سلفادور دالي بروفيسور "لا كازا دي بابيل" الأول والأخير

المشاغب الذي لم تتمكن سنوات غيابه من التغلب على شغف الناس به، يعود من جديد لإثارة النقاشات حول دوره خاصة بعد الموسم الجديد من مسلسل "لا كاسا دي بابيل" أو "البروفيسور" كما أرادت نتفليكس أن تترجم عنوانه إلى العربية.
الأحد 2020/05/10
سلفادور دالي.. العصيّ على النسيان

حين أعلن خبر وفاة الفنان الإسباني العملاق سلفادرو دالي أواخر الثمانينات، كان العالم مقبلاً على تحولات حلم دالي طيلة حياته برؤيتها، ولعله سبق الجميع في تخيلها في أعماله التشكيلية والتنصيبية وحتى السينمائية. كانت ثورة الاتصالات توشك على الاندلاع، والإنترنت والفضاء العالمي وانهيار الشيوعية وكل تلك الأحداث التي كان دالي سيضحك لها كثيرا وهو يفتل شاربيه الشهيرين.

كنت أراقب دالي، بعد أن قرأت كل ما يمكن قراءته عنه، وشاهدت مصورات لأعماله المذهلة، قبل أن أشاهد بعضاً منها لاحقاً في باريس في معرضه بمونمارتر. وبينهما كنت أحرص على شراء كل جيل من عطره الشهير المستوحى من لوحاته، الفم والأنف والحنك، كي يبقى دالي المثير للجدل بالقرب من ذهني.

المشاغب والفوضوي الذي لم تتمكن سنوات غيابه من التغلب على شغف الناس به وبتفكيره. يعود من جديد لإثارة النقاشات حوله وحول دوره خاصة بعد الموسم الجديد من مسلسل “لا كازا دي بابيل” أو “البروفيسور” كما أرادت نتفليكس أن تترجم عنوانه إلى العربية.

بروفيسور الجميع

[ دالي يمثل صورته الخاصة التي كان على الجميع اكتشافها في أعماله. لكنه بقي يرسم صورة الإسباني في الوقت ذاته.
دالي يمثل صورته الخاصة التي كان على الجميع اكتشافها في أعماله، لكنه بقي يرسم صورة الإسباني في الوقت ذاته

بدا دالي ملهماً أعلى ليس لتلك الأقنعة التي يرتديها أفراد عصابة البروفيسور الذين ينفذون خطته في السطو على المنشآت الحيوية المالية الكبرى في إسبانيا وحسب، بل ملهماً حتى في سريالية تلك الأفكار.

لا الشكل وحسب، ولا الأهداف التي قرروا سرقتها، ولا الطريق المعقدة للخروج من المآزق، وإنما الدوافع الثورية الخفية التي تقف خلف ذلك كله. كلها ترتبط بدالي.

لماذا يستهدف هذا المعلم المثقف الشاب وفريقه الغرائبي مطابع العملة أو البنك المركزي؟ ولماذا تعلو الأغاني الثورية التي تتحدث عن رفض الأجيال الأوروبية الجديدة للنظام الحالي، الاقتصادي والاجتماعي بالدرجة الأولى، فالسياسي لم يعد له وجود مؤثر لا داخلياً ولا خارجياً؟.

لا شيء من الأحداث يكترث بأن يكون له أي مبرر منطقي. كما لو كنا نتجول في لوحة من لوحات دالي. ذلك الكتالوني الذي زرع بذور التمرد في كل مكان قبل سنوات طويلة.

ولد دالي في مايو 1904 في فيغيراس بكتالونيا وتوفي بعد 84 عاماً ودفن في فيغيراس بكاتالونيا أيضاً. ولكن بين اللحظتين كان دالي قد أقام الدنيا ولم يقعدها، مثيرا من حوله كل الصخب الممكن وغير الممكن.   قرب قشتالة كان دالي يكبر في كنف أسرة ثرية. وقد وصف ذلك لاحقاً بدقة، حين أشار إلى النقطة التي جعلته يكون هو. بعد أن رُزق والداه به، إثر وفاة ابن لهما كانا قد سمياه سلفادور. يقول دالي عن معاناته مع حمل اسم شقيقه الميت “كنت في نظر والدي نصف إنسان. أو شخصاً بديلاً. وكانت روحي تعتصر ألماً وغضبا جراء نظرات الليزر التي كانت تثقبني دون توقف بحثاً عن الآخر الذي غاب عن الوجود”.

كان يبحث من تلك اللحظات عما يميزه عن سلفادور المفقود. الصورة النمطية، وهو ما سيصنع أسطورته في ما بعد. يقول “كان والداي لا يتحدثان إلا عن سلفادور دالي الميت. وليس عني. أصبحتُ كالمجنون. وأضحى الأمر بالنسبة إليّ كضرورة حياتية؛ أن أبرهن لكافة الناس على أني سلفادور دالي الحقيقي”.

كل شخصية من شخصيات المسلسل الإسباني الذي أنتجته أساساً شبكة أنتينا3 كانت تبحث عن تلك المعادلة، تريد أن تبرهن على أنها هي الحقيقية، مهما كانت بيئتها ومنابعها. ولم يكن ينقص تلك الشخصيات سوى قناع دالي الذي يدخلون من خلاله إلى أعماق المعلم الكبير ثم يعودون إلى الواقع حين يخلعون القناع.

منحهم قائدهم وعرابهم ألفارو مورتي أسماء مستعارة من أسماء المدن “نيروبي” و”طوكيو” و”برلين” و”موسكو” وغيرها. وبعد أن كان البروفيسور يقود كل صغيرة وكبيرة في خطوات فريقه وهم محاصرون في المكان المستهدف، بات هو المحاصر حالياً. تلاحقه سييرا المحققة الجديدة التي حلت محل صديقته راكيل. سييرا تلعب دورها الفنانة العربية الأصل نجوى نمري.  

تروي لنا “طوكيو” التي تقوم بدورها أورسولا كوربيرو في كل أجزاء المسلسل ما الذي كان يدور من قصص وتفاصيل، وما الذي سوف يدور أيضاً، في لعبة مشهدية زمانية مثيرة.

“برلين” الذي تعلق به المشاهدون وهو يلقي محاضرات على الجميع في تمجيد ذاته واهتمامه بالأناقة حتى في أحلك اللحظات. شخصية فريدة منحوتة من مزاج دالي المتعالي المتعجرف ذاته، يؤديها بيدرو ألونسو الذي أصبح غناؤه المشترك مع شقيقه البروفيسور أغنية “بيللا تشاو” الإيطالية الشهيرة أكثر شهرة من أي تسجيل آخر للأغنية على منصات العرض حول العالم.

الشغف وحده

[ المعلم المثقف الشاب يستهدف وفريقه الغرائبي مطابع العملة والبنك المركزي للبلاد، لتعلو الأغاني الفوضوية التي تتحدث عن رفض الأجيال الأوروبية الجديدة للنظام الحالي، الاقتصادي والاجتماعي بالدرجة الأول.ى
المعلم المثقف الشاب يستهدف وفريقه الغرائبي مطابع العملة والبنك المركزي للبلاد، لتعلو الأغاني الفوضوية التي تتحدث عن رفض الأجيال الأوروبية الجديدة للنظام الحالي، الاقتصادي والاجتماعي بالدرجة الأولى

عاش دالي طفولته يبحث عن نفسه، طفلاً مدللاً شقياً ارتكب الكثير من الأخطاء. غير أنه اهتدى إلى الرسم مبكراً في سن السابعة. وكان متأثراً بجار أسرته الفنان رامون بيشوت والانطباعيين وحين بدأ يقرأ كان يميل إلى كانت وديكارت وسبينوزا. وبعد أن رسخ ذاته في بلدته وأسرته كرسام، كان قد بقي أن يرحل إلى مدريد للدراسة الأكاديمية وهو يكتب على دفتر مذكراته الخاص به “قد أكون موضع استهتار أو تجاهل أو عدم فهم من قبل الآخرين. لكنني سأكون عبقرياً، بل وعبقرياً فذاً”.

شهوره الأولى في الأكاديمية كان دالي يقضيها غارقاً في متحف برادو، ساعات طويلة وهو يتأمل اللوحات العظيمة. قبل أن يقرر تغيير شكله تماماً والبدء بارتداء الأزياء المثيرة.  كان شريكاه في السكن شاعر إسبانيا الكبير فيدريكو غارثيا لوركا والمخرج لويس بونويل. وقد خلق هؤلاء الثلاثة معاً حالة فريدة ومحرضة في أجواء العشرينات ستظهر نتائجها في المستقبل القريب. وباتت لوحات دالي التكعيبية مثالاً لهم ولرفاقهم الذين سيتجمعون من حولهم.

تم طرده من الأكاديمية بسبب فوضويته، المشابهة لفوضوية أبطال المسلسل إياهم، وبقي عاماً كاملاً بعيداً عن الدراسة في فيغيراس التي سُيلقى عليه القبض فيها بتهمة التمرد على النظام الملكي. قبل أن يعود مجدداً إلى مدريد. سافر إلى باريس وعمل مع بونويل على فيلم “كلب أندلسي” وتعرف إلى بابلو بيكاسو وخوان ميرو وأندريه بريتون.

أثارت الحياة الباذخة التي عرفها دالي في باريس وولعه بالعلاقات مع الارستقراطيين حفيظة رفاقه السرياليين، لاسيما المؤسس بريتون الذي قرر طرد دالي من السريالية، فكان جواب دالي “لا تستطيعون طردي. فالسريالية هي أنا تحديداً”.

الكمال الإسباني

دالي تمرّد على العقل القديم في الصورة والتخيّل
دالي تمرّد على العقل القديم في الصورة والتخيّل

بقي دالي يمثل صورته الخاصة التي كان على الجميع اكتشافها في أعماله وسلوكه. لكنه كان يرسم صورة الإسباني في طريقه تلك، حتى قال عنه سيغموند فرويد “لم أر في حياتي نموذجاً لإسباني، أعظم كمالاً من دالي”.

في فترة الحرب العالمية الثانية كان دالي في الولايات المتحدة، بعيداً عن إشكالات أوروبا، بقي ثمانية أعوام يشتغل على تصاميمه الخاصة من المجوهرات والملابس ودور العرض. واتفق مع والت ديزني على إنتاج مشترك، ثم عاد إلى إسبانيا نهاية الأربعينات.

وظهرت غالا في حياة دالي، فأنقذته من جنونه، وحوّلت مساره من فوضوي إلى فنان يقضي عمره كله على المسرح. وصار دالي أيقونة السريالية في أوروبا بلا منازع.

ورث أبطال مسلسل “لا كازا دي بابيل” جميعهم كراهية ونفوراً من المظاهر الحديثة للحياة الأوروبية، من معلمهم الأكبر دالي، الذي كان يتعمد في جميع أعماله تصوير الآلات بأبشع الصور. حتى السيارات لم تنجُ منه والمصانع وغيرها. كلها كانت بمثابة أعداء للجمال الذي رآه دالي بصورة مغايرة.

مفتونون بالهندسة، مأخوذون بالدقة. تجري خططهم كما لو كانت ساعات سويسرية باهظة الثمن لا تخطئ.

دالي مات بعد حياة مثيرة، تدخل في كل شيء عاصره، في الآداب والفنون والأزياء والتصورات عن الزمن والأبعاد.
دالي مات بعد حياة مثيرة، تدخل في كل شيء عاصره، في الآداب والفنون والأزياء والتصورات عن الزمن والأبعاد

يقال عن دالي إنه من تمكن من إلغاء الحدود ما بين المشاكسة والروعة،  بين الهمجية والجمال. شيء ما يتسلل من تلك الأقاويل إلى عالم المسلسل التلفزيوني البديع، حين يجد المشاهدون أنفسهم وهم يتعاطفون من دون شعور مع مرتكبي الجريمة. مع اللصوص، وضد من؟ ضد الدولة وأموال الشعب. أي ضد المشاهدين أنفسهم.

حالة محو الحدود ما بين القيم، تصيب متأمل لوحات دالي وأحداث “لا كازا دي بابيل”. صحيح أنها ليست المرة الأولى التي يصبح فيها المجرم بطلاً. لكن في هذه الحالة تختلط عقدٌ عدة، ومتلازمات متناقضة، بين الخاطف والمخطوف والمشاهد للأبطال والضحايا.

لقد تمرد دالي على العقل القديم في الصورة والتخيّل، ويتمرد أعضاء فريق البروفيسور على حيواتهم السابقة، الإثارة هي من تقودهم من أجل أن يفعلوا شيئاً، خليطاً من الخطر والمجد، خطر قد يصل ببعضهم إلى الموت، كما في حالة “نيروبي” التي فجع بها المشاهدون حول العالم، وأقيمت لها نصب ولوحات جدارية عملاقة حزناً على رحيلها. وكتب له بعض المشاهدين العرب تعليقات على موقع نتفليكس ورد فيها “إلى جنة الخلد يا نيروبي” وغير ذلك. ما يعني أن الجمهور مأخوذ تماماً بهذه الشخصيات التي بدأ يتوهّمها حية تشاركه حياته، وتقوم بما لا يجرؤ هو على القيام به.

مات دالي بعد حياة مثيرة، تدخل في كل شيء عاصره، في الآداب والفنون والأزياء والتصورات عن الزمن والأبعاد. مات بعد أن تبرع بكل ثروته وأعماله لبلاده، تاركاً متحفه الشهير ذا اللون الأحمر والأبيض الذي يتربع على الجدار. لكن ما الذي تعنيه ولادة دالي من جديد في شوارع وشاشات العالم الناطق بالإسبانية وفي الفضاءات التي تصل إليها نسخ المسلسل المدبلجة والمترجمة؟

دالي وأحفاده الجدد وأقنعته المنتقلة التي تباع في أمازون ويكتب إلى جواره في المقترحات، “مع ثياب حمراء خاصة وأدوات سرقة مصرف”، يُحدث ثورته الفنية والفكرية الجديدة. العبور من الأيقونة إلى الواقع إلى المستقبل يتطلب عقولاً تؤمن بالأساليب الأكثر تأثيراً من خلال مسلسل بسيط الكلفة أثبت نجاحه بسرعة، حتى أن أبطاله أنفسهم لم يكونوا يتوقعون ذلك النجاح وكل تلك الشهرة التي جلبها لهم قناع يحمل وجه رجل مجنون بشاربين طويلين يتجهان نحو الأعلى.

أبطال مسلسل "لا كازا دي بابيل" ورثوا جميعهم كراهية ونفوراً من المظاهر الحديثة للحياة الأوروبية،
أبطال مسلسل "لا كازا دي بابيل" جميعهم ورثوا كراهية ونفورا من مظاهر الحياة الأوروبية الحديثة

 

9