"سلالم ضوء" قصائد مغربية تعزف على وتر الجنون

تظل الذات الإنسانية قلقة باحثة عن الانفلات من القيود في عالم متشظ وباهت دون ملامح واضحة. والشاعر عندما يحاول ترويض ذاته تراه ينطلق إلى آفاق أخرى أرحب وأوسع من هذه الأرض الذلول وهذا الوجود القاتم، إذ لا مهرب للشاعر إلى النور والأمل إلا بالقصيدة، ولا مخرج له من هذه الدائرة العفنة إلا بالكلمة، حتى وإن تحالف ضدّه الجميع، فهو بصوته سيظل يصدح، وبقلمه سيظل يقاوم هذه الرداءة وهذا الضجيج وهذا الزيف في محاولة للوصول إلى الحقيقة.
الثلاثاء 2016/03/01
وحيدا في بقعة معتمة

الرباط – صدر عن منشورات “بيت الشعر بالمغرب” ديوان شعري جديد للشاعر والناقد المغربي رشيد الخديري، موسوم بـ“سلالم ضوء”. الديوان يقع في 62 صفحة من القطع المتوسط، ويضم بين دفتيه 16 نصا شعريا، نذكر من بينها “رؤيا الحلاج”، و“مخطوط الرمل”، و“لحن سماوي”، و“ذئب البحتري”، و“هيلين.. رائحة البحر”، و“سيرنادا”، و“التروبادور ثانية”.

الشعر تمرين

يعتبر الخديري ديوانه الرابع امتدادا جينيا لمشروعه الشعري الذي، بدأ أواخر التسعينات من القرن الماضي، إذ لا يمكنه فصل هذه التجربة الجديدة عن باقي التجارب السابقة، مع إيمانه الراسخ بقيمة هذا المشروع في شموليته، والذي يقول بشأنه: أحاول تثبيت هذا الإنجاز عن طريق الاشتغال أكثر على المتخيل الشعري في علاقته بالذات، هذه الذات المتشظية، القلقة دوما، تحاول الانفلات من قيود المادة، والانطلاق نحو آفاق الكتابة بكل جوارحها.

يتميز ديوان “سلالم ضوء” بالعزف على وتر المفارقة والغيرية، وبتوزيع أفقي وعمودي للدفق الشعري/ الشعوري داخل كل نص، وما يستتبع ذلك من انحياز واضح لثيمة الضوء على باقي الثيمات الأخرى، هذه التجربة يسميها الشاعر “تجربة الضوء مقابل العتمة، الحياة مقابل الموت”، معتبرا هذا العمل ديوانا شعريا طافحا بالتضادات، وأكثر ما يشغله هو تأثيث الفضاءات بما يناسبها من بوح شفيف. الشعر بالنسبة للخديري هو “الرئة التي يتنفس بها”، فيقول في نص قصيدة “سلالم ضوء”: الشعر تمرين/ الشعر هوس/ الشعر ليس شيئا آخر غير عزف على آلة الجنون.

وفي القصيدة ذاتها، يجعل الشاعر من الجسد طوفانا أطفأ ظمأه وعطشه. يقول: جسد طباق/ جسد يتحرك في بركة من لهب، أَيها الجسد الطوفان الذي أدخل فيه أخرج مني صلصالا يتلولب في عطش المحو.

عوالم نصوص هذه المجموعة مكتنزة بما هو ذاتي يعري معاناة الوجود في حياة منذورة للمفارقات الحادة

ونقرأ على ظهر الغلاف أن “عوالم نصوص هذه المجموعة مكتنزة بما هو ذاتي يعرّي معاناة الوجود في حياة منذورة للمفارقات الحادة، مثلما هي مكتنزة بما هو موضوعي يجعل التواصل مع الآخر متاحا بدرجات متفاوتة، هكذا يجري المعنى المحول في مسارب الكلمات والعبارات، بدفق واضح، يجعل من إمكانيات التــأويـل مأدبـة للاستمتـاع والتقاسم، وهذا ما يعطي لهذه التجربة ميزة النضج المفتقدة في ما يكتب اليوم من نصوص ممعنة في الإبهام”.

لون السيرنادا

لا يكتفي الخديري بالشعر، بل يشتغل في مجال النقد الذي، حسب رأيه، يأتي في سياق التمارين المحايثة للعملية الإبداعية، “إنه عقد شرعي بينهما، رغم أن لكلا المجالين آليات وضوابط، لكنني أحرص كل الحرص، عند كتابة الشعر، على التجرّد الكامل من معاول النقد، وليس المقصود هنا النقد باعتباره آلة هدم، بل عملية تقويمية لأخطائنا، رغم أنه من الصعب ممارسة النقد دون أن نزعج أحدا”.

الشاعر الخديري ينوّع في مصادره وصوره، فنراه يقحم الموسيقى والأغاني في قصائده التي تفوح منها رائحة الأنثى القادمة مع زخات مطر الخريف في مساءاته الباردة، فهي المشتهى والأنيس في عالم يأبى الهدوء ويزيّف الحقائق ويقتل فيه الصديق صديقه، فتتحول القصيدة إلى امرأة تراوغ المعاني وتتصيّد الألفاظ الجزلة، حتى ترتفع بروحها إلى العالم الصافي والنقي البعيد عن الرذالة والابتذال محققة شهوة الروح قبل الجسد، ومطورة ذاتها قبل النظر إلى المرآة كي تتأمل ربما جسدها وتنزل عند حضرة الشاعر. يقول في قصيدة “سيرنادا”: تهطلين/ في هذا المساء الخريفي/ قصائد/ بلون السيرنادا/ حاذري فخاخ المعنى/ ونامي/ نامي فقط/ لأنك نص يخشى تأويل الغمام.

العمل بمثابة كوة صغيرة لدخول الضوء

في هذا الديوان، وعكس الأعمال الأخرى هو بمثابة كوة صغيرة لدخول الضوء وتطهير ذاتي من كل ما يشوب الذات من علل ونواقص، وبالتالي، لا يمكننا قراءة هذا العمل إلا بقراءة ما سبق حتى نتمكن من استكناه الغور، واستثمار كل الأنساق التخيلية والتعبيرية، والمعرفة التي يمررها هذا الديوان في مختلف تجلياته الجمالية والدلالية.

في الديوان نشعر وكأن الشاعر يصعد إلى الأعلى في سلم الحياة بحثا عن ضوء في عتمة أحاطت به من كل جانب وأبت أن تتبدّد، لذلك نراه يسرع احيانا ويخفضّ من نسقية الكلام أحيانا أخرى، وهو ما فتئ يتنقل في عالم متناقض مليء بالصراعات التي أنهك نفسيته، وجعلته يحلم بغد أفضل عله يكون أنقى وأصفى. كما نلمس في قصائد الديوان صرخة مكتومة من صدر الخديري، وكأن الشمس أبت أن تشرق ولو للحظات.

و“سلالم ضوء” هو الديوان الرابع في مسار الشاعر بعد “حدائق زارا” (2008)، و“خارج التعاليم، ملهاة الكائن” (2009)، و“الخطايا والمرآة” (2012)، بالإضافة إلى مجموعة من الأعمال النقدية “الطرديات في الشعر العربي” (2014)، “الدرامي والغنائي في الشعر المغربي المعاصر، أنثى المسافات أنموذجا” (2014)، “التراث النقدي عند العرب، آلياته وإشكالاته” (2015).

يذكر أن رشيد الخديري، من مواليد سنة 1978 بالدار البيضاء، حاصل على الإجازة في الأدب العربي بالمحمدية. يتابع حاليا دراسته بسلك الماجستير، متخصص في الأدب العربي والمثاقفة. عضو في اتحاد كتاب المغرب، وفي حركة الشعر بالشيلي. ينشر نصوصه ومقالاته بمجموعة من المنابر الإعلامية المغربية والعربية. حصل على عدة جوائز، مثل جائزة ملتقى قصيدة النثر بالقاهرة، عن ديوان “خارج التعاليم، ملهاة الكائن” سنة 2009، وجائزة بيرق يافع للشعر المنثور، سنة 2012، وجائزة المتكأ الثقافي للقصة القصيرة جدا بالبحرين، سنة 2012، وجائزة فاطمة السنوسي للقصة القصيرة جدا بالسودان، سنة 2013، وجائزة الهلالي للشعر بفرنسا، سنة 2015، كما حظي بتكريم دائرة الشارقة والإعلام بالقنيطرة سنة 2012، وله عدة إصدارات تتنوّع بين الشعر والنقد.

14