سلفيات مختلفة بمضمون واحد

الثلاثاء 2014/10/14

منذ نهاية العام الأول للثورة السورية سنة 2011 بدأت أولى التشكيلات السلفية الجهادية بالنشوء على الأرض السورية، بداية مع تشكيليْ “حركة أحرار الشام” في ريف أدلب بقيادة حسان عبود، و”لواء الإسلام” في الغوطة الشرقية بقيادة زهران علوش، وتاليا مع “جبهة النصرة” بقيادة أبو محمد الجولاني، والذي أعلن عن تشكلها في بداية عام 2012.

وعلى الرغم من بروز هذه التشكيلات على الساحة الإعلامية وتبنيها للعديد من العمليات العسكرية ضد قوات بشار الأسد، إلا أن الناشطين في سوريا لم يولوا الأمر أهمية تذكر، ونُظر إلى هذه التشكيلات باعتبارها جزءا من الحراك الثوري من جهة، وجزءا ممّا دعي في أثنائه بالجيش الحر من جهة أخرى.

في أواخر العام الأول للثورة السورية، بدأت المجموعات العسكرية المعارضة بالتشكل، وبدأ السلاح يتسلل إلى أوساط المنتفضين؛ وخلال أقل من عام كان يوجد في سوريا المئات من المجموعات العسكرية التي تتراوح بين الصغيرة التي تتألف من عشرات الأفراد، حتى الكبيرة التي تضم مئات بل آلاف المقاتلين.

وبعد أكثر من عامين على تسلح الثورة السورية نستطيع القول اليوم، إن التشكيلات العسكرية للمعارضة السورية، جميعها على وجه التقريب، لها هوية إسلامية بشكل أو بآخر.

وهي تنقسم وفق الملاحظة بين تشكيلات إسلامية معتدلة، والتي يمكن أن نطلق عليها اسم التشكيلات الإسلامية الشعبوية، والتي تربطها بالإسلام السياسي المؤدلج علاقات واهية، بينما طبيعة إسلامها هي من النوع الشعبي الذي ربما لا يتجاوز الطقوس الإسلامية لدى الأفراد المنضمين لهذه التشكيلات العسكرية؛ وتشكيلات عسكرية إسلامية متشددة، وهي التي تنتمي إلى تيارات السلفية الجهادية وتربطها علاقة أيديولوجية مع الإسلام، وهي التشكيلات التي تمتلك “رؤية” على الصعيد السياسي (شكل الدولة المقبلة وطبيعة عملها)، والثقافي والتربوي يركز على بلورة مؤسسات للتواصل والتأثير بالمجتمع، ولها، بالمختصر، منظومة متكاملة من الأفكار حول الحاضر المتفجر والمستقبل المقبل.

اليوم، تبدو لوحة الصراع السوري في غاية القتامة، إذ تسيطر التشكيلات العسكرية السلفية الجهادية باختلاف مسمياتها على مجمل المشهد السوري، حتى يكاد المرء يجزم بأن جميع التشكيلات العسكرية السورية المعارضة الفاعلة على الأرض هي تشكيلات سلفية جهادية متطرفة.

تمكنت هذه التشكيلات المتطرفة من تسيّد المشهد السوري على عدة مستويات أساسية. فعلى الصعيد العسكري، تكفلت هذه التشكيلات بتنفيذ أقوى العمليات ضد قوات الأسد، هذا ما هو عليه الأمر في الشمال السوري، حيث “حركة أحرار الشام” ومن خلفها “الجبهة الإسلامية”، والتي تعد واحدة من أقوى التشكيلات العسكرية في سوريا إذ يتجاوز عدد المقاتلين المنضوين تحت إمرتها الـ20 ألف مقاتل حسب بعض التقارير؛ وفي العاصمة دمشق تتصدر القيادة الموحدة التي تم الإعلان عن تشكيلها مؤخرا في الغوطة الشرقية والتي يقودها زهران علوش وتضم أقوى التشكيلات العسكرية في المنطقة، المشهد وتعد القوّة المسيطرة على مجمل محيط العاصمة دمشق، وهذا الأمر يمكن أن نقع عليه على أغلب الجغرافيا السورية.

على الصعيد السياسي، قدمت هذه التشكيلات رؤية متكاملة حول مشروعها السياسي، حيث ملكت هذه التشكيلات السلفية منظومة متكاملة حول طبيعة الصراع الجاري بينها وبين نظام الأسد من جهة، وطبيعة المرحلة التالية لسقوط هذا النظام من جهة أخرى.

إذ ستنجح القوى السلفية في سوريا في تقديم إجابات متماسكة، ستشكل نقطة استقطاب لآلاف الشبان الذين خذلتهم معارضتهم الرسمية كما دول العالم المتمدن، هذا عدا عن طول فترة الصراع وقسوته وما ترتب عليه من نتائج كارثية على حياة البسطاء والمسحوقين.

ترى القوى السلفية في سوريا بأن حربها ضد نظام الأسد هي حرب ضد نظام ظالم، فاسد، تتهمه، وبشكل لا لبس، فيه بأنه نظام كافر، لذا وجب إسقاطه، ومن هنا تتحدد طبيعة الصراع من وجهة النظر السلفية الجهادية باعتباره صراع بين الكفر الممثل بنظام الأسد، والإيمان الممثل بهذه القوى السلفية. ويأتي حرف الصراع وتحديده كصراع بين السنة من جهة ونظام ملحد من جهة أخرى، كي يُشرعن هذا التوجه ويعطيه مبرراته السياسية والأيديولوجية.

على صعيد البديل، ترى هذه القوى ومن خلال أغلب بياناتها وأدبياتها المنشورة، بأن هذا البديل لن يكون سوى بناء دولة إسلامية، تحتكم بشرع الله وسنة رسوله، دولة إسلامية ترفض الديمقراطية والمؤسسات الحديثة الناتجة عنها، وتشكل امتدادا لحلم قديم لدى أغلب التيارات السلفية في بناء دولة إسلامية، تشكل الجواب المنشود حول الأسئلة التي راح يفرزها العصر.

على النقيض من ذلك، فشلت أغلب قوى الثورة السورية المدنية وقوى المعارضة الداخلية منها والخارجية، حتى اللحظة في تقديم تصور عام وشامل للبديل المقترح وآليات الوصول إليه.

لم تتمكن قوى الثورة المدنية من تقديم تصور عام وشامل حول البديل المأمول، كما لم تتمكن من تقديم إجابات حول طبيعة الصراع الجاري وطبيعة المرحلة اللاحقة على سقوط نظام الأسد. وبقيت كل تصوراتها غائمة يلفها الغموض.

وفي كل الحالات افتقدت قوى المعارضة السورية للرؤية النقدية، فتلكأت بالإشارة إلى سلبيات الحراك الثوري السوري، بحجة رغبتها في الحفاظ على صورة ناصعة لهذا الحراك، كما تلكأت في نقد “أسلمة” الثورة الذي بدأ مبكراً وانحرافها نحو التطرف بكل الأشكال والألوان، وكانت الضريبة باهظة على صعيد الحاضر الذي يعيشه الشعب السوري، والمستقبل الذي لم يعد واضحا ما هي طبيعته بالضبط؟

أخطأت قوى الثورة عندما أهملت النقد، وأخطأت مرة أخرى عندما تجاهلت الانحرافات الأولى للثورة، وما نتج عنها من تحول الصراع السوري من صراع من أجل الكرامة والحرية، إلى صراع بات من الصعب أن نجد تعريفا واضحاً له.

وبقيت تيارات السلفية الجهادية السورية، الطرف الوحيد القادر على تقديم إجابات، وإن كانت وهمية، إلا أنها مقبولة بالنسبة إلى المسحوقين الذين أدْمتهم سنوات الصراع السابقة.


كاتب صحفي سوري

8