سلفادور دالي العبقري المجنون الذي خلد الزمن الذائب

الاثنين 2014/03/03
لوحة \"إصرار الذاكرة\" لسلفادور دالي

مثلما يقترن اسم شكسبير بـ”هاملت”، وجيمس جويس بـ"يوليسيس" وماركيز بـ”مئة عام من العزلة” فإن اسم سلفادور دالي يكاد يتماهى بلوحة “إصرار الذاكرة” التي أنجزها عام 1931، وذاع صيتها بين محبّي الفن التشكيلي ومريديه. وسوف يُكتب لها البقاء طويلا في الذاكرة الجمعية لأنها تعالج هاجسا إنسانيا يتجدّد على مرّ الزمان.

لوحة “إصرار الذاكرة” تمثل العمل الفني الأكثر هيمنة في تجربة سلفادور دالي الإبداعية ليس من جهة غرابته فحسب، وإنما من جهة توظيفه للعالم السريالي أو “الفوق واقعي” الذي ينزاح من لا وعيه أو لا شعوره، حينما يغفل الحارس غير الأمين الذي يُفترض أن يكون يقظا عند البوابة التي تفصل الوعي عن اللاوعي أو الشعور عن اللاشعور، فتتسرّب الصور الفنتازية الغريبة التي يندر أن تجد لها مثيلا على أرض الواقع الذي نعيشه ونتمثلّه كل يوم.

لا بدّ من الإشارة إلى أن دالي كان طفلا مدللا لا تعوزه المادة ولا ينقصه الثراء، وكان يتردّد كثيرا على متحف “ديل برادو” ويتأمل طويلا أعمال فلاسكيز وغويا وسواهما من الفنانين الكبار، وحينما يعود إلى منزله كان يستغرق في رسم أعمال تكعيبية أثارت اهتمام الناس من حوله.

ولما توسّعت قراءاته وتعمّقت لتشمل نيتشه وكانت وسبينوزا وفولتير، تعلّق دالي ببعض المحاور الفلسفية التي تؤرقه، وربما كان نيتشه أكبر المؤثرين في تجربته الفنية والفكرية، بل إنه تأثر حتى بشارب نيتشه وقلّده، وظلّ محتفظا به حتى نهاية عمره المديد الذي قارب الخامسة والثمانين عاما.

تُعدّ لوحة “إصرار الذاكرة” أو ثباتها -لأن ساعات اللوحة لم تذُب كليا وبالإمكان قراءتها- هي العمل الفني الأشهر لدالي، على الرغم من أنه أنجز لوحات كثيرة مهمة لا تزال حاضرة في ذاكرة النقاد والمتلقين بما فيها لوحة “الفيَلة”، بسيقانها الطويلة الواهنة التي يمكن أن تنقصف في أية لحظة، و”إغراءات القديس أنتوني” أو “صلب السيد المسيح” المغايرة لعمليات الصلب المألوفة، أو أية لوحة أخرى من لوحات حبيبته وزوجته “غالا” التي قال عنها بما معناه: “أن أي فنان يريد أن يكون مبدعا فعليه أن يتزوج غالا”، هذا إضافة إلى المئات من الأعمال الفنية التشكيلية والنحتية التي تحيل بسرعة فائقة إلى دالي الذي يتميّز ببصمة فنية نادرة ومختلفة عن الآخرين تماما، إلا باستثناءات محدودة يمكن أن نتلمّسها عند الفنان الفرنسي السريالي إييف تونغاي، خصوصا في لوحته المعنونة “ماما، لقد جُرح أبي” التي تُذكِّرنا بلوحة “إصرار الذاكرة” لدالي وتحيل إليها، ففيها النبتة الوحيدة، والدخان المتصاعد، وعجز الكائنات الصغيرة وما إلى ذلك، التي تبيّن لنا لاحقا أن أندريه بريتون كان يتصفح في دفتر الطبيب النفساني كي يعثر في حالات المرضى على عناوين لبعض اللوحات الفنية السريالية.

"اشتغل دالي على المضامين السوريالية من تداعي الخواطر المتسربة من اللاوعي الذي يفتقر إلى الحسابات العلمية للسبب والنتيجة"

أما لوحة “إصرار الذاكرة” التي نحن بصددها ففيها أربع تكوينات رئيسة وهي صورة الوحش، غريب الشكل، الذي يتوسط العمل الفني والذي استعمله دالي في العديد من لوحاته الفنية كي يجسِّد نفسه فيه، وكأنه بات صورة شخصية لدالي نفسه، وقد تكرّر فعلا في العديد من لوحاته الفنية المهمة.

أما الساعة البرتقالية التي تختلف عن الساعات الزرقاء الذائبة أو الرخوة التي تهدلت على غصن شجرة الزيتون اليابسة، أو على أرضيتها التي يبدو جزؤها المستطيل أو المفروشة على رأس الكائن الممسوخ الذي يبدو حالما هو الآخر، وتتضح عينه الوحيدة مغلقة وأهدابه الطويلة السوداء تغطي مساحة كبيرة من وجهه الغارق في نوم لذيذ. أما التكوين الثاني الأكثر أهمية فهو الأسفل من جهة اليسار، حيث يبدو النمل يغطي الساعة البرتقالية وقد استعمل دالي النمل غالبا بوصفه كرمز للتآكل والتفسّخ والانحلال. في التكوين ذاته نرى بوضوح جذع الزيتون الجاف ذي الغصن الواحد الممتدّ جهة اليمين، حيث يحمل ساعة ذائبة يمكن قراءة أرقامها جيدا. أما القسم الرابع من التكوين فيحيلنا إلى مشهد مأخوذ من الجانب الشمالي الشرقي لشبه جزيرة كتالونيا التي استعار منها دالي مشاهد عديدة في لوحاته التشكيلية.

لقد اشتغل الفنان دالي على المضامين السريالية التي استوحاها من أحلام اليقظة والمنام، أو من تداعي الخواطر المتسربة من اللاوعي الذي يفتقر إلى الحسابات العلمية للسبب والنتيجة، وصنع منها عالما قادرا على إبهار المتلقين وإدهاشهم، هذا إضافة إلى نفَسِه السريالي الخارج عن المألوف بدء من قناعاته الشخصية، مرورا بشطحاته الفكرية، وانتهاء بمواقفه التي أيّد فيها فرانكو وتعاطى بها مع هتلر في رسومات مثيرة للجدل، حيث اضطرّ أندريه بريتون إلى طرده من الحركة السريالية لكن تحدّاه بالفم الملآن: “ليس بإمكانك طردي فالسريالية هي أنا”. وعلى الرغم من كل تجلياته السابقة وشطحاته التي لم يقْدِم عليها أحد من قبل، إلاّ أنه عاد في سنواته الأخيرة ليتشبث بفلاسكيز ورافائيل وفيرمير لينطلق صوب الفن الكلاسيكي الديني، بعد أن أشبع نهمه من السريالية في الفن والكتابة والسينما والحياة اليومية المليئة بالمفاجآت والمواقف الطريفة، عاش دالي خمسا وثمانين سنة مكتظة بالإبداع والمفارقات والحياة الخارجة عن السائد والمألوف.

16