سلامة كيلة لـ"العرب": حل الصراع في سوريا لن يكون عسكريا

توقّع المفكر الفلسطيني سلامة كيلة، في حوار مع “العرب”، حول آخر المستجدات السياسية والعسكرية في الساحة السورية وما آلت إليه أوضاع الثورة بعد التدخل الروسي العسكري المباشر، أن تنجرف روسيا إلى المستنقع الذي انجرفت إليه في أفغانستان، لتهزم في الأخير، مشيرا إلى أن جبهة النصرة وتنظيم داعش بدورهما سيختفيان باختفاء الأسباب التي بعثا من أجلها، فيما تبقى المعارضة السورية الحلقة الأضعف في الأزمة وأحد أبرز تعقيداتها.
الأربعاء 2015/11/11
سلامة كيلة: الغرق في تأسيس دولة طوائفية يعني الغرق في صراعات لا تنتهي

لندن - يرى المفكر الفلسطيني سلامة كيلة أن الصراع الطبقي هو أساس انفجار الثورة السورية. ويتمظهر هذا الصراع في الانقسام الواضح بين الفئات التي نهبت الاقتصاد، وباتت تتحكم فيه، ومركزت الثروة بيدها، مقابل إفقار غالبية المجتمع.

ويرى كيلة أن النخب الشبابية التي تحرّكت تنتمي إلى فئات وسطى كان مطلبها هو الحرية للتخلص من شمولية السلطة. وأكملت المعارضة الأمر بحصره في هذه المسألة، وكانت تصرّ على ذلك، عبر تعميم خطاب وهمي يقول إن الحرية تخدم كل الشعب، فأصرّت على تجاهل مطالب الأغلبية المفقرّة، وحصرت حدود الثورة في تغيير شكل النظام، أي في مطالبها هي فقط.

هذا العامل مع وجود عوامل أخرى، منها خطاب النظام التخويفي من الثورة والذي كان يركّز على أنها من فعل الإخوان المسلمين، ومجموعات سلفية إرهابية، وأيضا دور دول إقليمية وأحزاب معارضة عملت على تعميم فكرة أن الثورة هي ثورة السنة ضد نظام علوي، أفضى إلى تبلورات مشوّهة، تمثلت في أن يكون المفقّرون “العلويون” ملحقين بالنظام خوفا من أصولية قادمة، وسمح هذا بعد سنتين من الثورة بأن يتأسلم جزء من قوى الثورة، وأن تصبح المجموعات الأصولية هي البارزة. لهذا بات جزء من المفقّرين ملحقين بالنظام، الذي هو عدوّهم الطبقي، ومال جزء من المفقّرين “السنة” والتحقوا بالأصولية الإسلامية.

وعن رؤيته لوضع الثورة السورية اليوم خاصة بعد التدخل العسكري الروسي ولقاء فيينا الذي غابت عنه كل أطراف الصراع السوري، يوضّح سلامة كيلة أن وضع الثورة صعب لأنه بات يخضع لتدخلات الدول الإقليمية والدولية، حيث جرى تقدم في الفترة السابقة للتدخل الروسي وفرض اختلال ميزان القوى على الأرض، لكن الدول الداعمة (أي تركيا وقطر) أوقفت التقدم لأنها أرادت تحقيق اختلال فقط من أجل المساومة الدولية للوصول إلى حل سياسي. وكانت بهذا الاختلال العسكري تريد إقناع الإيرانيين والروس بالقبول بالتخلي عن بشار الأسد وتحقيق الحل السياسي.

لقاء فيينا توصل إلى بعض النقاط لكن ظل الخلاف هو ذاته قائما منذ صياغة مبادئ جنيف1 أي وضع بشار الأسد

لكن كان الرد الروسي هو التدخل العسكري المباشر لتغيير ميزان القوى، وربما سحق الثورة وفرض الحل الذي يبقي بشار الأسد. وبهذا تعقّد أمر الصراع، ودخلت المعارضة المسلحة في مواجهة أصعب مع طيران روسي متطور ومحاولات لإعادة سيطرة النظام على مناطق فقدها خلال هذا العام، وربّما محاولة السيطرة الكاملة على سوريا. لكن هل سيؤدي ذلك إلى دعم مقابل من قبل الدول الإقليمية وأميركا، ليس واضحا ذلك، رغم أن المطلوب هو سلاح نوعي خاص بمواجهة الطيران، وهذا لا يزال ممنوعا على الثورة، وحتى مع الكتائب القريبة من أميركا أو من الدول الإقليمية.

ويضيف مؤلف كتاب "عصر الإمبراطورية الجديدة": في كل الأحوال، ليس واضحا ما إذا كان لقاء فيينا سيصل إلى نتائج، لقد توصل إلى بعض النقاط، لكن ظل الخلاف هو ذاته، القائم منذ صياغة “مبادئ جنيف1”، أي وضع بشار الأسد. فلا زالت روسيا وإيران تتمسكان به، رغم رفض كل من السعودية وقطر وتركيا وفرنسا. وليس من حل دون تنحية الأسد، هل ستقبل الدولتان بذلك؟ ربما يتعلق ذلك بميزان القوى على الأرض، حيث أن روسيا لا زالت تقصف بكل وحشية، ولم تتوقف حتى خلال لقاء فيينا، لكن لم تستطع تحقيق أي تقدم على الأرض رغم الآلاف من الغارات الجوية، ولقد حققت الكتائب المسلحة تقدما في بعض المناطق. هذا الأمر يمكن أن يفرض على روسيا خصوصا أن تقبل بالحل الذي يبعد الأسد.

ويرى كيلة أن الوضع في سوريا الآن معقد ومتشابك، ولا يبدو أنه يحمل حلولا سريعة، حيث لا إمكانية لانتصار الثورة عسكريا والدعم الكبير للنظام قد تكسّر وسيتكسر معه الدعم الروسي، أن الكتائب المسلحة محكومة بالدعم العسكري من الدول الإقليمية، وهناك كتائب باتت تابعة لتلك الدول، وهذا ما يجعل قدرتها ليست هي الحاسمة بل الحاسم هو القرار الإقليمي. وهذا ما يجعل الصراع مستمرا بهذا الشكل إلى حين تحقيق حل سياسي، وهو الأمر المتوافق عليه دوليا وإقليميا.

ويصف صاحب "عفوية الجماهير ودور الحركة الثورية في الوطن العربي" النخب الثورية (التي كانت تسمّى باليسار)، بأنها “أصبحت جثثا محنطة، ليست قادرة لا على فهم ما يجري ولا على الفعل فيه". وهو ما يدعونا إلى معرفة كيف يرى وضع اليسار اليوم في البلدان العربية، بعد أن بدا واضحا أن انحساره وعدم وجود بديل له، جعل الثوار بين نارين: الإسلاميين أو الطغاة. ولنعرف أيضا ما هو المخرج الآن.

الحل السياسي في حال تحققه سيفضي إلى انسحاب كثير ممّن انخرطو في المجموعات المسلحة

في هذا السياق، يرى كيلة أن لا مبرر لتحالف اليسار لا مع الطغاة ولا مع الإسلاميين. فاليسار يطرح، كما هو مفترض، مشروعا تغييريا يتجاوز الاستبداد كما يتجاوز اللبرلة والاقتصاد الريعي، ويسعى إلى بناء دولة علمانية ديمقراطية تحقق مطالب الطبقات الشعبية. وهو بذلك في تناقض ضروري مع النظم الاستبدادية التي أسست اقتصادا ريعيا، كما أنه في تناقض ضروري كذلك مع الإسلاميين لأنهم يسعون إلى تأسيس دولة “إسلامية”. ويتابع صاحب “ما الماركسية؟” قائلا إن المشكلة في اليسار القائم هو أنه يعلّي من “المسألة الوطنية” وينطلق من “معاداة الإمبريالية” (وكل ذلك لفظيا)، لهذا يدعم كل النظم الاستبدادية التي يعتقد أنها “معادية للإمبريالية”، رغم أنها غير ذلك، كما هو الوضع مع النظام السوري.

في المقابل هناك يسار يركّز على الديمقراطية، وبهذا يبرر تحالفه مع الإسلاميين، رغم أنهم مستبدون. وهذا اليسار ينخرط في مشروع ليبرالي “نكاية” بالنظم ولا يتورع عن التقارب مع الإمبريالية تحت شعار الديمقراطية. هذا يسار بات من الماضي، ولم يعد يسارا مهمّا تبجح أو تسمى. حيث لا ينطلق من مطالب الشعب، لا يطرح مشكلة المعطلين عن العمل، ولا يلمس تدني الأجور، ولا انهيار التعليم والصحة، بل يميل إلى الدفاع عن اللبرلة والرأسمالية.

محنة الثورة وطبيعة الصراع

نتحدث مع سلامة كيلة عن أسباب فشل المعارضة السورية في الحصول على دعم أميركي وأوروبي حقيقي، والذي يعزى، بحسب خبراء، إلى أن قوى المعارضة الخارجية لم تقدم أي مواقف واضحة في ما يختص بتوجهات سوريا ما بعد الأسد تجاه المحاور الإقليمية والعلاقة مع إسرائيل تحديدا، فيقول إن السبب هو أن الولايات المتحدة لم تكن معنية أصلا بالوضع السوري، وهذا ما لم تفهمه المعارضة التي كانت مولعة بأميركا والغرب، وتعتقد أنه ينتظر إشارة منها لكي يتدخل.

لقد كانت المعارضة الخارجية مستعدة لتقديم كل التنازلات من أجل أن تحصل على الدعم المباشر من قبل الأميركيين، وهذا ما سبّب إرباكا للثورة. حيث استغلّ النظام هذه النقاط من أجل إظهار خيانة المعارضة، وقد نجح في ذلك، خصوصا في المراحل الأولى من الثورة، وهي المراحل التي كانت بحاجة إلى توسّع سريع للثورة لكي تربك النظام وتسهم في تفككه. وكان يرافق ذلك خطاب طائفي أربك الثورة بدوره، لأنه كان يخيف قطاعات مجتمعية، وليست الأقليات فقط.

المشكلة في اليسار القائم هو أنه، إما يعلي من المسألة الوطنية ويدعم النظم الاستبدادية التي يعتقد أنها معادية للإمبريالية، أو يركز على الديمقراطية وبهذا يبرر تحالفه مع الإسلاميين

ويضيف سلامة كيلة أنه ليس لدى المعارضة ما تفعله في الوضع الراهن، إنها تنتظر التوافق الدولي الذي سيقرر الحل، ويقرر أيضا مَنْ من المعارضة سيشارك في هذا الحل؟ لقد كانت معارضة فاشلة، وأكثر من ذلك أضرّت بالثورة نتيجة كل سياساتها وخطاباتها وارتباطاتها بدول إقليمية وعالمية.

الأمر يتعلق بالقوى التي تخوض الصراع على الأرض، أي الكتائب المسلحة، فهذه بحاجة إلى إستراتيجية رغم صعوبة الوضع، وتدخل الدول متعدد الأشكال في وضعها. الثورة عموما بحاجة إلى إستراتيجية ورؤية، سواء تحقق الحل السياسي أو لم يتحقق. وإعادة بناء الثورة يجب أن يكون من القوى المناضلة على الأرض، وبعيدا عن كل المعارضة القائمة.

وتطرق الحديث إلى “المسألة الطائفية في الصراع السوري”، فيقول سلامة كيلة إنه لا يظنّ أن هناك تطرفا طائفيا، بل هناك تطرف أصولي من قبل داعش والنصرة، وبصفة أقل من جيش الإسلام وأحرار الشام. وبالنسبة إلى تنظيم داعش وإلى حدّ ما النصرة، يتوقع أن يتراجع دورهما ووجودهما بعد الوصول إلى حل سياسي، لأن هذه القوى ظهرت لتؤثر في مسار الثورة وفي سياق حلّ أزمتها.

وكما حدث في أفغانستان، حيث تقلص وجود القاعدة بعد أن تحققت الأهداف الأميركية، وإلى حد ما في العراق بعد إفشال المقاومة، سيحدث في سوريا، فهذه مجموعات لها دور “مخابراتي” وهي ليست نتاجا موضوعيا للواقع.

وربما تكون هناك مشكلة مع جيش الإسلام وأحرار الشام، وهي تسعى إلى أسلمة المجتمع، وربما تنخرط في مسار سياسي لتشكّل (مع جماعة الإخوان المسلمين) قوة سياسية تهدف إلى فرض الدولة الإسلامية. لكن في كل الأحوال، سيفضي الحل السياسي في حال تحققه إلى انسحاب كثير من الذين انخرطوا في هذه المجموعات.

الكتائب المسلحة بحاجة إلى إستراتيجية ورؤية واضحة رغم صعوبة الوضع

ويضيف كيلة، مشدّدا مرة أخرى على ضعف المعارضة، ويقول إنها عاجزة عن فعل شيء، بل على العكس فقد انخرط بعضها في تكرار الخطاب الطائفي، وفي الدفاع عن “الجهاديين”، ولا يزال الكثير منها يدافع عن جبهة النصرة التي هي فرع لتنظيم القاعدة، وكذلك عن كل ممارسات جيش الإسلام، وعن تقاعسه عن خوض المعارك في محيط دمشق. وربما الناشطون هم من سيعملون على إعادة بناء الصراع وفق أسس جديدة تتجاوز الطائفية وتطرح برنامجا للثورة يعبّر عن مجموع الشعب وليس عن نخبه.

صراع قومي

أمام ما نشهده اليوم في سوريا من “إعادة اكتشاف” للهويات الأهلية المكوّنة للمجتمع السوري، الطائفية منها أو الإثنية، والتي عمل الفكر القومي وحكم الحزب الواحد على طمسها. نتساءل هل أن التحول الديمقراطي في بلد تعدّدي مثل سوريا يفترض حكما إعادة الاعتبار لتلك الهويات، وصولا ربما إلى تأسيس نظام شبيه بالصيغة اللبنانية أو العراقية القائمتين على المحاصصة؛ فيجيبنا سلامة كيلة موضحا أن الفكر القومي لم يعمل على طمس هذه الهويات بل كان نتاجا للميل المجتمعي إلى تجاوزها. ولقد عبّرت الثورة في أشهرها الأولى عن هذا الوعي. لكن جرى الاشتغال على إعادة إنتاج البنى القروسطية، وقد اشتغل النظام على ذلك كما بعض أطراف المعارضة والدول الإقليمية والدولية.

أما بخصوص الشكل اللبناني أو العراقي، فهي أيضا ليست نتاج الواقع، حيث كان يمكن للبنان أن يكون ككل الدول الأخرى، لكن الاستعمار الفرنسي هو الذي شكّل الدولة على أساس طوائفي، وهذا ما سمح بإعادة إنتاج الطائفية رغم أن المجتمع كان قد تجاوز ذلك، فقد عملت البورجوازية المسيحية التي كانت المستفيد الأكبر من هذه الصيغة على تفجير صراع طائفي لكي تحافظ على سلطتها. أما في العراق فالاحتلال هو من أسس دولة طائفية، ونلمس اليوم أن الصراع الشعبي يتجاوزها، حيث يظهر أن “الشيعة” الذين كانوا يعتبرون هم قاعدة “الأغلبية” الحاكمة، هم من ثار ضد الطبقة السياسية وضد السيطرة الإيرانية.

وفي سوريا سعت القوة الأميركية إلى تأسيس نظام طوائفي، وهذا ما اخترق وعي نخب باتت تكرر ما فعلته أميركا في العراق، وهي النخب التي، نكاية بالنظام، باتت تصطفّ مع “الغرب”، رغم خذلانه لها كما ظهر بعد الثورة. وهي الصيغة التي تأسس للصراع الطائفي، وليست نتاجا له، وهي المدخل لتفكك مجتمعي وليس التعبير عنه. ويشير كيلة هنا إلى أن السبب هو تراجع الهوية القومية، أو تراجع التعبير السياسي عن الهوية القومية، وترك المجتمعات تعبّر عن ذاتها ضمن وعيها التقليدي، رغم أنها لا ترفض الهوية القومية لكن وعيها يمكن أن يُظهر الصراع بهذا الشكل، دون أن يكون مؤدلجا.

ويختم سلامة كيلة، الحوار مع “العرب”، مؤكدا على ضرورة التأسيس لبناء الدولة العلمانية الديمقراطية والوطنية، أي التي تعبّر عن الشعب كشعب وليس عن طوائف وقبائل وأديان. والمطلوب، حسب رأيه، دولة علمانية ديمقراطية، فهذا ما يسهم في تحقيق التقدم، أما الغرق في تأسيس دولة طوائفية فيعني الغرق في صراعات لا تنتهي.

6