"سلطانة المعز".. قصة مكرّرة لفتاة شعبية تبني نفسها من الصفر

بناء درامي قوي يسرد فكرة تهريب الأفارقة واستخدامهم في تجارة الأعضاء تضيع حبكته أمام عصامية البطلة.
الخميس 2020/07/23
صراع لا ينتهي بين تجار الآثار وسكان شارع المعز

مسلسل “سلطانة المعز” عمل فني مصري يملك عناصر صراع قوية بين عصابات الاتجار بالآثار وتهريب الأفارقة للاتجار بأعضائها، لكنه أضاعها في خضم التركيز على شخصية الفتاة الشعبية العصامية، التي تضحي من أجل إسعاد الآخرين، وتتعرّض لظلم الرجال وتنتقم منهم في النهاية.

لم يخرج المسلسل المصري “سلطانة المعز” الذي تعيد عرضه بعض المحطات المصرية بعد انتهاء موسم رمضان، عن الدائرة التي تتحرّك في إطارها الفنانة غادة عبدالرازق خلال العقد الأخير، بقصة تكاد تكون معادة عن سيدة عصامية شعبية تبني نفسها من الصفر، وتقع فريسة لمطامع الرجال الذين ينسجون حولها شبكة عنكبوتية لاصطيادها، طمعا فيها كأنثى أو سعيا وراء أموالها، قبل أن تتحوّل من حمل وديع إلى ذئب ينتقم.

ويشبه تكرار الأدوار الرقص على حافة بئر عميقة، فمع أي خطأ قد ينزلق الفنان إلى داخل فوهة من الملل، والعزوف عن المشاهدة من جمهور ينتظر دائما الجديد، ولا يتقبل كثيرا الصورة النمطية، ويبقى الأمر مرهونا بمدى قدرة الفنان على إعادة إنتاج الشخصية ذاتها بطريقة أداء متجددة وتعبيرات متباينة.

وتؤدي غادة عبدالرازق في العمل دور “سلطانة”، وهي سيدة لم تكمل تعليمها تولت تعليم أشقائها حتى أصبح أحدهم محاميا شهيرا “سلام” (الفنان أحمد ماجد)، وبدأت رحلتها من الصفر من خلال مكان لبيع أرغفة الكبدة موروثة عن والدها، ثم طوّرتها حتى أصبحت محلات في شارع المعز الأثري بوسط القاهرة، قبل أن تقع في حب شخص شرير “نعيم” (الفنان محمود عبدالمغني) يجرّدها من ممتلكاتها ويزجّ بها في السجن بسبب اتهامها بسرقة الآثار.

إعادة إنتاج وتغليف

فكرة تهريب الأفارقة واستخدامهم في تجارة الأعضاء تعد جديدة على الدراما المصرية، لكن العمل تناولها بسطحية
فكرة تهريب الأفارقة واستخدامهم في تجارة الأعضاء تعد جديدة على الدراما المصرية، لكن العمل تناولها بسطحية

قدّمت غادة عبدالرازق الثيمة المرأة العصامية والمكافحة في الكثير من أعمالها بصورة أو بأخرى في “حدوتة مرة” و”زهرة وأزواجها الخمسة”، و”سمارة” و”مع سبق الإصرار” و”ضد مجهول” و”الخانكة”، ما يعرض شعبيتها للانفراط حبة تلو الأخرى من ناحية نسب المشاهدة.

ويتمحور مسلسل “سلطانة المعز”، الذي كتب قصته زياد إبراهيم، نجل الأديب إبراهيم عبدالمجيد، وأخرجه محمد بكير، على تقلبات حادة في العلاقة بين “سلطانة” و”نعيم” انتقالا من الحب والزواج إلى العداوة والقتل والنهب تحت وطأة التهديد بإيذاء عائلتها وقتل أمها وأبنائها، ثم خروجها للانتقام منه وأشقائه رموز الشر في العمل.

ويطرح العمل فكرة تهريب الأفارقة واستخدامهم في تجارة الأعضاء، وهي قصة صالحة لوحدها لحمل عامل كامل وغير مطروقة في الدراما المصرية، لكن تناولها تم بصورة عرضية دون عمق، فلا ذكر لكيفية تهريبهم من بلدهم والبلد الذي يتّجهون إليه، كأنه تمّ الزجّ بهم لصالح تطويل الأحداث وتوفير جانب من التشويق.

واقتصر السيناريو في تناوله للقضية على اكتشاف سلطانة رسالة على هاتف زوجها تفيد بأن فتاة أفريقية هاربة من القتل ‏تتواجد في محيط أحد الأديرة بسيناء فتذهب للبحث عنها، لكن نعيم يكتشف الأمر فيلفّق قضية لراهبتي ‏الدير، ويتخلّص من شقيقها سلام الذي اكتشف تورّطه في القضية، ويقرّر تكرار الأمر ذاته مع زوجته.

ويحمل العمل الكثير من عدم المنطقية حتى في لقطاته الأولى بذهاب الإعلامي عمرو الليثي بشخصيته الحقيقة لتسجيل حلقة مع سلطانة بمفرده دون مساعدين، ويعطي سيارته لشخص يبدو من هيئته أنه “بلطجي” كي يتولى حفظها، ويجد السيدة المقصودة بملابس شبه رسمية لا تشوبها بقعة واحدة تعمل بيدها في طهي الكبدة، رغم امتلاكها مقاهي وعقارات، وحتى التسجيل جاء ليلا وفي الظلام دون أدنى اعتبار لفكرة تصوير البرامج المسجلة التي تختار أفضل أوقات الإضاءة نهارا.

وامتد غياب المنطقية مع توالي الأحداث، بإظهار الحيل التكنولوجية الكثيرة لسلطانة التي لا تتماشى مع سيدة لم تكمل تعليمها لتكتشف الموقع الذي زاره شقيقها قبل مقتله عبر الإنترنت وتقتني جهاز تنصت على الهواتف، وتوقع بشبكة دولية تتاجر في الآثار والبشر، بمساعدة “حمدي” (الفنان محمود البزاوي) الذي يستأجر أحد مقاهيها.

تكرّر الأمر ذاته مع قضية تورّط “شمس” (الفنان محمد شاهين) في قتل أحد الملثمين بمسدسه الخاص، التي اعتبرها جميع المحامين مستحيلة، إذ لا تبدو أنها قضية من الأساس، فالملثم كان متورّطا في تفجير سيارة في المنطقة، وتم قتله في منطقة مشتركة بين مزرعة شمس وأخرى مملوكة لمشتبه به هارب من التحقيق ومتهم في قضايا دولية، وبراءته جاءت فقط لمجرد أن تقرير الطب الشرعي أثبت أن مصدر إطلاق النار كان من عدة أشخاص، وليس شخصا واحدا، دون اعتراض من النيابة التي لم تدفع بإمكانية أن يكون سلام قام بالقتل بمساعدة آخرين.

ويعلي العمل من عامل الصدفة بصورة فجة، فنعيم الثري مرتكب جميع الموبقات يذهب إلى حضرة صوفية ليتبرّع بمبلغ ضخم من المال، أملا في إنقاذ شقيقه، فيلتقي بشيخ صوفي يرفض تلقي الأموال ويطالبه بالتوجه لسلطانة التي تشترط معرفة قصته أولا وتصحبه لشقيقها المحامي، وفي الوقت ذاته تحضر الشرطة لنزع ابنها بالتبني “جابر” بزعم تعرضه للتعذيب فيفشل شقيقها في إقناع الشرطة، بأن يبيت عندها ويتوجه صباحا للنيابة، وينجح نعيم وتبدأ قصة الحب في التشكل.

أحداث بطيئة

غادة عبدالرازق قدّمت ثيمة المرأة العصامية المكافحة في الكثير من أعمالها الدرامية، ما عرض شعبيتها للتراجع من حيث نسب المشاهدة
غادة عبدالرازق قدّمت ثيمة المرأة العصامية المكافحة في الكثير من أعمالها الدرامية، ما عرض شعبيتها للتراجع من حيث نسب المشاهدة

اتسم العمل في ثلثه الأول بوتيرة متسارعة في الأحداث. لكنه فقد بريقه منذ الحلقة العاشرة، مع منح مساحات لشخصيات ليس لها أي دور مثل “كريمة” (الراقصة دينا) التي ليس لها دور في الصراع سوى صداقتها مع البطلة ومساعدتها في مشروعها، وكذلك الحال بالنسبة لشخصية “تحسين” (الفنان الراحل حسن حسني) التي لم تظهر سوى في دقائق معدودة من بينها لقطة صامتة في الحلقة الثانية.

وربما يحمل العمل قدرا من الإسقاط السياسي على فكرة الأوطان بتصوير شارع المعز كوطن ضارب في القدم يحارب سكانه الطيبون الأشرار الوافدين إليه الراغبين في نهب ثرواته وآثاره، وفرض سيطرتهم بالحيلة أو بالاستقطاب أو حتى بالجنس، والاعتماد على الشائعات التي غيّرت من قناعات سكانها إزاء سلطانة والأعمال الخيرية التي تقوم بها لصالح تصديق فكرة تجارتها بالآثار.

وتخدم أسماء الأبطال تلك الفرضية على المستوى النظري فاسم سلطانة التي تفرض سلطتها على شارعها أو مملكتها المصغرة، وتتعرض لفقدانها من نعيم سارق النعمة، رمز المحتل الغاشم الساعي لنهب الثروة وشقيقه سلام، المنبثقة من لفظ سلام، الذي يرتكب الشرور في الظل، وكان مساعدا في جرائم القتل والاتجار بالبشر. لكنه في الوقت ذاته يختفي تحت ستار من الطيبة والهدوء.

وفي المقابل، لم تشتغل القصة بالشكل الجيد على تلك النقاط ولم تتطرّق لأحوال الحارة الشعبية لمنح الإسقاط نوعا من العمق المطلوب ومساحات لخلق الرابطة المقصودة.

تقول الناقدة ماجدة خيرالله لـ”العرب”، إن المسلسل لم يترك صدى جماهيريا في عرضه الأول، ولم يجذب الجمهور للمشاهدة إلاّ بصورة طفيفة، وبعض المشاهدين لم يسمعوا به من الأساس، حتى الأزمة التي وقعت فيها بطلته مع ناقد شهير (طارق الشناوي) ربما كان هدفها في المقام الأول جذب الانتباه للعمل.

وأثارت غادة عبدالرازق أزمة مع الشناوي الذي انتقد نوعية الأعمال الفنية التي تشارك فيها، وقال إنها تتم بشكل عشوائي دون اختيار دقيق رغم الموهبة الفنية الكبيرة التي تمتلكها، وردّت الممثلة باتهامه بأنه يتلقى أموالا للكتابة عن أعمال بعينها بصورة جيدة ونشبت أزمة انتهت باعتذار الفنانة عن تصريحاتها.

وتضيف خير الله أن “سلطانة المعز” جاء في موسم يتضمن منافسة نسائية شرسة مع سبع فنانات في أعمال متباينة، بعضها استطاع حجز مكانة مع الجمهور، وصمّمت بطلته على أنه حقّق جماهيرية، لكن ردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي التي تمثل بالون اختبار للعمل لم تذكره من قريب أو بعيد بما يدل على غياب تأثيره.

16