سلطان غلال تونس ظاهره شوك وباطنه عسل

السبت 2014/09/13
يلقى "الهندي" الذي يسميه التونسيون"سلطان الغلة" رواجا كبيرا أواخر الصيف

القصرين (تونس) – “هندي تالة يا وكَّالة” (هندي تالة يا أيها الآكلون) و”هاو سلطان الغلة” (هذا سلطان الغلال).. نداءات يصدح بها البائعون في تونس لجذب انتباه المارين لثمرة “التين الشوكي” التي تنتشر على مساحات واسعة في الوسط الغربي للبلاد، وتحتل محافظة القصرين المرتبة الأولى من حيث مساحة زراعته ومن حيث الإنتاج.

يعتبر التين الشوكي في الثقافة السائدة في تونس “شجرة علفية” لكن ثماره تسمى في تونس “الهندي” ويطلق عليها أيضا “سلطان الغلة”.

وترى باعة الهندي يصيحون في الأسواق الأسبوعية وفي الأحياء بالمدن خلال شهري يوليو وأغسطس من كل سنة “هندي تالة يا وكالة “، و”هاو سلطان الغلة”، كناية على جودته ولذة مذاقه.

وتختلف تسمية ثمرة التين الشوكي، حسب المناطق والدول، يطلق عليها اسم “الهندي” في اللهجة العامية التونسية، وبالفرنسية “التين البربري”، ويصنف ضمن فصيلة نبتة الصبار وتنقسم إلى صنفين الشوكي والأملس ويبلغ ارتفاع شجرة “الهندي” حوالي مترين وتزيد أحيانا، وهو “زراعة بعلية” (أحد أنواع الزراعة التي تعتمد على مياه الأمطار لتزويد المحاصيل باحتياجاتها المائية)، تتميز بقدرتها على تحمل الجفاف.

وتزهر الضلفة (أوراق التين الشوكي) في نهاية الربيع لتثمر ما يعرف محليا بـ”كرد الهندي” (حبة) وينضج مع نهاية شهر يوليو وتغرق به الأسواق في شهر أغسطس والنصف الأول من شهر سبتمبر.

وتنتشر على طول طرقات محافظة القصرين، غربي تونس، في هذا الفصل من كل عام صناديق التين الشوكي لتباع للمارة ويلقى رواجا كبيرا وإقبالا، فيما تجوب شاحنات محملة به مدن البلاد وخاصة الساحلية منها وهي تعرض بضاعتها.

أما في الجنوب فلا يحتاج التونسيون إلى شراء “الهندي”، فهم يقطفونه بمفردهم، حيث تتواجد نبتة الصبار في أغلب المنازل التي تحتوي عادة على حدائق كبيرة تكون فيها أشجار الهندي الحد الفاصل بين المنزل والآخر وغالبا ما ينظر إليه سكان الجنوب كمادة علفية يستخدمونها لإطعام الحيوانات.

يُعرف "هندي" القصرين بمذاقه المميز وجودته

وعند الصباح الباكر حينما يكون الجو هادئا تبدأ عمليات قطف “الهندي” من “الضلف” باعتماد ما يسمى “الكماشة” (عود طويل يتفرع إلى ثلاثة فروع في نهايته ليقطف الثمرة) وهي تختلف من شخص إلى آخر وغالبا ما تكون من أغصان شجرة الدفلى وأحيانا تصنع من الحديد.

وبعد القطف يوضع “الهندي” على الأرض ويتم مسحه للتخفيف من الشعيرات الشوكية العالقة بالثمرة ويفرش الصندوق ببعض النباتات لحماية الثمرة وينقل للبيع إما على قارعة الطريق أو في بعض المدن القريبة من مناطق إنتاجه.

وتعمل النسوة والأطفال في غالب الأحيان في جنيه وبيعه مثل ما هو حال بائعي الهندي حول السوق المركزي بمدينة القصرين.

محمد الحكيري مهندس باتحاد الفلاحين قال إن “مساحة الأراضي المغروسة هندي بمحافظة القصرين تبلغ 90 ألف هكتار ويتجاوز الإنتاج 15 ألف طن سنويا”.

وحسب قوله فإن ثمرة التين الشوكي المنتجة من القصرين وخاصة من منطقة تالة وزلفان (مناطق بمحافظة القصرين) من أجود الأنواع من حيث المذاق.

وأضاف الحكيري أن “خصوصية جهة تالة وزلفان تتمثل في انتشار الهندي الأملس على خلاف الهندي الشوكي المنتشر بباقي البلاد خاصة أن نوعية التربة والمناخ السائد هناك يساعدان على تجويد النوعية”.

ويتابع: “هناك عمل ينجز من قبل اتحاد الفلاحين وبعض منتجي الهندي للحصول على تسمية مثبتة للأصل لهندي زلفان بخصوصياته المميزة خاصة أنه ثبتت إمكانية استعمالات الهندي في مجال الصناعات الغذائية إضافة إلى تجربة إنتاج الهندي البيولوجي”.

وتجربة الهندي البيولوجي بدأت بانخراط مجموعة من الفلاحين من منطقة فوسانة (معروفة بخصوبة الأراضي ووفرة المياه) في تجربة الهندي البيولوجي لتوفير الهندي لشركة صناعية تقوم بتحويله إلى زيوت نباتية واستخراج عصير الهندي، ومنتجاتها مخصصة كليا للتصدير.

يتجاوز إنتاج الهندي في محافظة القصرين 15 ألف طن سنويا

و”الهندي” المنتشر بجهة القصرين وتحتل به المرتبة الأولى محليا في الإنتاج، بدأ ينتشر في مناطق أخرى كزراعة متطورة تعتمد تقنيات عصرية خاصة في جهة الشمال الشرقي للبلاد حيث تمت زراعة الهندي الأملس وتطبيق عملية “الخصي”، وهي عملية إزالة الثمرة التي تخرج في أول الفصل لتنبت مكانها أخرى في وقت لاحق وتتأخر عملية الإزهار مما يجعل ثمار الهندي تنضج في آخر فصل الخريف على غير العادة، فيرتفع سعره ويسمى “الهندي الخرفي” (أي الخريفي).

هذه العملية التي تتطلب وفرة المياه بدت صعبة في جهة القصرين إذ لم تنجح التجربة في بدايتها نظرا لقلة المياه، بحسب المهندس محمد الحكيري.

ويأمل الحكيري أن “ينجح اتحاد الفلاحين في إنشاء مجمع لمنتجي الهندي والقيام بدورات تدريبية بكيفية العناية بالهندي كشجرة تثمر غلالا وتوفر موارد مالية هامة وإحياء أساليب تقليدية في شكل عصري تتعلق خاصة بإنتاج شريحة الهندي والرُّب”.

وشريحة الهندي، تتعلق بتقشير الثمرة ووضعها تحت الشمس حتى تجف والاحتفاظ بها للاستهلاك شتاء، أما الرُّب والتي يبدو أن الكلمة مشتقة من كلمة “المربي” في الشرق أي “المعجون” في تونس، وهي عملية طبخ الهندي في الماء ثم تتم عملية العجن وتصفيته بشكل يسمح بمرور عصير الهندي ويكون شديد التركيز ويستهلك شتاء وقد انقطعت عملية إعداده نهائيا.

وتذكر بعض المصادر أن التين الشوكي شجرة جلبها مكتشفو القارة الأميركية معهم من المكسيك ودخلت منطقة حوض البحر المتوسط خلال القرن 16 ميلاديا، ويقول مؤرخون إن ثمار التين الشوكي المسماة في تونس بالهندي تم استعمالها كغذاء في ثلاثينات القرن الماضي لمواجهة مجاعات ضربت الوسط التونسي.

لكن النبتة التي أصبحت مادة للصناعة وتوصف عادة بـ”سلطان الغلة” لا يزال ينظر إليها على أنها “مادة علفية” (لإطعام الحيوانات) حيث يعتقد الناس أنه تمت غراستها في البداية لهذا السبب وإلى الآن تتجاهل المؤسسات المعنية بالإحصاء والتصنيف إدراجها ضمن الغلال المنتجة بالبلاد.

20