سلفيو المغرب بين ماضي التشدّد وحاضر المراجعة الفكرية

في ذكرى أحداث مايو 2003 الإرهابية التي ضربت الدار البيضاء المغربية تعود المسألة السلفية إلى الواجهة وهو ما يطرح عديد التساؤلات بشأن ماهية هذه الجماعة من خلال تشددها ماضيا ومحاولتها مراجعة أرضيتها الفكرية وخلفياتها الأيديولوجية والعقائدية اليوم في وقت ترى فيه أن الحرب على الإرهاب وحركات الإسلام السياسي التي رهنت حاضر المنطقة العربية ومستقبلها من خلال طروحاتها التكفيرية العنفية ومحاولتها زعزعة السلم الاجتماعي للمجتمعات المسلمة.
الجمعة 2015/05/29
هل تكون المراجعات الفكرية للسلفيين بوابة الاندماج في المجتمع المغربي

بعد اثنتي عشرة سنة على تفجيرات الدار البيضاء، يوم 16 مايو 2003، تبدو الحالة السلفية في المغرب مختلفة تماما عن تلك الفترة. فقد حصلت تحولات تكاد تكون جذرية في طريقة تفكير السلفيين، الذين كشفت تلك التفجيرات والاعتقالات التي أعقبتها وجودهم بطريقة مفاجئة للجميع، حتى للسلطة ذاتها، التي لم تعتد سوى التعامل مع ظاهرة الإسلام السياسي من قبل، ومنذ سنوات السبعينات من القرن الماضي.

ساهمت تجربة الاعتقال خلال السنوات الماضية، خصوصا عقب التفجيرات، في بلورة حالة سلفية جديدة بالمغرب، لم تكن معروفة من قبل. وقد عرف المغرب ـ مثله مثل باقي البلدان العربية الأخرى ـ ظاهرة السلفية العلمية، تلك التي يلتئم حولها أصحاب الحديث، ولكن تفجيرات الدار البيضاء كشفت وجود أفكار متطرفة كان بعضها نابعا من هذه السلفية العلمية، وتغذى بعضها الآخر على أفكار تنظيم القاعدة. بيد أن المعطى الرئيسي في هذا المخاض أن الحالة السلفية المتطرفة لم تتبلور عمليا كحالة سياسية إلا داخل السجون المغربية، حيث تجمّع المئات من السلفيين الذين لم يكن يجمع بينهم أيّ قاسم مشترك خارج السجن، ما عدا الانتماء إلى أفكار سلفية ملتقطة من هنا وهناك؛ وكان “كاتب هذه السطور” أول من أثار قضية نشأة “حزب سلفي” داخل السجون عام 2006، حين كتبنا وقتها أن الدولة المغربية نجحت في ما فشل فيه السلفيون، وهو إنشاء تكتل لهم، الأمر الذي وفرته أجواء السجن.

لذلك لم يكن غريبا أن البعض دخل السجن عام 2003، وهم مجرد خطباء في مساجد صغيرة بمدن نائية، ليخرجوا منه بعد سنوات الاعتقال وقد حملوا معهم لقب “الشيخ”. أمثال هؤلاء وجدوا داخل السجون المناخ الأنسب لتكوين أتباع لهم، من خلال تصدرهم مشاهد الاحتجاجات والمواقف وسط المعتقلين، الذين يعد أغلبهم من الأميين أو محدودي التعليم، ثم نصبوا أنفسهم ناطقين باسم الحالة السلفية خلال السنوات الأخيرة من الاعتقال، فانتقلوا خلال سنوات قليلة من متهمين بالإرهاب إلى نجوم تركض وراءهم وسائل الإعلام والصحافة. وهكذا انتقل الوضع من خلايا متطرفة صغيرة متفرقة إلى “تيار سلفي”، بالمعنى الذي يجري الحديث عنه اليوم.

لكن، بمثل ما أن الاعتقال كان بلورة للحالة السلفية، بمثل ما كان، أيضا، تطويرا لحركة تصحيحية داخل السلفيين. وطوال السنوات الماضية حصلت تحولات نوعية في طريقة تفكير السلفيين المغاربة، الذين كانوا يرفضون كل ما يتعلق بقيم الدولة الحديثة ومؤسساتها، فبدأت الاختراقات في منظومة التفكير بشكل تدريجي.

السلفيون في المغرب بدأوا يخوضون نقدا ذاتيا لتجربتهم وأفكارهم في ضوء الواقع الذي تعيشه البلاد، خاصة أمام تزايد التوجه نحو العنف والإرهاب باسم الإسلام

وهكذا أصبح السلفيون يطالبون بإعادة المحاكمة، على سبيل المثال، بينما كان الكثير منهم خلال محاكماتهم يعلنون بأنهم لا يعترفون بالقوانين الوضعية؛ ثم أصبحوا يوجهون الرسائل إلى الأحزاب السياسية ويخطبون ودّها، وهم الذين كانوا من قبل يكفّرون الآليات السياسية التنظيمية؛ وأخذوا بدفع نسائهم إلى الخروج في المظاهرات في الشارع، بينما كان الكثيرون منهم يقفون من قبل ضد خروج المرأة إلى الشارع؛ ثم توالت التحولات داخل الحالة السلفية، إلى أن وصلت إلى إعادة النظر الجذرية في العديد من القضايا.

ويمثل الشيخ محمد بن محمد الفيزازي حالة خاصة جديرة بالدراسة. فقد ألف هذا الرجل ما يربو على العشرين كتابا، جلها مليء بالتكفير والتفسيق والتبديع والطعن في المؤسسات الحديثة؛ وكان لا يفتأ يوجه النقد والشتائم يمينا ويسارا في محاضراته ولقاءاته الخاصة والعامة؛ كما أن الرجل يعد أكثر السلفيين إنتاجا وشهرة خلال الثمانينات والتسعينات، وهو إلى ذلك أكبرهم سنا. وفي الأسابيع الماضية، خلال ندوة جمعتني به بمناسبة ذكرى تفجيرات الدار البيضاء، سمعت من الرجل ما لا يمكن توقعه، فقد قال بكل جرأة إن كتاباته السابقة كانت مليئة “بالضلالات”، واعترف بأنه كان متطرفا، وعبّر عن مواقف أبانت عن حصول تحول جوهري في تفكيره. ومثل هذا الأمر لم يكن ممكنا حصوله قبل عشر سنوات.

هذا التحول لم يمسّ طرق التفكير التي كانت سائدة لدى السلفيين فحسب، ولدى أعتى هؤلاء السلفيين كالفيزازي، بل أيضا الموقف من العمل السياسي.

فعبدالوهاب رفيقي مثلا، المكنّى “أبا حفص”، والذي كان محكوما عليه بثلاثين سنة سجنا وغادر السجن بعفو ملكي عام 2011 رفقة آخرين ممن يطلق عليه اسم “المشايخ”، اختار منذ أزيد من عامين أن ينشط داخل حزب سياسي هو حزب النهضة والفضيلة، والفيزازي تدور شائعات عن دخوله في مفاوضات مع حزب “الأصالة والمعاصرة” للانتماء إليه، رغم أنه ينفي في الوقت الحالي. أما عبدالكريم الشاذلي، وهو السلفي المعروف براديكاليته وتشدده ولديه العديد من الكتابات العقدية، فقد انخرط في حزب إداري صغير وهامشي يرأسه رجل أمن مغربي سابق، وحضر ندوة صحفية للحزب، حيث ظهر جالسا على المنصة بلحيته الكثة، ما أثار الكثير من ردود الفعل المشككة، بسبب وجود سلفي متشدد في حزب عرف دائما بولائه غير المشروط للدولة.

جدير بالإشارة أن هذه العيّنات تظهر أن الحالة السلفية في المغرب لم تكن كما كانت، وهو مؤشر على أن السلفيين بدأوا يخوضون نقدا ذاتيا لتجربتهم وأفكارهم في ضوء الواقع الذي تعيشه البلاد، خاصة أمام تزايد التوجه نحو العنف والإرهاب باسم الإسلام.

13