سلطان القاسمي.. الحاكم الإنسان

السبت 2013/08/24

استمعتُ قبل أيام إلى مداخلة على الهاتف قام بها الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، مع قناة تلفزيونية مصرية، وكان يتحدث بلهفة وشوق عن مصر بمعادلة واضحة: نكون أو لا نكون، وهي مبادرة يندر أن نراها إلا من حاكم مثقف وإنسان قبل كل شيء، يعرف متى يتحدث وماذا يقول ولماذا. وبعيدا عن كل الألقاب والأعراف الدبلوماسية، ونظرية المؤامرة، فقد بدا واضحا من خلال الموضوعات الحساسة التي اختار الشيخ سلطان التطرق إليها، أن الشيخ الدكتور قرأ بإنسانيته الرفيعة، تفاصيل الواقع المصري بكل دقة تعبر عن فهمه الكامل لما يجري هناك.

ويمكن القول إن سلطان القاسمي شرح بعفوية رجل الشارع، لكل أبناء الشارع في ميدان رابعة مثلاً، الذين غيبتهم خطابات «الدعاة» و»رجال الله!» الذين توهموا في جملة اعتراضية من الزمن، أنهم يمثلون الله في الأرض، وأصبحوا ظله بل صاروا ينطقون باسمه وكأنهم الله فينا، يصدرون أحكاما يحسبونها منه سبحانه وهي لا تمثل إلا إسقاطات أنفسهم وتفسيراتها (حتى الصادقين منهم) لقول الله وقول رسوله (ص)، فهي إذن شريعة وضعية وليست دينا إلهيا، لأنها في النهاية أحكام وتفسيرات ظنّية.

سلطان القاسمي أعلنها بوضوح في مداخلته التلفزيونية، أن الأزمة الحقيقية (في مصر وفي غيرها) ليست مع الدين بل هي مع مشروع المتأسلمين السياسيين في جماعة الإخوان وكل جماعة تدور في نفس الفلك. وهي أزمة حضارية ثقافية قبل أن تكون سياسية أو حتى أمنية. سلطان القاسمي اهتم بالتاريخ وبكل ما يوثق لمصر تاريخها ونهضتها، ولم يكتف بتأييد الكلام، وإنما أتبعه مباشرة بمشاريع ثقافة محددة للحفاظ على هوية مصر من خلال إعادة ترميم مراكزها التي تحفظ وثائقها التاريخية.

قال الدكتور سلطان القاسمي بكل شجاعة المثقف الإنسان إن هدف الإخوان المسلمين ومن يؤمن بنهجهم، هو أولاً «إلغاء مصر»، وثانياً «إلغاء التاريخ»، و»تقديم أجزاء من مصر لمن يشتري ولمن ساهم في هذه المهزلة».

وليس هذا وحسب فإن هذا الحاكم الإنسان كان تحمّل في السابق تكاليف إنشاء الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، بناء على خطاب بريدي عادي جداً تم إرساله إليه فاستجاب على الفور، وهو الذي خص اتحاد كتاب مصر بوديعة مالية قدرها 20 مليون جنيه لعلاج الكتّاب، بعد موقفه المعروف من حرق المجمع العلمي بعد ثورة 25 يناير، حيث أعلن على الفور تحمله نفقات إعادة ترميمه، وأهدى المجمع 4000 عنوان نادر من مكتبته، تعويضا عن تلك التى احترقت.

تحدث الدكتور سلطان بعجالة (في تلك المداخلة) عن أرض مصر التي كان يزرع فيها بيديه شتلات حبه لشعبها عندما كان يدرس في كلية الزراعة بجامعة القاهرة، عام 1967، وهي الفترة التي امتدت حتى 1971، وفيها استنشق من هواء مصر، وتعامل مع شعبها الذي بادله الحب.

غير أنك حين تطالع سيرته الشخصية التي تحمل عنوان «سرد الذات»، ستجد أن حب القاسمي لمصر بدأ منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وهي سيرة أدعو إلى توثيقها تلفزيونياً لتبقى حاضرة في كل عصر.

في هذه السيرة، تجد مقاوماً شاباً ينحاز إلى شعب مصر وينفذ أربع عمليات عام 1956 وهو في سن السابعة عشرة، ضد القوات البريطانية في الشارقة، مسجلاً موقفه من العدوان الثلاثي «البريطاني الفرنسي الإسرائيلي» على مصر. كان ذلك الشاب اليافع ينفذ العمليات ليلاً، وبعدها وأثناء استعداده للخروج مع والده لتأدية صلاة الفجر، سأله والده: هل أنت الذي يقوم بهذه العمليات، فردّ: «نعم»، فضمه إلى صدره مفتخرا بما يقوم به. كان من جيل أولئك الآباء بقيادة حكيم العصر الشيخ زايد، رئيس دولة الإمارات الراحل.

وفي «سرد الذات» تقرأ أيضاً كيف قام سلطان القاسمي وهو في مصر بالتقدم إلى مراكز التطوع والتدريب على السلاح للذهاب إلى الجبهة للقتال ضد إسرائيل بعد نكسة 5 يونيو 1967، وفي السيرة أيضا حكايات عن عشقه للمناطق التاريخية والأثرية في شوارع القاهرة الفاطمية، وهو حريص كل الحرص على حفظ التاريخ من أولئك الذين لا يقيمون وزناً للعلم والمعرفة والتاريخ «..الأخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا»..

يجب أن توثق «سرد الذات» في فيلم وثائقي، وقد كتبت عام 2008 ورقة عن رؤيتي في شأن الفيلم الوثائقي الذي يبدأ من العراق، ولا ينتهي بمصر والشارقة التي عندما تتجول في أحيائها، تجد نفسك في العراق وأنت تتقلب بين مناطق كثيرة منها الناصرية والفيحاء وأنت تمر بـ»ميسلون» وكأنك والتاريخ المضيء بإشراقات سلطان القاسمي… صنوان. كنت أريد أن أوثق هوية الإمارات التاريخية انطلاقاً من الشارقة لأقول لكل من يظن أن هذه البلاد صحراء قاحلة بلا جذور، إنها أصل كل جذور وفيها عُثر على أول أثر للحياة البشرية، على جبل الفايا بإمارة الشارقة، حيث يعود تاريخ ذلك إلى نحو 8500 سنة قبل الميلاد. ولقد لعبت بعض القبائل الرائدة والتي تصدرت المشيخة في المنطقة دورا رائدا في قيادة دفة الحكم والتطور البشري والثقافي والاقتصادي والسياسي في المنطقة ومنها «القواسم».

وكان المشهد الأول الذي رسمته في ذهني يبدأ من الشارقة اليوم، وسر حكاية الإمارة عبر تصوير حي للمرافق المختلفة فيها وتسليط الضوء على الأحياء المسماة بأسماء مدن عراقية، مرورا بقصر سمو الحاكم إلى المتحف، ومن خلال المتحف أنتقل إلى المشهد الثاني والقبائل التي تقطن المنطقة، مع إسقاطات تاريخية عبر كتب وخرائط يتناول فيها المشهد الكثير مما يجب أن تعرفه الأجيال عن تعامل قبائل المنطقة وعلى رأسها القواسم مع القوى القادمة من بعيد.

وتكمن أهمية الفيلم الذي حلمت به في:

(1) أهمية التوثيق التاريخي و(2) التفاعل البشري في المنطقة ومنها قبائل مشايخ القواسم و(3) التفاعل القبلي مع متغيرات المنطقة و(4) الاستفادة العلمية من العنصر البحثي العلمي التاريخي و(5) تأثير هذه القبائل العربية على مفاصل الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية للمنطقة.

فكما حافظ هذا الرجل على هوية مصر، يجب علينا أن نحافظ على هويته الثقافية وتاريخه الحضاري ولو بعد حين. أليس كذلك؟

إعلامي عراقي

9