سلطة الأمر الواقع في الجزائر تضيق الخناق على الحريات

المعارضة تندد بحملة القمع الموجهة ضدها وتعتبر أن ذلك ينم عن تمسك السلطة بممارسات نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.
الأحد 2019/07/14
عودة الممارسات القمعية

الجزائر – طرح منع قوات الأمن لندوة سياسية في إحدى مدن الشرق الجزائري للمعارض السياسي ورئيس حزب “جيل جديد” جيلالي سفيان، مسألة تراجع مساحة الحريات السياسية خلال الأسابيع الأخيرة في البلاد، رغم الزخم الذي فرضه الحراك الشعبي الذي دخل أسبوعه الواحد والعشرين، وأعطى مؤشرا سلبيا عن تمسك السلطة الحالية بممارسات النظام السابق.

وندد حزب “جيل جديد” المعارض، بمنع قوات الأمن لندوته السياسية التي كانت مبرمجة في مدينة أم البواقي بشرق البلاد، بدعوة من جمعية محلية، واعتبر القرار سلوكا قمعيا وتضييقا على المعارضة، ينم عن تمسك سلطة الأمر الواقع بممارسات نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة.

وجاءت الخطوة في سياق حملة توقيفات واسعة للناشطين السياسيين والمعارضين، وفي ظل تحذيرات شديدة اللهجة توعد بها الرجل القوي في المؤسسة العسكرية الجنرال أحمد قايد صالح، ضد من أسماهم بـ”الخونة” و”العملاء”، في إشارة إلى الناشطين المطالبين بتنحيته من قيادة المؤسسة، والمتعاطفين مع أنصار الهوية الأمازيغية.

وانضافت إلى ممارسات مشابهة طالت قادة سياسيين وشخصيات مستقلة، حيث سبق لنفس الجهات أن منعت رئيس الحكومة السابق أحمد بن بيتور، من إلقاء محاضرة في مدينة المسيلة الداخلية، مما يوحي بأن السلطة لا تزال غير مستعدة لفتح الفضاء السياسي والإعلامي أمام المعارضين.

وإذ ارتبط سجن زعيمة حزب العمال، بما أسمته قيادة الجيش بـ”مؤامرة كانت تستهدفها وتستهدف الدولة”، واتهمتها بالمشاركة في اتصالات ومشاورات مع رموز من وصفتهم بـ”العصابة الحاكمة”، في إشارة إلى أذرع النظام البوتفليقي، فإن سجن عضو جيش التحرير الوطني (1954- 1962) الرائد لخضر بورقعة، أثار استياء وغضب الشارع، وتحول إطلاق سراحه إلى مطلب أساسي للحراك الشعبي.

وكانت جهات حقوقية، قد أعلنت عن توقيف وسجن أكثر من ستين شابا، على خلفية مشاركتهم في المسيرات الاحتجاجية بالرايات الأمازيغية، كما لا يستبعد أن تطول الحملة المفتوحة ناشطين آخرين تنفيذا للتحذيرات التي أطلقها الجنرال قايد صالح.

ورغم حالة التفاؤل التي خلفها تنحي الرئيس السابق عن منصبه، وسجن مسؤولين وضباط عسكريين ورجال أعمال مقربين منه، فإن الحالة كانت جد عابرة، قياسا بعودة نفس الممارسات القمعية والتضييق على الحريات، لاسيما مع تحول الساحة الإعلامية المحلية إلى أبواق دعائية لتصورات سلطة الأمر الواقع، وإقصاء الرأي المخالف.

وضع الوصاية الأمنية للجريمة الإلكترونية تحت سلطة وزير الدفاع أثار مخاوف الرأي العام المحلي، من عسكرة الرقابة على الشبكة العنكبوتية

واستغرب ملاحظون أن تبث وسائل الإعلام المحلية مضامين مختلفة ومتنوعة، في نفس التوقيت الذي تشتعل فيه العاصمة ومختلف مدن ومحافظات الجمهوريات غضبا شعبيا، خلال المسيرات الأسبوعية التي دخلت شهرها السادس، وهو السلوك المشابه لما كانت تقوم به أثناء الأيام الأولى للحراك الشعبي، لما كان نظام بوتفليقة جاثما في مواقعه.

ورغم فتح مديرية الأمن لتحقيقات داخلية في بعض الممارسات التي قامت بها عناصر أمنية تجاه المتظاهرين، خاصة في ما تعلق بالتسجيل الذي أظهر اعتداء عنيفا لأفراد من الشرطة على بعض المتظاهرين بالعاصمة خلال الأسبوع الماضي، إلا أن التدابير المشددة توحي بأن السلطة ماضية في أساليب قمعية لا تختلف عن ممارسات النظام السابق.

ولا يزال حظر حركة القطارات والميترو، وتكثيف الحواجز الأمنية وغلق المداخل المؤدية إلى العاصمة، والحضور الكثيف لعناصر الأمن والعربات والآليات في الساحات والشوارع الكبرى، السمة الغالبة على الإجراءات الاستثنائية المطبقة منذ أشهر، لخنق زخم الحراك الشعبي. 

وأثار وضع الوصاية الأمنية للجريمة الإلكترونية تحت سلطة وزير الدفاع الوطني أو ممثله، مخاوف لدى الرأي العام المحلي، من عسكرة الرقابة على مضامين الشبكة العنكبوتية وشبكات التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى إعلام بديل حقيقي، في ظل النكوص الخطير للإعلام الكلاسيكي عن قيامه بواجبه في تقديم الخدمة العمومية.

وهو الأمر الذي أعقبه مرسوم رئاسي ورد في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، يتضمن هيكلة جديدة للشرطة القضائية التابعة للأمن العسكري والاستخبارات، العائدة هي الأخرى لوصاية قيادة الأركان بعد سقوط وسجن المنسق السابق لجهاز الاستعلامات الجنرال عثمان طرطاق (بشير).

ومع ذلك ثمن العقيد المتقاعد عبدالحميد العربي شريف، قرار استحداث مصلحة مركزية للشرطة القضائية لأمن الجيش، والتي حددت مهامها وتنظيمها في التكفل بالبحث والمعاينة في الجرائم التي هي من اختصاص القضاء العسكري والجرائم التي تمس بأمن الدولة.

وأدرجها العقيد في ما أسماه بـ”الأمن القومي” باعتباره التحدي الأكبر الذي تواجهه البلاد في الظرف الراهن، لاسيما في ما يتعلق بمحاربة الفساد والإرهاب والجريمة المنظمة، وهو ما يعطي الانطباع، حسب  المتحدث، بأن المسألة لا ترتبط بالوضع السياسي الداخلي وحركة الشارع، رغم أن السيناريو يعيد إلى الأذهان ممارسات جهاز الاستخبارات السابق.

وذكر العربي شريف في تصريح صحافي، بأنه ” كان يجب تعزيز الضبطية العسكرية بهذه المصلحة، لأن ضبطية الدرك عقب فتحها لملفات الفساد وجدت نفسها أمام قضايا وملفات خطيرة، فإعادة بعث مصلحة مركزية للجيش لمتابعة جرائم تتعلق بأمن الدولة تدخل في إطار منظور التحضير لبناء دولة جديدة”.

وشدد المتحدث على أن “الجهاز الجديد لا علاقة له بمفهوم الدولة البوليسية السياسية كما كان في القرن الماضي بل بمنظورها الاستخباراتي”. وشرح بقوله “لما قررت القيادة بعث مصلحة مركزية للشرطة القضائية لأمن الجيش كانت هناك إصلاحات سبقت هذه النقطة، وباستعادة بعض هياكلها انتقلت إلى مشروع حماية الجيش والأفراد والمعنويات، واليوم في إطار هذا المشروع وجب أن تكون هناك مديرية تشرف على العمل الوقائي لتجنيب وحداتنا الضرر، وتجنب ضرب الجيش واستهدافه”.

2