سلطان القاسمي.. رؤية ثقافية للتغيير

الأربعاء 2015/01/28

هل من الضروري أن نسلك طريق الثورة لتحقيق التغيير؟ تبادر هذا السؤال إلى ذهني، وأنا أتابع الحالات العربية الراهنة، حيث الخصومات على مستوى التنظير، والصراعات على مستوى السلطة، والإرهاب والعنف على مستوى الشارع، وبالتأكيد ستكون إجابات كثيرين مرتبطة بالتصور العام، لجهة القول: إن الثورة على أوضاعنا الراهنة أكثر من ضرورة، وسيطول أمد المعاناة، ولكن النتيجة ستكون لصالح رغبات وأماني وطموحات الشعوب العربية.

الرأي السابق يمثل نوعا من الأمل المشروع، بل والمطلوب أحيانا، ولكن حقيقة الأمر أن ما يحدث داخل أوطاننا، سواء أكان ممّا قدمت أيدينا أو أيادي غيرنا، هو في حقيقته صراع أقرب إلى الفتنة منه إلى الثورة، وهو لا يتعلق بالاختلاف حول أنظمة الحكم فقط من ناحية شرعيتها من عدمها، أو محاسبة لأفعالها وقراراتها سلبا وإيجابا، أو إخلاصها الوطني من عدمه، ولكن بحال من الفوضى العارمة التي غابت فيها معايير التقييم، وانعدمت فيها الرؤية الجامعة، وتراجعت فيه الأولويات، وكل ذلك حال دون تحقيق أهداف التغيير.

يمكن لنا من خلال التنظير والتحليل والمتابعة أن ننتهي إلى نتائج، عبر شواهد متراكمة، مختلفة عن تلك التي سعى إليها من أرادوا التغيير عبر ما أسموه بالثورة، لكن ذلك لن يغيّر من الأمر شيئا لأسباب كثيرة، من أهمها: تأثير وقوة الفعل الدموي اليومي في الساحات العربية من أجل التغيير سواء أكان إلى الأمام (التغيير الإيجابي) من أجل الخروج من الأزمة على غرار ما تقوم به بعض الأنظمة، أو التغير إلى الخلف (التغيير السلبي) وهو ما نراه في العمليات الإجرامية للجماعات الإرهابية، لذلك علينا مد جسور بين جماعات التنظير والناشطين في الميادين العامة، حتى لا تبقى الثورات العربية – إن اعتبرت كذلك – من دون مرجعية فكرية، وهو ما سيساعدنا على إيجاد فضاء للمشاركة الجماعية في التغيير.

الملاحظ أن هناك بدايات محتشمة لهذا النوع من المشاركة، أو لنقل إرهاصات لنوع من الفعل السلمي، إن وُفّق أصحابه سيكون بديلا مشروعا عن الفعل الدموي، نراه في بعض المقالات المنشورة في عدد من الصحف العربية وأيضا في بعض المداخلات، حيث تتركز الكتابات أو المداخلات بشكل واضح على الدعوة علانية إلى ثورة ثقافية، قد تغير مسار حركة المجتمعات العربية، ويُنتظر حدوث نقاش واسع حول هذا الطرح.

تلك البدايات ستنطلق بلا ريب نحو أفق أوسع، وفضاء أشمل، ما دامت تمثل رغبة وقناعة وضرورة لدى بعض قيادات الدول العربية، من ذلك ما بدا واضحا في كلمة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم الشارقة، أثناء لقاء جمعه مع وفد الأدباء والمثقفين العرب في 21 يناير الجاري، في دارة سلطان القاسمي للدراسات الخليجية، حيث تناول في بداية كلمته بالشرح والتحليل قضايا أربع، هي:

- دور الأدباء والمثقفين في التغيير عبر الكلمة والتأثير، وذلك للمساهمة في النهوض، والمشاركة في بناء الأوطان، وبناء جيل واع ومثقف ومعتز بهويته وثقافته العربية والإسلامية.

- مناقشة مسيرة العمل الأدبي والثقافي في الوطن العربي، والعوامل التي أثّرت فيه منذ بدايته، مروراً بأسباب انتشار ثقافة الاستهلاك التي أدت إلى تدني مستوى الإنتاج الأدبي والثقافي في الوطن العربي.

- بحث سبل الارتقاء والنهوض بالإنتاج الأدبي والثقافي، والعمل على نشره عالميا، وتعريف الآخر بالثقافة والأدب العربيين، وفتح قنوات التواصل مع الثقافات الأخرى، والأخذ بالتجارب الرائدة في المجال الأدبي والثقافي.

- التأكيد على دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام – وإمارة الشارقة بشكل خاص – باعتبارها حالة فريدة في تبينها للعديد من المبادرات الثقافية والأدبية التي كان لها بالغ الأهمية في التأثير على الساحة العربية والعالمية، وإعطاء صورة إيجابية عن العالم العربي.

من ناحية، ركز سلطان القاسمي على المواجهة الثقافية لتغيير حال الأمة، وهذا بالاعتماد على مقومات المثقفين والنشاط على أرضهم، وداخل عوالمهم، لأن ذلك هو مصدر قوتهم، ولن يتحقق ذلك في نظره إلا إذا توفر الدعم المادي والمعنوي لهذه الفئة، كون الثقافة تعد عاملا أساسيا في دفع عجلة التنمية والتطور وبناء الحضارات، وأن الثقافة والأدب العربيين يشكلان محورين مهمّين في نهوض الأمة العربية وتحقيق تقدمها، لذا علينا تطوير الثقافة العربية ونشرها إلى العالم أجمع، وذلك عبر مشروع يتم فيه ترجمة الأعمال الأدبية الإبداعية العربية إلى اللغات الأجنبية وتسليط الضوء عليها، والوصول إلى العالم من بوابة الإبداع الأدبي والثقافي.

ولأن نشر الثقافة العربية يبدأ من الداخل أولا، فقد اقترح سلطان القاسمي، توفير كافة الإمكانيات للأدباء والمثقفين من صحف دورية، وطباعة إنتاجهم لكي يبدعوا ويستمر عطاؤهم، والعمل على زيادة الصالونات الثقافية التي تعتبر ملتقى للأدباء والمثقفين للتحاور والتواصل، هذا على مستوى الإنتاج المعرفي، أما على مستوى الدعم المباشر للكٌتّاب والمبدعين، فقد أكد على ضرورة توفير الضمان الاجتماعي الذي يكفل للأدباء التكافل الاجتماعي، والوقوف معهم جنبا إلى جنب في أوقات الأزمات، خصوصا في الظروف الحالية، وما يمرّ به العالم العربي من صراعات وعداء فكري يستهدف الهوية والثقافة العربية.

ومن خلال المداخلات والأسئلة التي طرحها أعضاء الوفد على سلطان القاسمي، بدا الإجماع واضحا على ضرورة التغيير عربيا من خلال مواجهة الإرهاب عبر الثقافة، كون المعركة فكرية بالأساس، وهنا ننطلق، ولو بشكل أولي، من الكتابة والتعبير في الصحف والقنوات الفضائية إلى عمل تأسيسي، هو رهان مستقبلي علينا كسبه، وليس أمامنا من خيار إلا الانتصار ما دامت الإمارات – كعادتها دائما – توفر المكان والزمن والدعم المادي والمعنوي، وهي جوانب عملية وأساسية نفتقدها في الكثير من دولنا العربية الأخرى.


كاتب وصحفي جزائري

8