سلفيو الكويت من النشاط الخيري إلى الدعوة للجهاد

الخميس 2014/05/29
سلفيو الكويت يمولون التيارات الجهادية السورية

الكويت- “السلفية الكويتية ونفوذها المتنامي في بلاد الشام”، دراسة للباحث سلطان بال، صدرت عن مؤسسة كارنغي لدراسات السلام، لتسلّط الضوء على التطورات والديناميكيات الداخلية للحركة السلفية في الكويت وتأثيراتها الخارجية منذ نشأتها إلى غاية اليوم.

تحظى التطورات والديناميكيات الداخلية للحركة السلفية في الكويت بأهمية عالمية. ففي الشرق الأوسط، حيث يتزايد نفوذ السلفية منذ بدء الثورات العربية في عام 2011، أقامت الجماعات والشبكات السلفية الكويتية المتنوّعة علاقات وثيقة مع السلفيين في الدول الأخرى. بيد أن المنافسة بين التيارات السلفية الكويتية أسفرت عن حدوث تصدّعات مشابهة في الجماعات السلفية المحلية في لبنان وسوريا، ما تسبّب في عواقب بعيدة المدى لكل بلد.

كغيرهم من أتباع تيارات الإسلام السياسي سعى السلفيون في الكويت إلى استثمار أحداث الربيع العربي، حيث ازدادت قدرة الجماعات السلفية الكويتية عندما برزت واشتهرت كونها من الجهات الراعية الرئيسة للجماعات المتمرّدة في سوريا.

كانت السلفية في الكويت منذ فترة طويلة حركة حيوية ونشطة ولها علاقات وارتباطات عابرة للحدود الوطنية. وخلال العقدين الماضيين كانت مختلف الجماعات السلفية الكويتية من بين أهم مموّلي التيارات السلفية في جميع أنحاء العالم.

نشأ التيار السلفي في الكويت في أواخر الستينات من القرن الماضي. وعلى مدى سنوات كسبت السلفية قاعدة كبيرة من الأتباع، وأضحت خلال الثمانينات والتسعينات حركة جماهيرية. ومن أبرز مرجعياتها الشيخان عبدالرحمن عبدالخالق وعبدالله السبت.

وساعدت ثلاثة عوامل رئيسة في دعم ظهور التيار السلفي:

من خلال الإصرار على أن تذهب الأموال إلى الجيش الحر يمكن لحكومة الكويت أن تساهم في خلق معارضة سورية أكثر توحدا

تراجع القومية العربية واليسار، والانبعاث الإسلامي الذي أعقب ذلك في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بعد الهزيمة التي منيت بها الجيوش العربية في الحرب العربية-الإسرائيلية في عام 1967، وملأت زيادة جرعة التديّن وصعود الحركات الإسلامية الفراغ الناجم عن ذلك.

يتمثّل العامل الثاني في التحولات الجيوسياسية في المنطقة التي وقعت في أعقاب الثورة الإيرانية وعزّزت مكانة السلفيين. أما العامل الثالث فيتمثل في قدرة الحركة السلفية على اختراق النخبة الاقتصادية في الكويت.

بحلول أوائل ثمانينات القرن الماضي، حققت الحركة السلفية في الكويت مستوى غير مسبوق من التطور التنظيمي. وأنشأ السلفيون الكويتيون جمعية “إحياء التراث الإسلامي” باعتبارها المرحلة التالية في مسار تطوّرهم التنظيمي. وفي عام 1981 تم ترشيح سلفيين لخوض الانتخابات البرلمانية للمرة الأولى في العالم.


انشقاقات وخلافات


بعد طور التأسيس وفرض الحضور، تحول السلفيون إلى العمل الميداني، ومع تقدّمهم وتوسّع قاعدتهم بدأت بوادر انشقاقات وخلافات تظهر. وقد عانى المشهد السلفي من عملية تفتيت وتغيير في السنوات الأخيرة. فقد أدّت المناقشات التي جرت داخل السلفية في مرحلة ما بعد حرب الخليج إلى ظهور فصيلين؛ أصولي وحركي.

وأصبح الأصوليون، الذين يعتبرون أنفسهم أقرب إلى جمعية إحياء التراث الإسلامي، الفصيل الأقوى على المستوى المحلي، غير أن الحركيين، وهم أتباع عبدالرحمن عبدالخالق، الذي انفصل عن جمعية إحياء التراث الإسلامي في عام 1997، يمتلكون شبكات عابرة للحدود الوطنية بالقدر نفسه من الأهمية.
تعتبر جمعية إحياء التراث الإسلامي سوريا أرضا خصبة للعمل الدعوي، حيث يمكنها خلق أسس قوية للسلفية يمكن أن تلعب دورا مهما في البلاد في نظام ما بعد الأسد

أدّى تفتّت السلفيين الكويتيين، الذين كانوا في السابق موحّدين تحت راية جمعية إحياء التراث الإسلامي، إلى ظهور البنية الحالية للمشهد السلفي. وأثّرت الانشقاقات الداخلية التي تعرّضت إليها السلفية الكويتية، في الكيفية التي أطلّت بها الحركة على الساحة الإقليمية.

وقد أدّت العلاقات عبر الحدود في كثير من الأحيان إلى إعادة تشكيل بنية السلطة السلفية في مناطق مختلفة على نحو مشابه للانقسام الأصولي – الحركي. وفي المدّة الأخيرة تجلّى ذلك الانقسام بوضوح في ما يخصّ التعامل مع الملف السوري ودور السلفيين الكويتيين، كجزء من منظومة سلفية دولية، مع التطوّرات والأحداث في بلاد الشام.


السلفيون الكويتيون في سوريا


خلال بضعة أشهر، تحولت الثورة في سوريا من انتفاضة شعبية سلمية إلى حرب أهلية شرسة. وقد زاد السلفيون، الذين لم يتمكنّوا في الماضي من الحصول على موطئ قدم في البلاد، نفوذهم بشكل كبير مع اشتداد المشاعر المعادية للشيعة في المعارضة المسلحة التي تتكون في أغلبها من السنّة. ويلعب المقاتلون السلفيون الآن دورا هاما للغاية، إن لم نقل مهيمنا، في المعارضة المسلحة.

عندما بدأت السلفية تنمو بسرعة في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون ابتداء من النصف الثاني من عام 2011، شرع السلفيون الكويتيون في الاتصال بزملائهم السوريين. ويرسل الأصوليون الذين ينتمون إلى جمعية إحياء التراث الإسلامي والحركيون ملايين الدولارات إلى سوريا.

تنشط الجماعات والشبكات السلفية في الكويت خصوصا في مجال جمع ونقل الدعم المادي للسلفيين الجهاديين السوريين المرتبطين بجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والجماعات السلفية التي ترفض الأيديولوجية الجهادية ولكنها تعتبر القتال ضد النظام جائزا.

وقد وفّر دعم المعارضة السورية فرصة للسلفيين الكويتيين لتوسيع نطاق سلطتهم في الداخل عبر تقديم أنفسهم باعتبارهم يتولّون رعاية شؤون الأمة الإسلامية. وقد عزّز هذا الموقف سلطتهم في بيئة تم فيها إضعاف شرعية المؤسّسات السياسية، في حين تتعمّق التوتّرات بين السنة والشيعة بسرعة. ويجادل السلفيون عموما بأنهم هم الذين يقاومون أطماع الشيعة بالسيطرة على بلدان الشرق الأوسط.


تعبئة الأنصار


تتلخص الطريقة التي يؤطّر بها الدعاة السلفيون الأحداث المعاصرة في الشرق الأوسط في كثير من الأحيان في أن الشيعة، بقيادة إيران، يحاولون تهميش أهل السنّة وتحقيق الهيمنة. وبالتالي فإن ساحات المعارك الأكثر أهمية هي سوريا ولبنان والعراق والكويت والبحرين واليمن.

وبسبب مثل هذا الخطاب، جزئيا، تمت تعبئة الكثير من عامة الكويتيين السنّة لتقديم الدعم إلى الدعاة السلفيين الذين كانوا يجمعون المساعدات للمعارضة السورية. وكان السلفيون الحركيون هم أول من اتصل بهم زملاؤهم السوريون فأرسلوا الدعم المادي لهم.

وربما يكون أشهر شيخين في هذا المجال هما شافي العجمي وحجاج العجمي، اللذان جمعا الأموال وأرسلاها إلى سوريا. بدأ الاثنان نشاطهما في الوسط السلفي الحركي الذي يوسم بأنه “الحركة السلفية”. وقد وظّف الاثنان وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية بطريقة فعّالة لجمع التبرعات.
وفر دعم المعارضة السورية فرصة للسلفيين الكويتيين لتوسيع نطاق سلطتهم في الداخل

وعلى غرار السلفيين الآخرين، صوّر شافي العجمي الصراع السوري باعتباره حربا مروّعة بين الخير والشر: حيث يتمثّل الخير بالسنّة، في حين يتمثّل الشرّ بالشيعة الذين يريدون تدمير الإسلام من الداخل. وهو يدعو المسلمين إلى تقديم تبرعاتهم لمساعدة إخوانهم في سوريا للانتصار في هذه الحرب ضد “قوى الشر”.

يعتمد حجاج العجمي، الذي تشبه أفكاره أفكار شافي تقريبا، على ثروة عائلته الضخمة والتبرعات التي تُرسَل إلى مؤسسته. ويعقد ديوانيات كل يوم في منزله حيث يمكن للمتبرعين تقديم مساهماتهم. وينشط الشيخان على موقع تويتر.

ولا تصل كل التبرعات إلى الجماعة المتمردة الرئيسة، الجيش السوري الحر، حيث تتلقّى الجماعات الجهادية، التي ترفض أي تعاون مع الجيش السوري الحر، ملايين الدولارات أيضا. وانتقد أحد المراجع الدينية الرئيسة للمتمردين السوريين، الشيخ عدنان العرعور، وهو عالم سلفي سوري يقيم حاليا في المملكة العربية السعودية، شافي وحجاج العجمي.

ووفقا لتصريحاته فإن الدعم المادي الذي يرسله شافي وحجاج إلى الجماعات الجهادية السورية (معظمه يذهب إلى جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام) يؤدّي إلى تفتيت صفوف المعارضة. ومن خلال سيطرتهم على مبالغ مالية كبيرة، يستطيع الجهاديون إغراء المقاتلين كي يتركوا الجيش السوري الحر، أو حتى يقاتلوا ضده.


تجنيد اللاجئين


لعب الدعم المالي الذي يقدمه السلفيون الحركيون في الكويت دورا حاسما جعل ظهور المعارضة السلفية المستقلة عن الجيش السوري الحر أمرا ممكنا. ومع أن كل السلفيين المرتبطين بجمعية إحياء التراث الإسلامي متفقون على الحاجة إلى إرسال مساعدات إلى سوريا، فهم ينقسمون إلى فصائل حول ما إذا كان ينبغي على الجمعية الخيرية مساعدة اللاجئين أو ما إذا كان ينبغي عليها دعم المعارضة المسلحة.

وتعتبر مساعدة اللاجئين بالنسبة إلى جمعية إحياء التراث الإسلامي أكثر من مجرّد مشروع خيري بحت. ففي كل مخيمات اللاجئين والمناطق التي يتواجد دعاتها فيها، يمارس هؤلاء العمل الدعوي. ويوزع الدعاة الذين ترسلهم الجمعية منشورات وكتيّبات وينظّمون الدروس الدينية التي ينشرون فيها رسالة السلفية الأصولية.

وتعتبر جمعية إحياء التراث الإسلامي سوريا أرضا خصبة للعمل الدعوي، حيث يمكنها خلق أسس قوية للسلفية يمكن أن تلعب دورا مهما في البلاد في نظام ما بعد الأسد.

حتى أوائل العام 2013 تلقّت المعارضة السورية دعما ماليا من الكويت دون رقابة تقريبا. كانت حماسة الكويتيين لمساعدة المتمردين أحد الأسباب الرئيسة لذلك. ووفقا لما يقوله أحد مستشاري رئيس الوزراء، فقد كانت الحكومة ستخاطر بدفع البلاد إلى حالة من عدم الاستقرار لو أنها فرضت قيودا على التحويلات المصرفية والوسائل الأخرى لإرسال الأموال إلى سوريا.

مع ذلك بدأ الوضع يتغير مؤخرا. إذ لم يعد الكثير من الكويتيين، إلى حدّ ما، يتعاطفون مع قضية المعارضة السورية المسلحة عندما أصبح المتشددون، الذين ألهمهم نهج تنظيم القاعدة، قوة مهيمنة شيئا فشيئا في داخلها.

في الوقت نفسه اضطرت الحكومة، بعد حلّ البرلمان في عام 2012 والانتخابات التي أعقبت ذلك، والتي قاطعتها غالبية قوى المعارضة، إلى الاعتماد على الأعضاء الشيعة في البرلمان للاحتفاظ ببعض الدعم الشعبي. واتخذت الحكومة خطوات لتقييد حرية السلفيين في دعم جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ماديا ولفظيا.

وفي أغسطس 2013 تم حظر البرنامج التلفزيوني الخاص بشافي العجمي بعد اتهامه بإثارة التوتّرات الطائفية. وبدأت السلطات أيضا بمراقبة خطب الجمعة في المساجد ومنعت العديد من الشيوخ (السلفيين في الأغلب) من الخطابة.

كانت الإطاحة بجماعة الإخوان المصرية فرصة للكويتيين للقيام بدور رائد للحركة على الصعيد الدولي

في الوقت نفسه، نفّذت الحكومة تدابير جديدة للإشراف والرقابة على المعاملات المالية الصادرة. وسمح قانون جديد للنائب العام بتجميد الأموال إذا كان هناك اشتباه في أن الأموال ستذهب إلى فصائل مسلحة.

نجحت هذه التدابير في الحدّ من تدفق الأموال، وخاصة لجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، غير أنها لم توقفها تماما. إذ لايزال السلفيون يجدون وسائل لإرسال الأموال إلى هذه الجماعات. وفي كثير من الأحيان يعمدون إلى تهريب الأموال النقدية، خصوصا عبر العراق.


دور الحكومة


في المستقبل، من المرجح أن تظل الكويت واحدة من أهم المراكز والجهات الراعية للسلفية عالميا. فالجماعات السلفية الكويتية تتحكم في أموال ضخمة، وتصل شبكاتها إلى عشرات البلدان في جميع أنحاء العالم. وبالتالي فإن قدرتها على التأثير على الجماعات السلفية في بلدان أخرى تجعل من المهم مراقبة وفهم الديناميكيات والنقاشات الداخلية الجارية في الحركة في الكويت.

وتظهر أفكار واتجاهات أيديولوجية جديدة بصورة متكرّرة ضمن السلفيين في الكويت، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى تفتيت الحركة أكثر. وهذا لن يؤثّر على المشهد الاجتماعي السياسي الكويتي وحسب، بل يمكن أن تكون له أيضا تأثيرات هامة عابرة للحدود الوطنية.

ويتعيّن على الحكومة الكويتية أن تراقب وتسيطر على المعاملات المالية للجماعات والتنظيمات السلفية المحلية على نحو أكثر فعّالية. وعليها أن تبذل جهدا لمنع السلفيين الحركيين من جمع الأموال ونقلها إلى جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. ويجب على الحكومة أن تنظر أيضا في حثّ مجلس الداعمين للثورة السورية على دعم الجيش السوري الحر بدلا من جيش الإسلام.

وكبديل، يمكن لقادة مجلس الداعمين للثورة السورية الضغط على جيش الإسلام لإقامة تعاون أوثق مع الجيش السوري الحر. ومن خلال الإصرار على أن تذهب الأموال إلى الجيش السوري الحر بدلا من التنظيمات الأخرى، يمكن لحكومة الكويت أن تساهم في خلق معارضة سورية أكثر توحّدا.


سلطان بال باحث مختص في قضايا اللاهوت، وهو يعمل حاليا محاضرا زائرا في جامعة Islam Negeri Sunan Kalijaga في يوغياكارتا

7