سلطنة عمان تودع دور الوسيط أمام حتمية مراجعة خياراتها الإقليمية

لا مفر من تقديم تنازلات في علاقات مسقط بطهران إزاء الضغط الأميركي، وعلى مسقط أخذ مصالح القوى الإقليمية في الحسبان.
الاثنين 2018/09/03
هامش مناورة محدود أمام مسقط

لندن – تقف سلطنة عمان على حافة احتمال تحوّل استراتيجي غير مسبوق في علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول محورية أخرى في المنطقة في ظل توجّه إدارة أميركية هي الأكثر تشدّدا إزاء إيران، سيحدد مستقبل سياسة “الحياد” التي تنتهجها، وديناميكية “استقلال” القرار الاستراتيجي التي طبعت سياسة السلطنة على مدى عقود، بالإضافة إلى خياراتها الإقليمية، خصوصا داخل مجلس التعاون الخليجي.

ووضعت الاستراتيجية، التي أعلن عنها وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو في مايو الماضي تجاه إيران، سلطنة عمان أمام لحظة تقييم خياراتها، إذ بات ملحّا إعادة النظر في تمسكها بـ“حياد سلبي” تجاه مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، في ظل احتمالات انتقال السلطة في السلطنة، وتضييق السعودية والإمارات الخناق على الحوثيين في اليمن، ومحاولات الولايات المتحدة تجفيف صادرات إيران من النفط، وخنق فرصها التجارية والاستثمارية مع العالم الخارجي.

انتهاء دور الوسيط

انتهجت سلطنة عمان تاريخيا دورا يقوم بالأساس على منح أذن للجميع، والكلام مع الجميع. وتسبب هذا الدور أحيانا في التأثير بشكل سلبي على مصالح دول أخرى حليفة لمسقط في المنطقة. ولم تأخذ سلطنة عمان، في مناسبات عدة، مصالح هذه الدول في الحسبان، في سبيل الحفاظ على خط استراتيجي ثابت، منذ تولّي السلطان قابوس بن سعيد الحكم عام 1970.

واعتمدت سلطنة عمان في تبنّي هذا النهج على تحالفها مع الولايات المتحدة. ويقوم هذا التحالف، وفقا للفلسفة العمانية، على استغلال الكنز الاستراتيجي الذي تتمتع به السلطنة في إقناع واشنطن بقيمتها كطرف فاعل من مصلحة الأميركيين الإبقاء على علاقاتهم القوية معه. ويتمثل هذا “الكنز الاستراتيجي”، كما يعتقد مفكرون عمانيون، في قدرة السلطنة الفريدة على “التواصل مع كل الأطراف، في ما يتعلق بكل القضايا، وفي كل الأوقات”.

وصنع هذا الوضع النادر من سلطنة عمان وسيطا تلجأ إليه القوى الكبرى في الأزمات، خصوصا المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج بشكل عام. لكن يبدو أن هذا الوضع، الذي ظل مستقرا منذ وصول السلطان قابوس للحكم، على وشك أن يتغيّر.

 

لطالما انتهجت سلطنة عمان دبلوماسية الوساطة واختارت حيادا سلبيّا لحل النزاعات بالشرق الأوسط تجلّى بصفة خاصة في طريقة تعاملها مع التهديدات الإيرانية للأمن القومي لدول الخليج والمنطقة العربية، لكن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتشددة حيال طهران وغير المسبوقة يحتّم على مسقط إعادة النظر في خيارتها الإقليمية، إذ لم تعد واشنطن بحاجة إلى وساطة عمانية في الخفاء، كما أن قنوات الاتصال تغيّرت وباتت الدول الأوروبية وسيطا رئيسيّا بين واشنطن وطهران.

وقال دبلوماسي غربي، رفض الكشف عن هويته، لـ“العرب” إن “الإدارة الأميركية الحالية مصابة بعمى الألوان في ما يتعلق بإيران، فهي لا ترى غير لونين: الأسود والأبيض، أما العصر الرمادي في التعاطي الأميركي مع طهران فقد انتهى. العمانيون باتوا على وشك أن يدركوا ذلك”.

ويعني هذا أن الولايات المتحدة باتت ترى في وساطة عمان “سلعة منتهية الصلاحية”، إذ لم تعد في حاجة إلى وساطة حقيقية، في ظل تصعيد غير مسبوق في العقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران، والمتعاملين معها، مؤخرا.

وباتت الدول الأوروبية، خصوصا ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، قنوات الاتصال الرئيسية بين واشنطن وطهران، في مرحلة ما بعد إعلان الرئيس الأميركية دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الموقّع مع إيران في صيف 2015. وتقول مصادر إن حوارا صاخبا يجري في الغرف المغلقة بين دبلوماسيين أميركيين وإيرانيين، عبر القنوات الأوروبية، خصوصا في الدول الأطراف في الاتفاق النووي.

وقال الدبلوماسي الغربي لـ“العرب” إن “دعوة الرئيس الأميركي القادة الإيرانيين للحوار في يوليو الماضي أوضحت أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة لوسطاء يعملون في الخفاء، خصوصا بعد أن أصبحت محرّكات الأزمة علنية”.

وأثار غياب رد الفعل العماني على الاستراتيجية الأميركية إزاء إيران دهشة مسؤولين أميركيين. وبدأ كثيرون في واشنطن يطرحون شكوكا حول إمكانية أن يحول تمسكها بروابط اقتصادية كبيرة مع إيران سلطنة عمان إلى مخرج مجاني لإيران، يوازي في أهميته النافذة العراقية. وقد يتسبب ذلك في التخفيف من أثر العقوبات على النظام الإيراني.

خيارات خليجية

 تثير علاقة سلطنة عمان بالحوثيين في اليمن قلقا في دول التحالف العربي، الداعمة لحكومة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي. وظل مطلب إغلاق طرق التهريب على الأراضي العمانية، التي تستفيد منها الميليشيات على الطاولة في الحوارات الداخلية بين دول مجلس التعاون الخليجي.

وكان الموقف العماني من المقاطعة الرباعية، التي فرضتها السعودية والإمارات ومصر والبحرين على قطر في يونيو 2017، ملتبسا. وقال تقرير نشرته وكالة “ستراتفور” للخدمات الاستخباراتية الخاصة إن على عكس توجه الدولتين الأكبر في الخليج، عززت سلطنة عمان علاقاتها مع الدوحة بعد المقاطعة.

وشكّل ذلك هاجسا كبيرا في واشنطن. وبُني هذا الهاجس بشكل رئيسي على سلوك الدوحة المضاد للمقاطعة، الذي اعتمد، إلى جانب توطيد التحالف مع تركيا، على بناء روابط جديد وغير مسبوقة مع إيران.

وأثارت هذه الخطوات مخاوف مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية من أن تشكّل إيران محورا، مع قطر وسلطنة عمان، يهدد مصالح الولايات المتحدة، ولو بشكل غير مباشر.

ورغم ذلك، مازال الاقتصاد العماني يعتمد بشكل رئيسي على السعودية والإمارات العربية المتحدة. فالإمارات، على سبيل المثال، هي أكبر شريك تجاري لسلطنة عمان، كما يعمل عدد كبير من المواطنين العمانيين في شركات القطاع الخاص والعام الإماراتي على حد سواء. وتحظى الشاحنات القادمة من سلطنة عمان بتسهيلات على الحدود مع الإمارات، كما تتمتع الشركات والمؤسسات والمستثمرون العمانيون بمعاملة مميزة على الأراضي الإماراتية.

دعوة ترامب القادة الإيرانيين إلى الحوار في يوليو الماضي أوضحت أن واشنطن لم تعد بحاجة لوسطاء يعملون في الخفاء
 

وإلى جانب مساعدة السلطنة على تأسيس صندوقها السيادي، استثمرت السعودية 210 مليون دولار في ميناء الدقم الاستراتيجي العماني، كما استثمرت الإمارات في ميناءي صحار وصلالة. ولم تتأثر هذه الاستثمارات، إلى الآن، بالتباينات السياسية التي تحكم مواقف الأطراف الثلاثة في ما يتعلق بقضايا حساسة بالنسبة لأمنهم.

وأوصلت التطورات الإقليمية المتسارعة العلاقات العمانية الأميركية إلى “لحظة الحقيقة”. ويدرك المسؤولون العمانيون أن الأميركيين، على ما يبدو، ليسوا مستعدين لتقديم تنازلات في ما يتعلق بإيران هذه المرة.

ويضع هذا الواقع سلطنة عمان أمام خيارات محدودة، ويقلص قدرة السلطنة الكبيرة على المناورة. ويقول محللون إنه من المرجح أن تتحرك مسقط إزاء مسألة طرق تهريب الأسلحة للحوثيين في اليمن، إلى جانب لجوئها إلى اتخاذ خطوات سريعة وعملية لتقليص العمليات التجارية المتنامية عبر موانئها مع إيران.

وقال الدبلوماسي الغربي لـ”العرب” إنه “إذا وجدت سلطنة عمان استعدادا، خصوصا من قبل السعودية والإمارات، لتعويض الخسائر الاقتصادية المباشرة التي قد تنجم عن تقييد علاقاتها التجارية مع إيران، فلن تتردد في غلق النافذة في وجه طهران، وربما لن تجد مفرّا من فعل ذلك”.

ولن تقتصر عملية التعويض على دول مجلس التعاون فقط، إذ لطالما حافظ السلطان قابوس على علاقات وثيقة جمعته بزعماء ورؤساء حكومات في دول كبرى، خصوصا من الناحية الاقتصادية، كالهند والصين. ويدرك المسؤولون الأميركيون أبعاد هذه العلاقة، ومن المرجح أن يوظفوها ضد الاستراتيجية العمانية، عبر إثبات أن البدائل أمام سلطنة عمان متاحة لتعويض أي خسائر محتملة من تقويض العلاقات التجارية مع إيران.

لكن من غير المتوقع أن يشهد الخط العماني تحولا جذريا بعيدا عن “الحيادية” المعهودة في السياسة الخارجية العمانية، لكن قد تقتصر الخطوات العمانية على وضع “سياسة أزمة” تتطلب تقديم تنازلات من أجل عبور عاصفة الضغوط الأميركية والإقليمية. وقال الدبلوماسي الغربي “حلفاء عمان، ومنهم الولايات المتحدة، لا يريدون أكثر من تحوّل عمان من الحياد السلبي إلى الحياد الإيجابي، وهو ما يتضمن مراعاة مصالح الحلفاء الإقليميين أيضا، في زمن المواجهة المباشرة مع إيران”.

7