"سلطنة هرمز" رواية الشخصيات الفريدة

الخميس 2016/03/10

"سلطنة هرمز" من الروايات الممتعة جدا للكاتبة الإماراتية ريم الكمالي، ومتعتها متعددة في زوايا الرصد ووجهات النظر وأصوات الشخصيات المتناوبة في سرديات الغزو البرتغالي لهذه السلطنة المجهولة في خرائط الرحالة ومتعقّبي البحار في أسطرلابات البحّارة والمكتشفين.

تكمن متعتها أيضا في تعاضد السرد التاريخي مع اللغة الشعرية المبتكرة من طبيعة هرمز كمكان جبلي يقع على فم البحر، وفي قريتها الساحرة “خصب” وهي قرية مقابلة لباب المضيق الهرمزي خلف جبال رأس الخيمة، والتي دارت الأحداث فيها ومنها وعليها وإليها في دورة سردية غاية في الجمال، لتنتج الرواية شخصيات لا يمكن نسيانها، وبالذات شخصية بدرة التي عاشت التاريخ الجغرافي ومكتشفاته عبر المخطوطات الكثيرة التي تركها لها والدها البحار، ومن ثمّ تقمّصت شخصيته بعد الغزو البرتغالي الدموي لهذه القرية.

بدرة ساحرة المكان وسحره، هي وريثة القرية بكل ما فيها من تجليات أسطورية فخمة، ومعارف متوارثة، وأرستقراطيات محلية مجهولة لدينا، وأطياف قروية جبلية منسية، وعادات استثنائية وتقاليد هرمزية لافتة في هذا المكان الذي أحيته الكاتبة بالاعتماد على ثقافة جغرافية -تاريخية- أسطورية شفّت عن معرفة واسعة، وانصهار تامّ في المكان وتاريخيته، فقدمت واحدة من أجمل روايات التاريخ المحلي لمكان مجهول، واستنطقت عجائبياته بطريقة فنية اعتمدت فيها تعددية الأصوات، وزوايا الرصد المختلفة من عيون شخصيات الرواية القليلة.

لغة الرواية مشتقة من بيئة الرواية؛ فيها الكثير من الشعر والجاذبية والابتكار والتصوير الراقي في نسقية مُحكمة، وهو أمر جعل من السرد أكثر خيالا ورقة في الوصول إلى تكافل فني، أوصل الرواية إلى مشهديات صوتية متضافرة، وقدّم شخصيات ناجحة وأوّلها بدرة المتمردة، التي خرجت أخيرا مع الغزاة لتكمل حلمها في كسب الكثير من المعارف والعلوم الفلكية، كما لو أنها تريد إكمال حلم والدها الذي علمها القراءة والكتابة وأنطقها الحروف من مخارجها بشكل سليم.

التعدد الصوتي الذي لجأت إليه الكاتبة ريم وزّع الرواية إلى سرديات صغرى مستقلة إلى حدّ كبير، لكن ناظما واحدا كان يجمعها هو الناظم الخيالي الذي يستشرف الأصوات مجتمعة، ويوحّد مساراتها بطريقة تكافلية تتيح للقارئ المشاركة في تنظيم النص في مثل هذه السلسلة الصوتية المتناوبة، ويجمعها في إطارها الواقعي مثلما يحدث في سردية أكبر متقنة البناء إلى حدّ جيّد.

مرة كتبت عن رواية “أرض السودان” للسوداني أمير تاج السر وقلت إنها رواية شخصيات لا يمكن أن تُنسى، ولعلي أكرر هذا لرواية ريم الكمالي وأقول إنها رواية شخصيات لا تُنسى أيضا، فعدا بدرة ذات الملامح الوحشية التي حار في تفسيرها الكثيرون، هناك الأب عبدالرحمن الحجازي هاوي المخطوطات الذي يتقن الفارسية واللاتينية والإيطالية ويسعى إلى العلم أينما كان، وهناك أبراق الشخصية المعتدلة التي تزيّن جسدها بالدرر وأثمن المجوهرات، وهناك مالك العاشق الضائع المغيّب، وهناك مجتمع العبيد بكل أسراره وعالمه المعقد، الذي يمثله البحار سلطان الموصوف بـ“النغل” لكونه ولد من علاقة غير شرعية، فبقيت أمه الأفريقية بحر الزين صامتة إلى الأبد تداري عارها الوحيد مع ابنها الوحيد.

لا يمكن تجاوز الجنرال والقبطان ألفونسو دلبوكيرك المسيحي البرتغالي المتوحش الذي أحرق الأهالي في جامعهم الوحيد، مثلما لا يمكن تجاوز الشخصية المفاجئة، أنطونيو دي كامبو، أصغر قبطان لأصغر سفينة في الأسطول البرتغالي الباحث عن مجده الشخصي وسط الخراب.

لقد قدّمت ريم الكمالي نسجا معرفيا متكاملا عن سلطنة هرمز وتاريخها وجغرافيتها وطقوسها وثقافاتها وطبيعتها وعاداتها وتقاليدها، وعن دور المرأة فيها الذي سيفاجئ القارئ كثيرا، مثلما سيفاجَأ بتشكيلة اللباس اليومي للمرأة الهرمزية في مجتمع غامض ونادر الوجود أيضا.

"سلطنة هرمز"، رواية الشخصيات الفريدة التي استخرجتها ريم الكمالي من تلك القرية الجبلية، كما استخرجتها من بطون الكتب وروايات الرّحّالة، وروايات المجتمع الصغير الشفاهية التي انتظمت في سرد روائي جميل. هذه الرواية حازت على جائزة سلطان العويس عام 2015.

كاتب من العراق

14