سلبية المعارضة تعبّد طريق الحكم أمام إسلاميي تونس

الكتل الفائزة في البرلمان لا تمتلك برامج وخبرتها بالدولة محدودة جدا، وهي تقاتل لتظل في وضع المعارضة، وأن الدفع نحو حكومة كفاءات، أو حكومة وحدة وطنية، أو تكنوقراط، صيغة باتت مكشوفة.
الخميس 2019/11/14
ضعف الطبقة السياسية المناوئة للإسلاميين

لا تحتاج حركة النهضة الإسلامية إلى ذكاء أو مناورة لتصبح شريكا رئيسيا في الحكم، بالرغم من تراجع شعبيتها وانكشاف محدودية برامجها وأفكارها. ويعود هذا بالدرجة الأولى إلى ضعف الطبقة السياسية المناوئة للإسلاميين، سواء المكوّنات الحزبية المحسوبة على المنظومة القديمة أو تلك المحسوبة على المعارضة، والتي تتهرب من أن تخرج من موقعها التقليدي وترفض المشاركة في الحكم.

وبان بالكاشف في الأيام الأخيرة أن حركة النهضة في وضع صعب وتهزها خلافات نوعية، ولم تعد قادرة على لجم هذه الخلافات داخل مؤسساتها. لكن خصومها لم يشتغلوا على هذه الخلافات، وعلى العكس، فربما ساعدوا على تأجيلها بسبب فتح الباب أمام النهضة لتكون محورا لكل التحركات سواء ما تعلقت باختيار رئاسة البرلمان أو رئاسة الحكومة، أو العلاقة مع الرئيس الجديد قيس سعيّد أو رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد.

ومنذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية، اختارت المعارضة “الطهورية” (حركة الشعب والتيار الديمقراطي) أن تظل على الهامش، وأن يكون دورها الضغط على النهضة واستفزازها وإظهار ارتباكها في إدارة الملفات دون أن يفكر قادة حركة الشعب والتيار في صيغة لتحييد النهضة، والبحث عن تحالفات مع أحزاب المنظومة القديمة والمستقلين للتصدي لمهمة تشكيل الحكومة، أو الدخول في شراكة مع النهضة وسحب المبادرة منها ودفعها إلى تقديم تنازلات مؤلمة تجعلها طرفا غير مهيمن في الحكومة.

قراءة التيار وحركة الشعب لا تبدو دقيقة لفرضية إعادة الانتخابات في ضوء حقيقة وصول أغلب نوابهما للبرلمان بأكبر البقايا من جهة

ومن البداية رفع زعيم التيار الديمقراطي سقف الاشتراطات بأن طالب بوزارات حيوية مثل الداخلية والعدل والإصلاح الإداري، وأن يكون رئيس الحكومة مستقلا. والهدف بالطبع ليس الدخول بقوة للحكومة وقطع الطريق أمام الإسلاميين، ولكن لدفعهم إلى التحالف مع نبيل القروي رئيس حزب “قلب تونس”، ويوسف الشاهد رئيس حركة “تحيا تونس” لتظل المعارضة مرتاحة ومبسوطة بلعب دور “الحكيم” الذي يتكلم ويوجه ويزايد..

والأمر نفسه لحركة الشعب القومية الناصرية التي عادت بالصراع مع الإخوان إلى التاريخ، بدل أن تنزل به إلى الأرض، وتبحث عن تحالفات تقطع عليهم طريق “الأخونة” والتغول.. ومبادرة “حكومة الرئيس” التي اقترحها القيادي بحركة الشعب سالم الأبيض كان يمكن أن تكون مدخلا ذكيا لمحاصرة النهضة وجعلها مكوّنا عاديا ضمن تحالف أشمل يقود الحكومة لو تم الترويج لهذه المبادر بعيدا عن الأضواء، وإقناع النهضة بها في جلسات ثنائية أو ثلاثية، لكنها طرحت في صيغة تحد، وبعقلية قطع الطريق على النهضة ومحاولة دق الإسفين بينها وبين الرئيس الجديد وجمهوره.

والحقيقة أن الكتل الفائزة في البرلمان لا تمتلك برامج وخبرتها بالدولة محدودة جدا، وهي تقاتل لتظل في وضع المعارضة، وأن الدفع نحو حكومة كفاءات، أو حكومة وحدة وطنية، أو تكنوقراط، صيغة باتت مكشوفة لتسليم السلطة إلى الإدارة وكفاءاتها التي تمرست بالحكم في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي وما قبله، على أن تحكم برعاية الكتل الفائزة التي ستكون في صورة الورد البلاستكي الذي يوضع على المكاتب، بلا رائحة ولا طعم، فقط ستكون قد قطعت الطريق على النهضة وأرضت رغبة جمهورها الأيديولوجي الذي يضع في أولوياته الصراع مع النهضة أهم من تحسين وضع البلاد.

والنهضة نفسها التي تريد أن تقود الحكومة تشترط فقط أن يكون رئيس الحكومة منها كنوع من رد الاعتبار بعد حملات الجلد الذاتي من جمهورها، لكنها ستتولى انتداب وزراء وكتّاب الدولة تحت جلباب النهضة، لكنهم “كفاءات قديمة”.

وفي الحالتين يتم تسليم الحكم للدولة القديمة، دولة الإدارة.. ويكتفي من انتخبهم الشعب بدور الفرجة والتصفيق والإيهام بالحكم.. واستدعاء دور اتحاد الشغل، أو تقديم شروط تعجيزية، أو الالتفاف حول معجزة “حكومة الرئيس”.. كلها حيل حتى لا تظهر أحزاب ما بعد الثورة عجزها للناس.

وإذا كان التيار الديمقراطي وحركة الشعب سيحققان مكاسب آنية بالتمترس في المعارضة، كأن يحافظا على تماسك أنصارهما ويستمرا بحرب كلامية على الفساد والتهاوي الاقتصادي، فإن النهضة، التي وجدت نفسها أمام خيار التحالف مع “قلب تونس” رغم اللاءات التي رفعتها في البداية ضد هكذا تحالف، ستخسر ظرفيا جزءا من أنصارها، وقد تعلق بها تهم التواطؤ مع الفساد، لكن ستغنم استراتيجيا موقعا أفضل، وستكون سيطرتها على الدولة هذه المرة بحرية أكبر عكس فترة التوافق السابقة مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الذي نجح في تحديد مربع تحرك الحركة ذات الخلفية الإخوانية، ولم تخرج من ذاك التحالف بمكاسب نوعية مثلما يبدو الأمر حاليا.

منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية، اختارت المعارضة “الطهورية” (حركة الشعب والتيار الديمقراطي) أن تظل على الهامش، وأن يكون دورها الضغط على النهضة واستفزازها

وإذا كانت النهضة ستجد نفسها في مواجهة غضب جمهورها، وقد تشهد استقالات، أو موجة انسحابات، فإن “قلب تونس” نفسه قد ينفجر بمجرد التحالف معها في تكرار لتجربة “نداء تونس” خاصة أن أبرز عناصر كتلة “قلب تونس” يأتون من النداء أو مشتقاته وكان أحد أسباب انشقاقهم عن الحزب الأم هو خيار الرئيس الراحل قائد السبسي التوافق مع النهضة.

وهو وضع يخدم النهضة ويجعلها القوة النافذة في مؤسسات الدولة. كما أنه قد يغير نظرة الدول المعنية بالشأن التونسي لها، والتعامل معها كأمر واقع كونها الجهة الوحيدة المتماسكة. وهذه النتيجة ليست سوى هبة مجانية من أحزاب المعارضة التقليدية التي لم تجتهد في البحث عن تحالفات تحفظ لها ماء الوجه من جهة وتقطع الطريق أمام تغوّل النهضة.

والسؤال الذي يطرح الآن: لماذا تقبل النهضة بتحدي التحالف مع “قلب تونس” و”تحيا تونس” للاستمرار في قلب الدولة، فيما يستنكف التيار وحركة الشعب عن ذلك، أو البحث عن تحالف ما مع “تحيا تونس” وبقية المجموعات الصغيرة والمستقلين؟ أيهما أهم المصالح الحزبية أم الوقوف بوجه خطر تغوّل النهضة واختراق المؤسسات؟

كما أن قراءة التيار وحركة الشعب لا تبدو دقيقة لفرضية إعادة الانتخابات في ضوء حقيقة وصول أغلب نوابهما للبرلمان بأكبر البقايا من جهة، ومن جهة أخرى لغضب الشارع الذي قد يلجأ إلى أسلوب العقاب الجماعي للأحزاب التي فازت ولم تحمل بدائل في مستوى وعودها ولم تخرج البلاد من أزمتها، وفضلت حساباتها الحزبية على المصالح العامة.

وأيا كانت هذه الحسابات، فإن الأحزاب والكتل المختلفة “المتعففة” عن الحكم قد عبّدت الطريق أمام الإسلاميين لأن يكونوا اللاعب المؤثر في المشهد السياسي.

9