سلطة الأسرة على الفتاة تحرمها من الحق في الزواج

إلغاء ولاية الزواج يبعد شبح العنوسة عن الكثير من النساء.
الاثنين 2021/09/20
حق مشروط للمرأة السعودية

تمارس عائلات عربية سلطة مطلقة على بناتها حتى أنها تمنعهن من اختيار شريك الحياة وتحرمهن من مجرّد إبداء رأيهن أو رغبتهن في الزواج، وتقف هذه العائلات بحجة العادات والتقاليد والدين عائقا أمام حق الفتيات في اختيار شريك الحياة، فتضطر بعضهن إلى اللجوء إلى القضاء عله يفصل في هذه الخلافات.

الرياض - تشكو المرأة في الدول العربية من ضغوط أسرية تختلف من بلد لآخر تمنعها من حرية اختيار شريك الحياة وتدفعها أحيانا نحو العنوسة اللاإرادية، حيث تكبلها الأعراف الذكورية التي تمنعها من الارتباط برجل لا يوافق عليه ولي أمرها سواء كان أبا أو أخا أو حتى واحدا من رجال العائلة الموسّعة.

وتعد قضايا العضل إحدى المشكلات التي لا تزال تواجه النساء خاصة في السعودية ودول الخليج، رغم إنصاف القانون للنساء في مثل هذه الحالات.

ويطلق مصطلح “العضل” على الحالات القانونية التي ترغب فيها النساء الزواج من رجال يرفضهم أولياء أمورهن عادة لأسباب مالية أو قبلية.

ومؤخرا أثار انتصار القضاء لسيدة أربعينية بنزع ولاية أسرتها في تزويجها، وإثبات حالة عضل بسبب عدم تكافؤ النسب، جدلا واسعا حول سلطة الأسرة على الفتيات التي تحرمهن في أحيان كثيرة من الزواج طوال حياتهن.

وللحصول على حقها في اختيار الزوج المناسب، لجأت سيدة أعمال سعودية إلى محكمة للأحوال الشخصية في إحدى المحافظات السعودية لنزع ولاية الأسرة في تزويج ابنتها الأربعينية والسماح بعقد قرانها على مقيم أجنبي، ونقل الولاية في الصداق إلى المحكمة الشرعية بعد أن كانت وفقا للقانون المبني على أحكام الشرع الإسلامي بيد الأب.

وأثبتت المحكمة الضرر الواقع على الفتاة التي تقدمت بدعوى أمام المحكمة أفادت فيها أن أفراد أسرتها يعضلونها ويمنعون تزويجها بمن ترغب.

إقبال درندري: اشتراط موافقة الولي يجعل سلب حقوق المرأة سهلا

وقالت في إفادتها أمام المحكمة إن أهلها رفضوا تزويجها من ثمانية عرسان تقدموا لخطبتها على مدى عامين آخرهم مقيم أجنبي يعمل في وظيفة جيدة ترغب في الارتباط به، وشددت على أنها تريد الزواج خوفا من فوات فرصة إنجاب الأبناء وبناء أسرة.

واتهمت السيدة الأربعينية عائلتها بإلحاق الضرر بها حاليا ومستقبلا، وأضافت أنها التمست النظر في حالتها ورفع الضرر عنها بناء على القاعدة الفقهية “لا ضرر ولا ضرار”، وطلبت نقل ولاية الزواج إلى الحاكم الشرعي.

وعرضت المحكمة الدعوى على أفراد الأسرة ليصادقوا على أقوال ابنتهم لكنهم اتهموها بالعقوق وعدم التواصل بسبب خلافات مالية في شراكات مالية وأعمال تجارية وإرث قديم، وتمسكت الأسرة برفضها تزويج ابنتها من الخاطب الأجنبي وبررت رفضها بعدم تكافؤ النسب.

وتعرّضت المدعية إلى اتهامات بأنها قاطعة لصلة الرحم وطالبت العائلة برد دعواها لعدم موافقة الأسرة على الزواج. لكن المحكمة وبعد الاستماع إلى كافة الأطراف وفشل كل محاولات الصلح بين الطرفين، أثبتت رفض العائلة تزويج ابنتها لفترة طويلة طبقا للإقرارات وحكمت بانتقال ولاية التزویج من الأسرة وجعلتها للحاكم الشرعي حسب الاختصاص النوعي والمكاني.

وأفهمت المحكمة سيدة الأعمال المعضولة بضرورة تقيدها بلائحة زواج السعوديين من غير سعوديات وزواج السعوديات من غير سعودي الصادرة من الجهات المختصة.

وأثار هذا الموضوع جدلاً واسعاً بين السعوديين، حيث تصدّر هاشتاغ #تزويج_المرأة_نفسها مواقع التواصل الاجتماعي، ورفض طيف واسع من السعوديين قرار المحكمة معتبرا أن شرط موافقة الأهل لا يمكن المساومة عليه، ويعتبر شرطا أساسيا لصحة عقد الزواج في الإسلام، في حين رحّب المناصرون لحقوق المرأة بهذه الخطوة الأولى نحو منح النساء مزيدا من الحريات وانتصارا لحق الكثير منهن اللواتي حرمن من الحق في الزواج بسبب هذا الشرط.

الموظفات برواتب عالية وسيّدات الأعمال يعانين العضل من آبائهن أو أولياء أمورهن طمعا في رواتبهن وثرواتهن

وقٌوبلت هذه الحادثة بتحرّك رسمي، حيث طالبت عضو لجنة حقوق الإنسان والهيئات الرقابية في مجلس الشورى إقبال درندري بأن يُسمح للمرأة بتزويج نفسها بعد سن 24 عاماً دون اشتراط موافقة الولي على عقد الزواج.

وطالبت درندري السلطات بالأخذ في الاعتبار الآراء الفقهية وتجارب الدول العربية التي أتاحت للمرأة الحرية في الزواج.

ودعت الجهات المعنية لإعادة النظر في هذا الشرط، وأن يحدد عمر لا تحتاج معه المرأة لإذن الولي في إتمام عقد الزواج “لأن اشتراط موافقة الولي على عقد زواج المرأة، مهما كان عمرها دون تقييد، يجعل العضل وسلب الحقوق الأساسية للمرأة سهلاً”.

ورأت درندري أن عمر 25 عاماً هو السن المناسب، كون الشخص ينضج فيه تماماً “حسبما أوضحت الأبحاث الحديثة، ويكمل فيه الفرد تعليمه الأساسي والجامعي، ويبدأ حياته العملية”.

ودعمت درندري وجهة نظرها بأن هناك عدة دول مسلمة منحت المرأة الراشدة إمكانية تزويج نفسها، مشيرةً إلى أن الموضوع فيه سِعة واختلاف بين المذاهب و”الأصل في الشريعة أن لكل إنسان بالغ عاقل راشد أن يستقل في التصرف بجميع شؤونه”، مؤكدةً أن “المرأة في الشريعة كاملة الأهلية، ويمكنها التصرف في كل شؤونها، ومنها إبرام العقود المهمة مثل العقود المالية، والزواج يعتبر عقداً، فمن باب أولى أن تعقده المرأة بنفسها”.

ولم يلغ مقترح النائبة شرط موافقة الولي على عقد زواج القاصر حيث اعتبرته أمرا مبررا لأن الفتاة لم تصل بعد لسن النضج، وبالتالي يمكن لولي أمرها أن يختار اختيارا سليما لابنته، لكنها شددت على أن “استمرار ذلك الشرط بعد تجاوز الفتاة سن الرشد والنضج، وتطبيقه على جميع النساء دون تمييز، وحتى على المطلقة أو الكبيرة في السن التي لديها تجرِبة تؤهلها لمعرفة مصلحتها واختيار الأنسب لها، يحول الموضوع إلى وصاية على المرأة، تجعلها في منزلة الإنسان المجنون والطفل القاصر في نظر المجتمع”.

وتساءلت درندري في تغريدة على موقع تويتر، لماذا لا تُشترط موافقة شخص آخر على عقد #زواج #الرجل العاقل الذي بلغ سن الزواج شرعًا وقانوناً بينما تلزم #المرأة بذلك مهما كان عمرها وتعليمها ومكانتها، وكأن صفة “قاصر” لا تفارقها مع أن عددا من الفقهاء أجاز أن تعقد زواجها مباشرة بالمحكمة مثل الرجل؟

وعلّقت الصحافية المقيمة في الرياض ريما العلي قائلة “من المفترض إذا تجاوزت المرأة 22 سنة يجوز لها تزويج نفسها بدون الرجوع إلى ولي أمر لأنها تعتبر بالغة وراشدة”.

وتابعت “بعض البنات يتزوجن وهن في العشرين ويكنّ قادرات على إدارة حياة أسرة وأطفال فما بالك بحياتها الشخصية!”.

ورغم أن الكثير من مستخدمي وسائل التواصل قد رحبوا بفكرة تزويج المرأة لنفسها دون موافقة ولي أمرها، اتهم آخرون من يدعمون هذه الخطوة بمحاولة إفساد المجتمع المحافظ وكسر الثوابت الدينية.

وفي حين أن المملكة تشهد إصلاحات اجتماعية واسعة النطاق يقودها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لوضع حدّ أمام أشكال التمييز ضد المرأة وفسح المجال أمام تمكينها من حقوقها الشرعية والقانونية، لا تزال مسألة الزواج تعتمد على الموروث من العادات والقوانين.

وحسب أرقام الهيئة العامة للإحصاء (حكومية)، تبلغ نسبة الإناث السعوديات من إجمالي السكان 49.01 في المئة، وتقدّر نسبة العنوسة بينهن حوالي 10.07 في المئة، فبين كل 10 من الإناث السعوديات اللاتي بلغن 15 سنة وأكثر هناك واحدة يمكن أن توصف بأنها بلغت سن العنوسة.

ويؤكد حقوقيون أن الملفات القضائية توضح أن الموظفات برواتب عالية وسيّدات الأعمال يعانين العضل من آبائهن أو أولياء أمورهن طمعا في رواتبهن، في حين يتشدد بعض أولياء الأمور في فرض مهور عالية وشروط منفرة للعرسان، ما يرفع من نسب النساء غير المتزوجات في المملكة ويقف عائقا أمام حقهن في الزواج.

21