سلامة كيلة: ثورات الشعوب العربية نتاج اجتماعي بالأساس

تبدو وجهة نظر الكاتب سلامة كيلة في ما يتعلق بالأسباب التي أدّت إلى اندلاع الثورة السورية، وغيرها من ثورات ما سمي بـ “الربيع العربي” مختلفة عن وجهات النظر السائدة عند بعض المثقفين الآخرين، حيث أنّه يعيدها بالأساس إلى الوضع والنمط الاقتصادي الذي كان سائدا، في حين يعيدها الآخرون إلى الأوضاع السياسية فحسب.
السبت 2015/05/02
ضيق المعيشة أجج حنق السوريين تجاه فشل خيارات النظام الاقتصادية ودفعهم للثورة عليه

يرى الكاتب الفلسطيني سلامة كيلة أنّ التباين بينه وبين الآخرين في وجهات النظر حول الأسباب التي أدت إلى انلاع ثورات ما سمي بـ”الربيع العربي”، وخاصة في سوريا، يتعلق بطبيعة فهم الواقع والصراعات القائمة فيه، حيث أنّه هناك من ينظر من منظار ثقافي سياسي ويعتقد أن القيم هي محرك الشعوب وبالتالي يخلص إلى أنّ الميل إلى الحرية والديمقراطية هو المطمح الأساسي لتلك الشعوب، وهو ما يدفعها إلى أن تقوم بثورات، في حين أنّ ذلك لم يثبت تاريخيا سوى في بعض البلدان الاشتراكية حيث أنّ طبيعة السلطة التي فرضت هيمنة شمولية على المجتمع كانت تدفع لأن تصبح الحرية والتحرر من عبء تلك السلطة هو الأساسي، وبالتالي كان للثورات طابع سياسي.

الدافع الاقتصادي أساسي

يوضّح التاريخ بمختلف دروسه وتجاربه أنّ حراك الشعوب في المجمل راجع بالأساس إلى المشكلات المعيشية المباشرة التي تعانيها، لأنّها عموما (الشعوب) لا تميل إلى النشاط السياسي، ولا تتدخل في ما يتعلق بالسلطة، وهي عادة تردّ فقط على تعدي السلطة على حدودها المباشرة، لكنّها لا تملك وعيا سياسيا يسمح لها بأن تحدّد معنى الحرية ومعنى التطور، وهذا أمر طبيعي، خاصة في البلدان غير المتقدمة، وفق تعبير سلامة كيلة.

ولأنّ السياسة والوعي السياسي لم يكونا يوما جزءا جوهريا من وعي المجتمعات، فإنّه لم يكن مخولا لتلك المجتمعات أن تفكر بالحرية وهي لم تفكر بالسياسة أصلا، وبالتالي فهي تميل إلى التكيّف بعيدا عن الاحتكاك بالسلطة.

ولذلك فإنّ التمعّن في حراك الشعوب التي قامت بثورات ودراسة الظروف الاجتماعية والسياسية التي فرضت تلك الثورات، تحيلنا إلى أنّ الأساس ليس سياسيا ولا يتعلق بالديمقراطية والحرية، بقدر ما يتعلق بأنّ هذه الشعوب بلغت لحظة من الضيق الاجتماعي والمعيشي. وهذا هو المنطق العام الذي يحكم الشعوب الثائرة، حيث أنّ حنقها ينطلق دائما من القدرة على العيش بعيدا عن كل داع سياسي.

وفي هذا السياق يشير كيلة إلى أنّ دراسة واقع المجتمع السوري تكشف أنّ عبء السلطة تراجع في السنوات العشر الأخيرة، من خلال تقنين سلطة الاستبداد إلى حدّ ما بعد استلام بشار الأسد للحكم، وقد أصبحت هناك قدرة على الحراك السياسي بشكل ما، على عكس ما كان يحصل زمن حافظ الأسد حيث كانت القاعدة سحق أيّ حراك وأي رأي. لكن ما تغير، بدرجة عالية، هو الواقع الاقتصادي للمواطنين، حيث انهار الوضع المعيشي بطريقة متسارعة بعد استلام بشار الأسد للسلطة، وتكشف الدراسات والأرقام التي كانت تطرح قبل الثورة أنّ نسبة البطالة بلغت حدود الـ 33 بالمئة، أي أنّ ثُلث القوى العاملة باتت تعيش من دون عمل، ممّا زاد من درجات التوتر والاحتقان والاندفاع نحو الانفجار.

سلامة كيلة: لا يمكن أن نصل إلى لعب دور حقيقي في الثورة دون أن نطرح مطالب الناس الاجتماعية

وأوضح الكاتب ، أنّ ذلك الوضع هو الذي دفعه حينها للقول بأنّ سوريا مقبلة هي أيضا على ثورة، لأنّ الاحتقان بلغ إلى أقصاه وبدأ ينبئ بالانفجار، بينما بقي الحراك السياسي الذي بدأ مع ما سمي بـ”ربيع دمشق”، والذي يضمّ فئة محدودة من النخب، ينشط في حدود معينة فقط، ولم تتوسع تلك الفئة بل على العكس من ذلك فحينما ضغطت عليها السلطة تراجعت.

ومن هذا المنظور يطرح كيلة سؤالا مفاده؛ كيف نفهم الثورات ونحيط بأسباب انفجار الناس في لحظة معينة؟ ليجيب بأنّ الخلط يجري في رؤية عفوية الناس من منظور النخب التي تفهم معنى الحرية بالمعنى السياسي وتريد تغيير النظام السياسي وهي لا تستطيع العيش أصلا، وهذه هي مشكلة قطاع من النخب التي تمثل فئات وسطى تريد “اللبرلة”، والتي تعمم مصالحها الضيقة على أنها هي مصالح المجتمع. ونظرا لهذا الخلل الأساسي، يقول كيلة، لا يمكن أن نصل إلى لعب دور حقيقي في الثورة دون أن نطرح مطالب الناس الاجتماعية، ولكي لا نؤدي إلى إجهاض الثورة أو نأتي بـ”دكتاتور” يجب أن نربط مطامح الفئات الوسطى في نظام ديمقراطي مدني علماني بطموح الشعب إلى تغيير واقعه الاقتصادي.

صراع اجتماعي بالأساس

من الممكن أن تكون الأسباب المباشرة لانفجار الثورات هي العوامل الاقتصادية، لكن في مرحلة ما (مع تطور الأحداث) سينخرط الشعب في السياسة بشكل مباشر، ولكن دون وعي سياسي، ودون فهم لطبيعة النظام السياسي الاقتصادي الضروري لحل مشاكلهم، وهذه هي المشكلة التي عانت منها الثورات العربية، وفق سلامة كيلة. حيث أن الثورة هي فعل سياسي كبير، وأهم فعل سياسي يمكن أن يحدث، ولكن هل لدى الفئات التي صنعتها رؤية لكيفية تحقيق النظام الديمقراطي على سبيل المثال؟ أو ماهو شكل النظام الاقتصادي الذي يحقق مطالبها ويقضي على البطالة والفقر والتهميش؟

الثابت أنّ الشعوب، والشعوب العربية تحديدا، لا تمتلك كل تلك المواصفات، لأنها لا تمتلك الوعي السياسي والثقافي العام نتيجة وضعها المتخلف من جهة، والاستبداد الطويل الذي رزحت تحت نيره من جهة أخرى.

وفي النهاية فإنّ كل صراع اجتماعي هو بالضرورة صراع سياسي، والعكس صحيح، لكنّ الفرق يكمن في الأولويات، فالاجتماعي لا يركز على أولوية الديمقراطية والحرية، بل يركز على تغيير وضع الناس الاقتصادي والاجتماعي. وهذا ما حدث في مصر وأدّى إلى سقوط الإخوان، وهو ما حدث في تونس، وما حدث في جل بلدان المنطقة العربية التي شهدت ثورات ما سمي بـ”الربيع العربي”، فتغيير شكل النظام من خلال الإتيان بنظام ديمقراطي لن يؤدي إلى استقرار، مادامت مطالب الشعوب والمجتمعات العربية المتعلقة بتغيير واقعها الاقتصادي والاجتماعي لم تتحقق.

7