سلام عمر الباحث عن حيوية الرسم في ما لا يرى

الاثنين 2014/05/05
رسومه هذيان بين التجريد والتشخيص

بدأ الفنان العراقي سلام عمر حياته الفنية رساما تجريديا، كان ظهوره الأول عام 1982 قد كشف عن نزعة صفائية، جعلته ينحاز إلى التجريد البارد، حتى بدا النظر إلى سطوح لوحاته في حاجة إلى نوع مضاعف من الخيال البصري.

“لا شيء” يُرى هو في حقيقته كل شيء، صار عمر يراهن على الكشف عن تفاصيله الدقيقة، سيكون علينا أن نبحث عن حيوية الرسم في ما لا يُرى.

غير أن وقائع الزمن الصعب التي عاشها العراق دفعت بالرسام إلى اختيار المعنى ملاذا لتجربته الحسية.

كان الجمال ينحسر وكان الإنسان يقف في مهب تشاؤمه. أما من شيء يقبل من الرسم للقبض على لحظة نضرة، تكون وحدها عنوانا لحياة لن تكون قابلة للإرجاء؟ كان انتقال عمر إلى الرسم التشخيصي نوعا من التجلي الصوفي.

نبوءة تعكس سحر ما نعيشه من تحوّلات، هي في حقيقتها محاولة لوصف ما انتهينا إليه من خيال حزين. ففي كل سنتيمتر من السطوح التي تقع عليها رسوم عمر، هناك شيء من الحزن، غير قابل للاندثار أو الإبادة.

هذا رسم لا يعلق على ما يصفه، بل يدثر ما يراه بمدائح حزينة، صار الإنسان مادة، موضوعها الحرية؛ وهو ما يعكس سيرة الرسام الشخصية.

لقد اختبر سلام عمر عذاباته في التنقل بين مدن عربية، لم تكن طاردة بقدر ما كانت أحوال الإنسان فيها تضعه وجها لوجه أمام مصير تقني يفضل السفر على الإقامة. كانت الإقامة الفاشلة عنوانا لرحيل داخلي، عزت من خلاله فكرة المنفى الأخير. لذلك صار الرسم يثني على خطوات القادمين والذاهبين، من غير أن يكون المعنى مؤكدا. حين يكون الذهاب، يحل السؤال “إلى أين؟”، وحين يحل الإياب يكون السؤال “من أين؟”.

في الحالين تكون سيرتنا ناقصة. ما نرسمه لن يكون حلا، إلا على مستوى المتعة الشخصية. هناك عالم أسطوري يهرب من أدواته النائمة ليصبح قيد التداول اليومي. ولأن سلام عمر لا يخشى المزج بين الخرافات ووقائع العيش اليومي، فقد صار يرسم أناسا عاديين كما لو أنهم قد خرجوا لتوّهم من عالم الغيب. إنه يستعدّ في لحظة الرسم لاستقبال ساكني أيقوناته.

شيء من تجريديته القديمة يتسلل إلى تشخيصية صارت تقف بحذر في الطريق إلى هاويتها. سلام عمر هو رسام هذيانات لا تتوقف عند حدّ بعينه من التأويل الشعري. سيقال بطريقة تبسيطية “إنه يضع يده على الجرح”، ولكن الشقاء المستديم الذي يلاحقه عمر هو أكبر من ذلك الجرح. يقول “الحرية يا صديقي” كما لو أنه يطوي صفحة حياة ليفتح صفحة أخرى.

16