سلطنة عُمان تبدأ رحلة التأقلم مع أسعار النفط المنخفضة

تسارعت وتيرة الخطط الحكومية في سلطنة عُمان لزيادة الاستثمار في البنية التحتية والصناعة، في ظل تراجع العوائد النفطية، وقد أعلن هذا الأسبوع عن مشروعات استراتيجية رئيسية مثل توسيع مشروع ميناء ومنطقة الدقم الاقتصادية من أجل تنويع مواردها الاقتصادية.
الجمعة 2016/04/22
آفاق استثمارية عالية

مسقط- أعلنت الحكومة العُمانية عن خطط لزيادة استثماراتها في منطقة صناعية ضخمة تقع في مدينة الدقم وسط البلاد، وذلك ضمن رؤية جديدة تعكس سياسة البلاد لتنويع مصادر الدخل مثل سائر دول الخليج.

ويعتبر هذا المشروع الاقتصادي الأكبر في تاريخ عمان ويأتي في إطار الجهود الرامية لخفض اعتماد البلاد على عوائد صادرات النفط والغاز وتنويع مواردها لتشمل صناعات أخرى قبل نفاد الاحتياطيات النفطية.

وكانت الحكومة قد أعلنت في يناير الماضي عن خطة مدتها خمس سنوات لخفض اعتماد اقتصادها على صناعة النفط بمقدار النصف حيث يضغط هبوط أسعار الخام على المالية العامة للبلاد.

وتظهر الخطة 2016-2020 التي جاء ذكرها في بيان للمجلس الأعلى للتخطيط أن ما يزيد عن 500 برنامج وسياسة ستسعى كلها إلى تنويع الاقتصاد العماني عبر قطاعات الصناعات التحويلية والتعدين والنقل والسياحة.

وقال المدير المسؤول عن طلبات الاستثمار في الدقم صالح حمود علي الحسني إن “الدقم تعتبر قاطرة الاقتصاد الوطني لعُمان في المستقبل”. مؤكدا أن التنوع الاقتصادي في المنطقة سيجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية خلال السنوات المقبلة.

وأوضح أن المخطط الشامل للدقم يعطي المجال للكثير من المستثمرين للاستثمار في قطاعات مختلفة سواء كانت الصناعية الثقيلة أو المتوسطة أو الخفيفة وفي القطاعات السياحية والسمكية واللوجيستية والتجارية وكذلك في قطاع التطوير العقاري.

منطقة الدقم الصناعية

* ميناء وحوض لإصلاح السفن

* مصفاة للنفط ومجمع للبتروكيماويات

* منطقة حرة للنشاط الصناعي

* منشآت للتخزين والخدمات اللوجستية

وتحوي المنطقة الممتدة على ساحل قاحل يبعد 550 كيلومترا جنوبي العاصمة مسقط على حوض لإصلاح السفن وميناء مجاور لاستقبال سفن بضائع قادمة من مختلف أنحاء العالم سيسهم في تحديد مصير السلطنة في عصر النفط الرخيص.

ويقع الحوض المملوك لشركة عُمان للحوض الجاف الحكومية والذي تُديره شركة “دايو” لبناء السفن والهندسة البحرية الكورية الجنوبية بعيدا عن المناطق الصناعية في شمال البلاد، والذي سيكون في قلب هذه المنطقة الصناعية الجديدة.

وبالإضافة إلى حوض إصلاح السفن والميناء المجاور له ستضمّ منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة مصفاة للنفط ومجمعا للبتروكيماويات وأنشطة تصنيعية ومنشآت للتخزين والخدمات اللوجستية.

كما أنها ستصبح منطقة لتصنيع الأسماك حيث يعدّ المشروع محور صناعة صيد السمك في السلطنة، فضلا عن إقامة منطقة سياحية بهدف جلب العملة الصعبة من السياح الأجانب.

وتنفق الحكومة مليارات الدولارات منذ فترة على تطوير المنطقة المحيطة بقرية الدقم النائية التي يعمل أهلها بالصيد لتصبح منطقة نشاط اقتصادي كبيرة بهدف جذب شركات لتوفير عشرات الآلاف من الوظائف.

ويرى خبراء اقتصاد أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر مالية كثيرة إذ أنها تقوم على الإنفاق بسخاء على البنية التحتية وإطلاق صناعات أساسية بتمويل حكومي، فضلا عن حث القطاع الخاص على المشاركة في ذلك المخطط.

لكن هذا يمثل عنصرا رئيسيا في السياسة الاقتصادية في السلطنة التي يبلغ عدد سكانها 4.4 مليون نسمة باعتبارها لا تملك من موارد الدخل ما يضاهي جيرانها من مصدري النفط مثل السعودية والإمارات.

صالح حمود الحسني: المنطقة الصناعية في الدقم تعتبر قاطرة الاقتصاد العماني في المستقبل

ويقول الحسني إن الدقم اليوم أصبحت على خارطة العالم وكثير من المستثمرين أصبحوا يهتمون بالمنطقة فالموقع الجغرافي سيسمح للكثير من البضائع الدخول إلى السلطنة والخروج إلى مختلف الأسواق العالمية من بينها الأسواق الأوروبية والأسواق الآسيوية. ويعتقد أن الأسواق الأفريقية تعتبر واحدة من الأسواق المهمة في الوقت الحالي مع الظروف الحاليّة التي تمر بها البلاد.

وكانت دول عربية أخرى مصدرة للنفط في منطقة الخليج قد خفضت الإنفاق على البنية التحتية ومشروعات التنمية على مدى عام ونصف مضى، بسبب الضغوط التي فرضها انخفاض أسعار النفط.

وتضررت الأوضاع المالية للسلطنة لكنها لا تملك من رفاهية الوقت ما تملكه دول مجاورة فاحتياطياتها المالية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات لا بالمئات من المليارات. وتقدر شركة بريتيش بتروليوم أن احتياطيات السلطنة النفطية ستدوم 15 عاما فقط بمعدل الإنتاج الحالي.

ولذلك تمضي الحكومة العمانية قدما في الإنفاق بكثافة على تطوير الدقم وبناء مشروعات أخرى أصغر حجما من أجل دفع الاقتصاد بعيدا عن دائرة عوائد النفط الخام. دوتشير أحدث البيانات الرسمية إلى أن إجمالي الإنفاق الاستثماري للدولة ارتفع بنسبة 5.5 بالمئة عما كان في 2014 ليصل إلى 7.3 مليار دولار في الأشهر الأحد عشر الأولى من العام الماضي وذلك رغم أن الموازنة سجلت عجزا بلغ حوالي 14 مليار دولار.

وقبل خمس سنوات كان عدد سكان الدقم يبلغ نحو 3 آلاف نسمة ولم تكن تربطها ببقية العالم أيّ روابط جوية تجارية وكان العمال الوافدون يعيشون في خيام وأكواخ متنقلة أو في باخرة قديمة خرجت من الخدمة وتقف راسية في الميناء.

والآن تتلوى طرق واسعة لا تزال خالية من السيارات عبر الصحراء بينما تمتد خطوط الماء والكهرباء عبر مساحات تمتد على العشرات من الكيلومترات المربعة. وبدأت ترتفع وسط الرمال مجمعات سكنية ومبان تجارية. وافتتح مطار في 2014 لكن مبنى الركاب مازال قيد الإنشاء.

وتعمل الدقم على تسويق موقعها باعتباره مميزا إذ تقع على بحر العرب قرب طرق الملاحة الرئيسية التي تمرّ بالبحر الأحمر إلى آسيا وأفريقيا إذ أنها تقع خارج مضيق هرمز المزدحم بالحركة والمعرّض للتأثر عندما تزيد التوترات الإقليمية.

10