سلامبو.. رواية كتبها فلوبير لقرطاج وعلى ضفاف قرطاج

قصة حب يتخفى بين المعارك والعنجهية الأرستقراطية.
السبت 2021/05/29
في هذا المنزل بضاحية قرطاج بتونس كتب فلوبير رائعته سلامبو

“لا أحب أن يهتم القارئ بشخصي المتواضع الذي لا أهمية له. الشيء المهم فقط هو أعمالي الأدبية وكفى”. كان فلوبير يعتقد أن على الكاتب أن يختفي وراء أعماله بشكل كامل. “ينبغي عليه أن يمحي ويتوارى كليا عن الأنظار، فالمهم ليس هو وإنما العمل الأدبي الذي ينتجه”، والدليل على ذلك أن فلوبير لم يعد موجودا أما روائعه الأدبية فلا تزال قائمة تملأ المكتبات. ورغم أن فلوبير لم يكتب إلا خمس روايات طيلة حياته. إلا أن كل رواية كانت تشكل حدثا في تاريخ الأدب الفرنسي والعالمي وكانت تشكل عالما بأسره، ولا يزال النقاد منشغلين بدراستها وتحليلها، كما يقول الناقد الأنغلوسكسوني فريديريك براون. يكفي فلوبير، الذي يحتفل العالم بمرور 200 عام على ولادته، فخرا أنه الكاتب الذي غيّر مجرى حياة الرواية فانتقل بها من الرومنطيقية إلى الواقعية باعتراف معظم النقاد.

هل من المتوقع أن تُحدث رسوم أزياء متوقعة في رواية تاريخية، ثورة في عالم الموضة، لما أوحت به تلك الأزياء للمصممين في باريس وكافة عواصم الموضة في العالم؟ إنها مثال لما وُصف بـ”الغرائبية الحسية”، وإبحار في عالم الأسطورة القادم من الضفة الجنوبية للمتوسط بالنسبة للفرنسيين الذين كانوا يتأهبون لاستعمار أفريقيا الشمالية آنذاك.

هذا ما فجرته الرواية الملحمية للكاتب الفرنسي الشهير غوستاف فلوبير (1821 ـ 1880) “سلامبو”، والتي يعدها النقاد والدارسون من أروع ما قدم صاحب “مدام بوفاري” للأدب والفكر الإنساني، لما تزخر به من أحداث ومآثر وعبر، استنبطها هذا المبدع الذي آخى بين الرومانسية والواقعية في مزج ساحر بين الدقة التاريخية والحلم الخيالي، خصوصا بعد تعرفه إلى تونس ومصر وفلسطين.

وعلى الرغم من أن نشر رحلة غوستاف فلوبير إلى الشرق تم بعد موته، فإن الروائي الكبير ساهم في ولع عصره بالشرق مع روايته “سلامبو” التي كان يباع منها ألف نسخة كل يوم، بالإضافة إلى كتابيه “إغواء القديس أنطونيوس” و”هيروديس” كما يقول صوفي باش، أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة باريس-السوربون.

ميثولوجيا قرطاجية

 تدور أحداث الرواية في قرطاج أثناء القرن الثالث قبل الميلاد، وبالتحديد، زمن تمرد المرتزقة الذي نشب مباشرة بعد الحرب البونيقية الأولى.

المصدر الرئيسي لفلوبير في “سلامبو” كان الكتاب الأول من تواريخ بوليبيوس، لكن الأهم هو إقامته في تونس واطلاعه على تفاصيل الحياة اليومية التي تمثل بلا شك، امتدادا للحياة القرطاجية من حيث الأمزجة العامة وطرق العيش والتفكير، حيث أقام في ضاحية المرسى المتاخمة لقرطاج (منزله ما زال قائما إلى الآن) وزياراته المتكررة إلى منطقة الكاف والقرى المحيطة بها في الشمال الغربي للبلاد التونسية.

سلامبو رواية مليئة بالأحداث الملحمية التي نافس فيها صاحبها الملاحم اليونانية عبر رموز استنهضها من تاريخ قرطاج

ترك فلوبير في هذه الرواية الملحمية الآسرة، واقعية “مدام بوفاري” وما مثلته له من شهرة، خلف ظهره وأبحر نحو سردية تاريخية لم يمتلك لها من مراجع كافية سوى الحدس والخيال فأبدع رواية تكاد تمثل بنفسها، مرجعا لتاريخ قرطاج قبل ثلاثة قرون من ميلاد المسيح.

وكما في معظم الملاحم والمسرحيات الإغريقية، كان علينا أولا أن نستعرض الشخصيات الرئيسية للرواية، وذلك لتيسير الدخول في الأحداث وتجنب الخلط بين الأسماء التي تتشابه وفق ثقافة ذلك العصر، ولنبدأ بالشخصيات القرطاجية التي يبدو أن الكاتب قد أبدى تعاطفا معها على حساب الشخصيات البربرية وباقي من وصفهم بـ”المرتزقة”:

حملقار برقة (أو أميلكار)، أحد حاكمي قرطاج. وقد عاد إلى صقلية ليستعيد سيطرته على العسكر.

سلامبو، ابنة حملقار، وقد وُهِبت للإلهة تانيت (آلهة الخصوبة التي تعد امتدادا لعشتار). الاسم أُلهم لفلوبير من أسماء الإلهة عشتارت: سلامبو هي الصيغة اليونانية من الاسم الفينيقي “شلمبعل”، أي “صورة بعل”.

حنبعل، ابن حملقار الذي حملته سراً الجارية “عبدالونيم”.

  • سيسكو، جنرال ودبلوماسي.
  • حنون، حاكم آخر لقرطاج، أصابه مرض جلدي.
  • شهاباريم، كاهن تانيث، ومعلم سلامبو.

أما شخصيات البربر والمرتزقة فهي:

  • ماطو، زعيم المرتزقة.
  • نار حواس، زعيم المرتزقة النوميديين، الذي وُعِد بسلامبو لو انتصر.
  • سبنديوس، عبد يوناني مهدى لماطو.
  • أوتاريتوس، زعيم كتيبة من المرتزقة.

أما أبرز المحاور والأحداث التي طبعت الرواية الشهيرة، فإنها، وبعد الحرب البونيقية الأولى التي خاضتها البلاد ضد روما (264 ق م)، لا تتمكن قرطاج من الوفاء بالوعود التي قطعتها لجيش المرتزقة والانكشاريين من البربر وغيرهم، وتجد نفسها تحت هجوم أحد زعمائهم واسمه “ماطو” بمساعدة العبد المعتوق الماكر، سبنديوس. يسرق ماطو الخمار المقدس لقرطاج، مما يدفع بسلامبو، الشخصية الخيالية صاحبة العنوان، وهي كاهنة وابنة حملقار برقة، الجنرال القرطاجي الأرستقراطي، لدخول واختراق معسكر الأعداء بغية سرقة الخمار أو الوشاح المقدس المسمى بـ”الزعيمف” وهو خمار مزيّن بالجواهر الثمينة، تتشح به الإلهة “تانيت” في قدس أقداس معبدها. وهذا الخمار هو حارس المدينة ومجرد ملامسته تجلب الموت المحتم لكل من يمد يده لسرقته.

ومن هذه الميثولوجيا القرطاجية يبني فلوبير حكايته الآسرة في 15 فصلا لينقل إلى القارئ الغربي سحر الشرق، ويقارع أعتى الملاحم الإغريقية التي طالما حاول مجاراتها في قوله الدائم بأنه كان يتمنى قراءة إلياذة هوميروس بلغتها الأصلية.

فلوبير يلاحق الأنوثة ويتتبع إغواءاتها ويتحيّز لفكرة أن المزاج الإنساني عصي على أي تدجين أو تصنيف فكري أو اجتماعي

وكما في افتتاحيات التراجيديات اليونانية يبدأ الفصل الأول في “سلامبو” بيوم العيد حيث يقيم المرتزقة في قرطاج احتفالا بانتهاء الحرب في حدائق قائدهم حملقار. يشتعلون غضباً لتذكرهم المظالم التي اقترفتها قرطاج في حقهم، فيدمرون الحدائق ويعيثون تخريبا في تلك المنجزات احتجاجا على تأخر الدولة في دفع رواتبهم.

 الأميرة “سلامبو” ابنة القائد، تنزل لتهدئتهم فيقع في غرامها الزعيمان في معسكر المرتزقة، ماطو وسبنديوس، العبد المعتوق، الذي ينصحه بأن يصحب سلامبو إلى قرطاج.

تتوالى الأحداث متسارعة، وقرطاج تقنع المرتزقة بمغادرة المدينة حتى تحضر رواتبهم، فيعسكرون في سيكـّا (مدينة الكاف التونسية حاليا). الحاكم حنون يذهب للمرتزقة ويخبرهم بتأخير في دفع مكافآتهم، إلا أن سبنديوس يبلغ عن خبر مقتل 300 مرتزق بقوا في قرطاج.

وتحت أسوار قرطاج، يعود المرتزقة إلى محاصرة المدينة، ويتسلل ماطو وسبنديوس في جنح الليل عبر مجرى المياه.

ماطو يسرق “الزعيمف” أي الوشاح السحري المقدس للآلهة تانيت في المعبد، ويهرب دون صعوبة، متحصناً بارتدائه “الزعيمف”.

وفي الفصل السادس، يغادر المرتزقة قرطاج، وينقسمون إلى فريقين، ليهاجموا يوتيكا وهيبو زاريتوس. يفاجئ القائد حنون سبنديوس في يوتيكا، ويحتل المدينة. إلا أن الأخير يفر عندما يحضر ماطو ويطرد قوات حنون.

وفي الأثناء يعود حملقار، بطل الحرب ضد روما، إلى قرطاج. يواجه لوماً لهزيمة حنون، فيدافع عن نفسه أمام المجلس ويدافع عن حقوق المرتزقة الذي كان قائدهم من قبل. ولكن عندما يرى الدمار الذي ألحقوه بحدائقه أثناء العيد، فإنه يقبل عرض قدامى المحاربين بشن الحرب على المرتزقة.

طور القداسة

Thumbnail

تتوالى الأحداث بين منتصر ومغلوب ضمن حيل وخطط عسكرية يقع في إحداها القائد حملقار نفسه، ثم تنتهي بانتصاره على قائد المتمردين وزعيمهم، لكن معاناة قرطاج تستمر من جراء هذه المعارك والحروب إلى أن تبلغ حد المجاعة وتخور معنوياتها نتيجة خسارتها لذاك الوشاح الإلهي المقدس، والذي يعود له الفضل في حمايتها.

القائد القرطاجي شهاب عارم، يقنع سلامبو، بالعودة للتفاوض مع زعيم المعارضة ماطو، وذلك باستخدام سحر جمالها.. وهنا تبدو مرجعية فلوبير واضحة وجلية في قصة سالومي ويوحنا المعمدان في الكتاب المقدس.

وفي الفصل الحادي عشر من الرواية، تصل سلامبو إلى خيمة ماطو دون أن يلاحظها أحد، وبتلويحة من يدها تستولي على الوشاح المقدس المسمى “الزعيمف”. ماطو يقف مبهوراً بسلامبو ويقعان في عناق طويل، في إشارة إلى أنهما قد دخلا طور القداسة، إلا أن ماطو يقع مغشيا عليه في سبات طويل، وتلوذ سلامبو بالفرار مصطحبة معها الوشاح الإلهي المقدس.

يتواصل حصار المرتزقة لقرطاج عبر استخدام قنوات المياه ويتضرعون إلى الآلهة بغية فك الحصار عبر الأضاحي والقرابين من الأطفال، وهنا يبرز مكر حملقار الذي ضحى بأحد أبناء المرتزقة موهما الجميع أن القربان هو ابنه هنيبعل الذي سوف يكون بطل الحرب البونيقية الثانية ضد روما.

وكأن الآلهة تمتثل لصلوات القرطاجي حملقار، تأتي عاصفة ممطرة وتملأ بالمياه خزانات مدينة قرطاج.

تستمر مكائد قادة قرطاج ضد معارضيهم من المرتزقة الذين عانوا العطش والجوع حتى صار يلتهم بعضهم بعضا، ومات الكثير منهم تحت أقدام الفيلة التي استقدمتها قرطاج من مجاهل أفريقيا قصد محاربة روما في ما بعد.

وفي الفصل الأخير من “سلامبو” تحتفل قرطاج بانتصارها على المعارضة المرتزقة من خلال حفل زواج سلامبو من القائد الذي تصدى لهم. تتم إبادة المرتزقة عن بكرة أبيهم ولم يبق منهم إلا زعيمهم ماطو، الذي يؤتى به إلى الحفل للتفنن في تعذيبه قصد تسلية جمهور الحاضرين.

يأتي كاهن قرطاجي فينتزع قلب المعارض ماطو، لكن شيئا لم يكن في الحسبان هنا تموت سلامبو، لهذا الفعل، ذلك أن كل من يلامس الرداء الإلهي المقدس، يموت عند قتل كل من يلامسه سواء كان من القرطاجيين أو المعارضين، فلقد سبق أن لامست يدا ماطو الرداء المقدس.

وهنا تنتهي رواية فلوبير عند هذا المشهد الأخاذ بعد فصول مشوقة ومليئة بالأحداث الملحمية التي نافس فيها صاحبها أشهر الملاحم اليونانية عبر رموز كان قد استنهضها من تاريخ قرطاج ووظفها لخدمة أفكار ذلك الرجل الذي اتسمت حياته بالغرابة والتفكير خارج السرب.

إغواءات الأنوثة

فلوبير.. أدار ظهره للرومانسية وأبحر نحو سردية تاريخية
فلوبير.. أدار ظهره للرومانسية وأبحر نحو سردية تاريخية

 كان الشاعر والكاتب الفرنسي بودلير متأثراً بالعظمة الملحميّة لـ”سلامبو”، وكذلك كان يعتقد الألماني غوته أنه من الواجب مطالعة هذا العمل كقصيدة ملحمية وليس كرواية.

 وقد تكلّم فلوبير نفسه بعد إتمام “مدام بوفاري” عن هواجسه الملحميّة، إذ استهوته الملحمة كصنف ولون، وما انفكّت تعمل على استمالته في كتبه التي لحقت “مدام بوفاري”.

ويؤكد المؤرخون والدارسون لأدب فلوبير أن الأخير كانت أمنيته الكبيرة أن يقرأ إلياذة هوميروس الأصلية، وتتجلى المواقف التقليدية للملحمة في “سلامبو”: إحصاءات وتنقّلات هائلة للجيوش، أو لأمة بأكملها، مآثر عسكرية، صداقات حماسية، أعمال فردية تندرج في عمل جماعي شامل، دسائس ومكائد، و”كل حركة تُمسي مأثرة” كما يقول أحد النقاد.

أما الأبعد من ذلك كله في هذه المأثرة، والشيء الذي أراد فلوبير قوله أو حتى يختتم به مسيرته الأدبية، هو كتمان حب سيعرب عن نفسه في أشد اللحظات حلكة وحرجا، وهو أن سلامبو قد كتمت سر حبها العظيم لماطو، زعيم المعارضة من البربر.. لم تفصح عن سر هذا الحب الملعون سوى إرادة الآلهة تانيت عبر الوشاح المقدس، وكأن الحب لا يمكن إخفاؤه بالنزوع نحو الغطرسة والتجاهل والتخفي خلف النزعات العنصرية.

يظهر من خلال الأحداث في البداية أن فلوبير يناصر أرستقراطية قرطاج ضد معارضيها من البربر، لكنه في النهاية ينتصر للحب عبر حبكة روائية شديدة الحنكة والصناعة تذكر بأسطورة كعب أخيل أثناء حرب طروادة.

تتدخل الأقدار في الوقت المناسب ولكن بعد فوات الأوان، لتذكر الإنسان بأن حلقة مفقودة أو مسكوت عنها قد ظهرت لتكمل الدائرة وتصنع الأسطورة.

فلوبير يعالج أسطورة الغواية وعلاقتها بالحروب كواحدة من أشد الأسلحة ضراوة لكونها تلعب على الوتر العاطفي

يعالج فلوبير في سلامبو، أسطورة الغواية وعلاقتها بالحروب كواحدة من أشد الأسلحة ضراوة لكونها تلعب على الوتر العاطفي وتوقع أشرس القادة العسكريين والعقائديين، لكنها تنهار أمام حقيقة مفادها أن القلوب النابضة بالحب لا تنهزم أبدا بل تقتل الغادرين بها في أحلك اللحظات كما حدث مع قلب ماطو، الذي حاول الكاهن أن يجهز عليه فارتد انتقاما ضد من غدر به في تأكيد على هذا الرابط المقدس.

الكاهن القرطاجي يمثل في الرواية المؤسسة الدينية في تحالفها مع السلطة وتنفيذها لمآربها، لكن الحقيقة في مكان آخر وهو الوشاح الإلهي المقدس الذي يحتفظ بسره ولا يذيعه إلا في الوقت المناسب.

اختلطت الرومانسية مع الواقعية في رواية “سلامبو” ضمن نسيج ملحمي آسر، استدعى الأسطورة وزاوجها مع التاريخ لتأكيد حقيقة لا تقبل الجدال، وهو أن المشاعر الإنسانية بإمكانها أن تهزم كل الحسابات السياسية والعسكرية، وتسمو فوق الحساسيات العنصرية والطبقية.

كان فلوبير يلاحق الأنوثة ويتتبع إغواءاتها منذ روايته “مدام بوفاري”، ويتحيز لفكرة أن المزاج الإنساني عصي على أي تدجين أو تصنيف فكري أو اجتماعي.

 “سلامبو” ابنة أميلكار وكاهنة معبد تانيت، تكشف عن الإغواء المقدس الذي طالما تردد في الأساطير وتاريخ الديانات، تفضي رونقا وبهاء للحكاية التي لا يمكن لها إلا أن تؤنث.. هل استمتعتم يوما بحكاية أبطالها من الذكور؟ بالتأكيد لا، وكذلك خلوها من الشعر واستشراف المستقبل كما يتجلّى مبدأ الموت في أنشودة سلامبو التي تصف رأس ماسيسبال المقطوع، المعلق في مقدمة السفينة، والذي تحنّطه حركة الماء والشمس وتجعله أكثر صلابة من الذهب – تصوير وتحنيط خيالي – وكأنّنا بفلوبير يبحث عن جمع مستحيل بين الواقع والمصير، بين الحاضر والمستقبل.

16