سلطنة عُمان تطلق جهاز استثمار لإدارة الأصول الحكومية

الكيان الجديد يتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية لتسيير كافة استثمارات الدولة.
الجمعة 2020/06/05
الاستثناء الوحيد من عملية الدمج

توج سلطان عمان هيثم بن طارق آل سعيد تحركاته الحثيثة منذ توليه هرم السلطة لإصلاح اقتصاد بلاده المتعثر بإصداره الخميس مرسوما يقضى بإنشاء جهاز الاستثمار العُماني لإدارة جميع صناديق الثروة السيادية وأصول وزارة المالية وفق معايير تضمن مستقبل الأجيال المقبلة.

مسقط - يشكل قرار سلطان عمان هيثم بن طارق آل سعيد بإنشاء كيان يجمع كافة أصول الدولة المشتتة بين عدة صناديق استثمار ووزارة المالية قفزة عملاقة نحو إدارة الاقتصاد على أسس مستدامة لمواجهة التحديات المستقبلية التي فرضتها عدة عوامل متداخلة.

ويؤكد محللون أن هذه الخطوة تشير بوضوح إلى أن إدارة أصول الدولة على النمط القديم لم تعد ذات جدوى خاصة في ظل الظروف التي يعيشها أحد أضعف اقتصادات منطقة الخليج العربي.

وذكر التلفزيون الرسمي نقلا عن مرسوم سلطاني أن “سلطنة عمان أنشأت جهاز الاستثمار العماني لتملك وإدارة معظم صناديق الثروة السيادية وأصول وزارة المالية”.

وسيسمح المرسوم للجهاز الجديد بتملك جميع الأصول العامة للدولة باستثناء شركة تنمية نفط عمان وحصص الحكومة في مؤسسات دولية.

وقال المرسوم إن جهاز الاستثمار العماني سيحل أيضا محل صناديق الثروة السيادية في الوثائق الرسمية للبلاد.

ومن المقرر أن يختار السلطان هيثم أعضاء مجلس إدارة جهاز الاستثمار العماني في وقت لاحق هذا العام ويتمتع المجلس بالاستقلال المالي والإداري، كما أن جميع موظفي صندوقي السلطنة السياديين سيُنقلون إلى الكيان الجديد.

وذكر المرسوم أيضا أنه سيكون نقل المديرية العامة للاستثمارات المالية إلى جهاز الاستثمار العماني وذلك وفقا لما يتم الاتفاق عليه بين وزارة المالية والكيان الجديد.

20 مليار دولار حجم أصول أكبر صندوقين سياديين للدولة عدا أصول وزارة المالية

وسيكون لإقرار إنشاء الجهاز الجديد صدى كبير في أوساط المال والأعمال أيضا كونه يرفع كفاءة المنتجات والمشاريع سواء كانت الخدمية والتجارية والصناعية وكل ما من شأنه تحقيق عوائد في هذا القطاع.

ويرى خبراء في الشأن العماني أن الأزمة المالية المصاحبة لتداعيات تراجع أسعار النفط وانتشار وباء كورونا توفر لسلطان عمان فرصة كبيرة لإجراء إصلاحات اقتصادية طال انتظارها.

وأشاروا إلى أن السلطان هيثم الذي يتمتع بخبرة إدارية واقتصادية ينظر إلى الأزمة الراهنة على أنها خلفية كافية لإعادة مسار الاقتصاد العماني بعيدا عن أي ترهل إداري ومالي أشار إليه في أول خطاباته الموجهة للعمانيين بعد توليه الحكم خلفا لابن عمه السلطان قابوس.

واستغل السلطان هيثم الصدمات المزدوجة للوباء وانهيار أسعار النفط ليوصل إلى العمانيين رسائله التي يفيد مضمونها بأن وقت التغيير قد حان.

ومن بين الإصلاحات التي يريد القيام بها الإمعان في التقشف بهدف تطويق مخلفات فترة الرخاء وتضخم الإنفاق في القطاع الحكومي. وقدّم مثالا على التضحية عن طريق خفض ميزانية أسرته الخاصة.

ولا تمتلك عُمان احتياطات مالية كبيرة مثل جاراتها الثرية، إذ يقدر إجمالي حجم أصول أكبر صندوقين للثروة السيادية فيها بنحو 20 مليار دولار.

وتظهر بيانات المجموعة البحثية في معهد صندوق الثروة السيادية أن صندوق الاحتياطي العام للدولة، وهو أكبر صندوق سيادي في عمان، لديه أصول بنحو 14 مليار دولار، في حين أن ثاني أكبر صناديق السلطنة، الصندوق العماني للاستثمار، لديه 3.4 مليار دولار.

وتضررت عمان، وهي منتج صغير للنفط بالنسبة لجيرانها الخليجيين، بشدة من جائحة فايروس كورونا وانخفاض أسعار النفط، جعلها تضطر إلى اتخاذ عدة إجراءات موجعة لم يعتد عليها العمانيون.

تنظيم لدواليب الاقتصاد
تنظيم لدواليب الاقتصاد

وهناك شواهد تؤكد أن الحكومة قد تتجه للسحب من أصول الاحتياطات النقدية الأجنبية، التي بلغت بنهاية العام الماضي، نحو 17.2 مليار دولار، في حال استمرت أزمة الوباء قائمة لعدة أشهر.

وجرى تداول العقود الآجلة لخام برنت عند نحو 39 دولارا للبرميل الخميس، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن عمان ستحتاج سعرا للنفط عند 86.8 دولار للبرميل لتحقيق التوازن هذا العام في موازنتها العامة.

وقال معهد التمويل الدولي في تقرير نشره في وقت سابق هذا الأسبوع إن عُمان تبدو وكأنها “نقطة ضعيفة على نحو متزايد بالمنطقة في ضوء تنامي ديونها”.

وأوضح أن السلطنة قد تشهد انكماشا اقتصاديا بنسبة 5.3 في المئة هذا العام، بينما قد يرتفع عجزها إلى نحو 16.1 في المئة من 9.4 في المئة بنهاية العام الماضي.

وتعطي الضغوط المالية التي يعاني منها الاقتصاد العماني بسبب الوباء لمحة عن السيناريوهات المحتملة أمام الحكومة لترتيب الأولويات.

وتتمثل تلك السيناريوهات في اعتماد الآليات المناسبة للمواءمة بين أهداف موازنة 2020 وتحديات الوضع الراهن مع إبقاء الباب مواربا أمام إمكانية اللجوء للاقتراض من الأسواق الدولية مع توفير الدعم للقطاعات المتضررة.

وتشير مؤسسات مالية دولية إلى وجود ضغوط كبيرة ومتواصلة على الموازنة بسبب الإسراف في توظيف المواطنين وقلة الخطط التي تبحث عن موارد جديدة من خلال تعزيز مشاريع التنمية البطيئة.

واتضح ذلك في قرار إرجاء تطبيق ضريبة القيمة المضافة إلى أجل غير مسمّى رغم أن اتفاقا خليجيا ينص على تطبيقها بداية من 2018.

وتعد عُمان، المصنفة ديونها عالية المخاطر من وكالات التصنيف الائتماني الرئيسية الثلاث، من أضعف اقتصادات منطقة الخليج الغنية بالنفط، وقد راكمت ديونا في السنوات الأخيرة لتعويض الهبوط في إيرادات النفط.

ورغم احتمال دخول الحكومة في متاهة عدم السداد بفعل انحسار عوائدها المالية، لكن السندات السيادية لا تزال تحظى بإقبال كبير من المستثمرين.

ورجحت وكالة ستاندرد آند بورز تحسن ظروف التمويل بالنسبة لعمان في النصف الثاني من هذا العام، مما يتيح جمع نحو 50 مليار دولار تحتاجها حتى عام 2023، على أن يأتي ثلثا هذا المبلغ تقريبا من إصدار ديون خارجية.

وتتوقع الوكالة أن يأتي 63 في المئة من هذا المبلغ من إصدارات دين خارجي و18.5 في المئة من سحب من أصول محلية وخارجية سائلة و15 في المئة من دين محلي وثلاثة في المئة عن طريق صفقات أخرى.

11