سلفية مسيحية متشددة تغزو الكنيسة المصرية

الأحد 2014/08/10
قرار الأنبا بيشوى أثار جدلا داخل الكنيسية القبطية

القاهرة –أسفرت الوقفة الاحتجاجية التي تم تنظيمها مساء الأربعاء الماضي في القاهرة، اعتراضا على توجيهات أصدرها الأنبا بيشوى، بمنع السيدات اللاتي يتجاوزن الـ11 عاما من ارتداء البنطلونات و”البلوزات” أثناء صلاة القداس، عن المطالبة بالمركزية في القرار، حيث يكون البابا فقط هو المسؤول عن إصدار التصريحات.

وأوضح منسق الحركة أن البابا عند خروجه من المقر البابوي للدخول إلى الكنيسة المرقسية بالعباسية كان ردهأن “هذه طريقة غير لائقة بقدسية المكان”، وانصرف ليترأس صلاة العشية -أحد صلوات الكنيسة- ويلقي العظة الأسبوعية.

التظاهرة تمثل تطورا نوعيا في ما يجرى داخل الكنيسة في مصر، حيث دعا شباب وفتيات أقباط “بيشوى” إلى الاعتذار عما صدر منه من خطأ في حق القبطيات. واتهمه البعض بنشر “السلفية المسيحية".

القرار أعاد الأنبا بيشوى، سكرتير المجمع المقدس السابق ومطران كفر الشيخ والبراري، مرة أخرى إلى واجهة المشهد الإعلامي والسياسي، فكلامه اعتبره البعض ظاهرة غريبة وغير مسؤولة من رجل دين له مكانته، موضحين أنه لم يكن مجبرا على الإدلاء بتلك الأقاويل، خاصة أنها تسببت من قبل في أزمة عنيفة، وأطلقوا عليه حينذاك “مؤسس السلفية المسيحية” لتشدده.


كلاكيت ثاني مرة


في تصريحات سابقة له في مايو- أيار 2012، عندما كان الكرسى الباباوي شاغرا ويتولى الأنبا باخوميوس مهام قائم مقام البطريرك، قام الأنبا بيشوى بدعوة الفتيات المسيحيات إلى الاقتداء بالمسلمات في الاحتشام.

الأمر الذي فسره البعض حينذاك بأن الأنبا بيشوى لديه رصيد من الأزمات السياسية مع التيارات الإسلامية، ويحاول مغازلتها على حساب القبطيات، لا سيما أنه كان في ذلك الوقت من أبرز المرشحين للمنصب البابوي.

وقتها قامت القبطيات بقيادة الدكتورة ماريز تادرس، زميلة معهد دراسات التنمية بجامعة ساسكس بالمملكة المتحدة، بتنظيم وقفة احتجاجية بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، رافضات مثل هذه التصريحات.

المرأة تتعرض إلى ضغوط شديدة من جانب التيار المتشدد، سواء المسلم منه أو المسيحي، ذلك أن كليهما ينظر إليها على أنها مجرد جسد

بعد مرور أكثر من سنتين على تصريحات الأنبا بيشوى وانتفاء المكانة السياسية التي كان يسعى لتقلدها- حسب قول معترضين على كلامه- عادت تلك التصريحات لتطفو وتثير زوبعة مرة أخرى من خلال ورقة معلقة من جانبه مكتوب فيها (رجاء محبة.. تنفيذا لتوجيهات نيافة الحبر الجليل الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ على من يتقدمن للتناول (طقس مسيحي) من الآنسات فوق الـ11 سنة عدم ارتداء البنطلون والبلوزات وأن يرتدين ملابس تتسم بالحشمة والوقار مع عدم وضع المكياج.. وعلى ابن الطاعة تحل البركة".

التعليمات السابقة اعتبرها البعض إشارة على عدم إيمان “بيشوى” بدور المرأة في المجتمع، والنظر إليها كما يشاهدها السلفيون، موضحين أن الفكر السلفي لم يغزُ المسلمين في مصر فقط، بل طال الكنيسة أيضا، ومعلنين أن الأقباط يرفضون التشدد.


المهم طريقة العرض


الإعلامية دينا عبدالكريم كان رأيها مختلفا، حيث قالت: “بالرغم من الكثير من الجدل حول تصريحات الأنبا بيشوى، وبالرغم من أنني أختلف مع (طريقة عرضها) إلا أنني اتفق مع مضمونها”، وأضافت أن “الأصل في الفكرة جيد: أن نعود لإعطاء المهابة اللائقة ببيت الله في مظهرنا وسلوكنا داخله ونكف عن التعلل بمحبة الله وقبوله ونهمل مهابته ومخافته".

وافقتها في كلامها الناشطة القبطية مريم ميلاد (أرثوذكس) وقالت لـ”العرب” أنا على يقين أن الأنبا بيشوى لم يكن يقصد الإنقاص من شأن المرأة، وإنما كان يقصد الإعلاء من شأن بيت الله، وما قاله لا يدعو لكل هذه الضجة والمطالبة بتنظيم الوقفات الاحتجاجية، فالاحتشام لغة جميع الأديان السماوية، وهو لم يكن يفتح الباب للفكر السلفي بل كان يلفت نظر القبطيات بوجه عام إلى قدسية الكنيسة والمناسبات الدينية، حيث أن زيارة الكنائس والأديرة تحولت من روحية الهدف منها التبرك بأجساد القديسين والشهداء والاشتراك في الصلاة إلى زيارة ترفيهية أو “نزهة” وهذا ما وضح جليا من خلال تصرفاتهن وملبسهن".

أما كمال زاخر (منسق التيار العلماني) فقام بتوضيح وجهة نظر الأنبا بيشوى بعد الهجوم عليه، مشيرا إلى أن التعامل مع الأسرار المقدسة بالكنيسة لها قواعد وقوانين يجب مراعاتها دون فوضى، وأن الأنبا بيشوى يتحدث عن القيم الأخلاقية في ظل مجتمع غير سوي، وفي ظل انتشار حالة سعار جنسي وأخلاقي، وما جاء بتنويه مطران دمياط لن يخرج عن إطار النصيحة لتجنيب أولاد الكنيسة ما يشهده المجتمع من انحرافات، مؤكدا أن الحرية لا تعني الانفلات".

الفكر السلفي لم يغز المسلمين في مصر فقط بل طال الكنيسة أيضا


عودة للكتاب المقدس


القس رفعت فكري، رئيس مجلس الإعلام والنشر بالكنيسة الإنجيلية، كان رأيه مخالفا، وأوضح لـ”العرب” أن السيد المسيح تحدث بالكتاب المقدس عن عين الرجل، ولم يتحدث عن ملابس المرأة، وإن المشكلة الحقيقية دائما في نظرة الرجل للمرأة وليست في رداء المرأة، وأنه ليس لأحد حق تعميم الحشمة من منظوره الشخصي، وأن الله هو الذي يحاسب من يجرم بالتصرف أو الملبس حال تقدمه لمائدة الرب، وليس من حق الأنبا بيشوى أو غيره، حرمان أحد من التناول".

لم تكن ماريان عادل، ناشطة قبطية من الهيئة الإنجيلية، أقل اعتراضا من القس فكري، وقالت لـ”العرب” إن تصريحات الأنبا بيشوى تهين المرأة القبطية وتظهرها بشكل يحط من كرامتها، وأن حصر العفة في الملابس لا يخرج عن مضمونه سوى فكر متشدد يستهدف المرأة المصرية التي تواجه حملات من قبل تيارات متشددة، والمرأة القبطية تناضل مع شريكتها المرأة المصرية من أجل إعادة اعتبارها وتوفير الأمان لها بالشارع ضد الانتهاكات التي تتعرض لها.

الموقف نفسه (تقريبا) تبناه سعيد عبدالمسيح، مدير المركز المصري للتنمية وحقوق الإنسان، حيث أشار إلى أن فتوى الأنبا بيشوى غير ملزمة ولا أساس لها بالديانة المسيحية، وإننا اعتدنا منه خلال الآونة الأخيرة خروج تصريحات وفتاوى شاذة تعود بنا إلى عصور الرجعية والتخلف، فتوجيه بيشوى يعد اتهاما للفتيات مرتدي البنطلونات بعدم الاحتشام، أثناء تناول الأسرار المقدسة، مؤكدا أن الفتوى “البيشاوية” بمثابة ترديد لفتوى سلفية، وعلى قداسة البابا تاوضروس حظر تلك التصريحات الشاذة، والالتزام بالتصريحات والقرارات الصادرة عن المجمع المقدس.


ملزم أم غير ملزم


لكن القس بولس حليم، المتحدث باسم الكنيسة القبطية، صادر هذا الرأي بقوله: “إن كل أسقف له الحق في تدبير العمل الرعوي الذي يخص إيبارشيته، مادام هذا لا يتعارض مع عقيدة الكنيسة وتعاليمها، وأن قرار الأسقف ليس ملزما في الحياة العامة ولكنه ملزم حال وجودهم في الكنيسة".

وأكدت الدكتورة ماري يوحنا لـ”العرب” أن تصريح الأنبا بيشوى لم يأت من فراغ، وإنما بسبب ما رآه من ملابس بعض المسيحيات غير المحتشمة وهن داخل الدير “أي مكان العبادة” فكان ينبغي عليهن الاحتشام داخل الدير.

وهو ما نفاه الناشط الأرثوذكسي يوسف إدوارد لـ”العرب” مؤكدا أن بيشوى أخطأ، فأخواتنا القبطيات أكثر حشمة والكتاب المقدس في إنجيل متى شدد على حشمة الملابس ولا نحتاج أن نأخذ عبرة، ونرفض التطاول على البنات المسيحيات، واتهامهن بأنهن أقل التزاما وحشمة في ملابسهن.

الناشطة روز ميخائيل قالت إن هذه التصريحات لا يجب أن تصدر من راهب، ويجب أن نتظاهر ضده، منوهة إلى أن المرأة تتعرض لضغوط شديدة من جانب التيار المتشدد، سواء المسلم منه أو المسيحي، ذلك أن كليهما ينظر إليها على أنها مجرد جسد، ويحاول كل طرف إثبات قوته من خلال فرض سطوته، سواء بإصدار تشريع أو فتوى.

5