كيوسك) يواجه قضية قدرية لا خلاص منها، وهي تعرض زوجته وولديه إلى الموت البطيء بسبب مرض جيني وراثي يتسبب في ضمور الخلايا والأعضاء بشكل تدريجي، وبسبب هذه الخسارة المحتملة والمنتظرة فإنه يلجأ إلى تجميد طفليه بعد زرع خلايا جذعية والقيام بعملية استبدال بعض الأعضاء وإجراء جراحة معقدة لزوجته جيسي (الممثلة كاريشما أهلواليا).

تجري كل تلك العمليات في مكان منعزل خاص بذلك العالم بعيدا عن المختبرات الأصلية التي كان يعمل بها سابقا، ولهذا تلاحقه مديرته السابقة ماتيرسون (الممثلة كاثيلين كوينلان) التي تستمر في مساومته على أبحاثه، وتاليا إغراءه بالعمل معها بسبب الإنجازات المهمة التي حققها.

واقعيا نحن في أجواء شديدة القتامة، والعالم كوينت يعيش بلا انقطاع ذكرياته مع أسرته التي يراها ما بين الغرق في الغيبوبة أو التجمد الذي لا يعرف نتيجته بعد، ولهذا تحتل مساحة كبيرة من الزمن الفيلمي مشاهد الاستذكارات وتكرار الحوارات إلى درجة أصابت أحداث الفيلم في القسم الأول برتابة ملحوظة.

لكن المخرج وهو كاتب السيناريو نفسه ما يلبث أن يؤسّس خطا سرديا موازيا، ويبث خلال ذلك حبكات ثانوية من خلال تأسيس علاقة بين العالم كوينت وزميلته في العمل الباحثة الشابة تشارلي (الممثلة هينا هاريسون) التي تؤدي دور الفتاة اللعوب التي تستغل خبرات صديقها العالم لصنع مجدها الشخصي.

وفي البدء سوف تسطو تشارلي على أبحاث زميلها كوينت ثم تعود إليه مجددا في محاولة لجره إلى علاقة غرامية، فضلا عن علاقة العمل، ولما تجد أن كل ذلك مستبعد ومستحيل سوف تتجه للانتقام.

وفي النصف الثاني من مساحة الزمن الفيلمي يجري إنقاذ الأحداث من رتابتها ومن الدوامة التي يعيشها كوينت إلى أجواء بوليسية وأعمال انتقامية من خلال المواجهة بين كوينت ورئيسته في العمل ماتيرسون، والتي سوف تنتهي بمقتل هذه الأخيرة، ومن ثم يلتقط المخرج هذه الواقعة ليؤسس لانتقام تشارلي التي تتخلص من صديقها بحقنة قاتلة أو تجعله يعيش في غيبوبة وتقطع أجهزة استمرار الحياة عن زوجته وتخرج طفليه من التجميد، كما تخرج إناثا أخريات كن قيد التجارب وتفعل هي الشيء نفسه على أنها كانت ضمن التجارب.

تم توظيف المكان بشكل متميز، إذ كان أشبه بمتاهة كبيرة في تشابك المداخل والمخارج وتنوع المستويات وتداخل غرف العمليات الجراحية وغرف التجميد وحقن البويضات واستخدام الخلايا الجذعية، حتى أننا عشنا تفاصيل ذلك العالم الغرائبي ومساومات تجار الأعضاء البشرية والطرق الشريرة لاستخدام الجينات والخلايا الجذعية.

عمد المخرج إلى تطوير الدراما الفيلمية من وقائع اعتيادية تمثلت في عمل كوينت في مجال الأبحاث الجينية والوراثية إلى كون تلك الأبحاث أرضية خصبة للصراعات والأطماع، فبالنسبة لماتيرسون كانت تريد إعادة الشباب إلى شخص ثري محمّل بالنياشين والأوسمة في مشاهد سريالية لبحث الإنسان عن حياة إضافية. وعلى تلك الأرضية الممهدة للصراعات وقعت المواجهة ما بين كوينت ورئيسته وتم التأسيس لصراع قائم على المساومة، وهي أن تمنحه الخلايا الجذعية مقابل أن يعمل لمصلحتها.

وبرزت في وسط هذه الدراما تشارلي وهي تروي في مقابلة تلفزيونية قصة علاقتها مع كوينت بعدما خدعته وسرقت أبحاثه وساهمت في زجه في السجن، حيث تم تصوير مشاهد دخول الشرطة بالسرعة البطيئة بشكل متميز.

وفي المقابل استنفدت أغلب المشاهد الفيلمية في الدوامة التي كان يعيشها كوينت، ولهذا تم تعويم الزمان والمكان فلم نتبيّن في أي زمن تقع تلك الأحداث ولا في أي مكان، كما تم تعويم الزمن المرتبط بالشخصيات ذاتها، ويبدو أن المخرج عمد إلى ذلك توطئة لفكرة الخروج على قيد الحياة في زمن مفتوح ولا محسوس كذلك الذي تشعر به الشخصيات التي تعيش في الغيبوبة أو في حالة التجمد.

ولفرط استخدام مشاهد التذكر والحنين إلى الماضي، تداخل الحاضر في وسط تلك الكثافة وهو استخدام ما كان يجدر امتداده إلى كل تلك المساحة الفيلمية، فضلا عن كثافة ملفتة للنظر في استخدام الإضاءة ومستويات وزوايا التصوير والإيقاع المتسارع خاصة في مشاهد المواجهة الحاسمة بين كيونت وخصومه.

16