سلفيو فرنسا.. تفاقم الحالة الأوروبية للإسلام السياسي

هل اخترق الإسلام السياسي أوروبا؟ وهل أن الحديث اليوم عن تكفيريين أوروبيين يعتبر حديثا عابرا مع تقوية القبضة الأمنية أم أن الأمر متعلق بتجذر التطرف داخل المجتمع الأوروبي؟ لقد دفعت التصريحات الأخيرة لبعض السياسيين والباحثين الفرنسيين إلى طرح هذه الأسئلة وتساؤلات أخرى تتعلق بمدى جدية خطر انصهار الخلايا التكفيرية داخل الثقافة والحياة في الدول الغربية.
الاثنين 2016/04/11
المعركة ذاتها في فرنسا

باريس - تشهد أوروبا في الفترة الأخيرة ارتباكا واضحا في تعاملها مع الإسلام ككتلة ثقافية ودينية وحضارية داخل الفضاء الغربي. فلئن كان جزء واسع من الرأي العام السياسي والشعبي يعي التفريق بين التدين والإرهاب، إلا أن تحول عدد من المسلمين في أوروبا إلى خلايا لتركيز العمل السياسي وفق المنظور الإسلامي أدى إلى إعادة خلط الأوراق مرة أخرى. فمعاناة أوروبا اليوم من الجماعات الإسلامية المتشددة بدأت تدخل الطور الأخطر، وهو تحريك العناصر المتشددة إلى مستويات العمل الإسلامي السياسي: الدعوة، وجمع التبرعات، وخاصة تنسيق العمليات الإرهابية، تمهيدا لتحويل أوروبا إلى منطقة ساخنة على شاكلة الشرق الأوسط.

وفي سياق التنبيه من تعاظم هذه القوة، فقد انخرط عدد من السياسيين والباحثين في علم الاجتماع ونشطاء المجتمع المدني في “موجة التفكير بصوت عال” لمعالجة آفة انتشار الفكر التكفيري المتطرف في فرنسا وباقي أنحاء أوروبا. فبعد أن أصبحت جماعة “الشريعة من أجل بلجيكا” منذ سنوات الطرف الأقوى ميدانيا من بين الجماعات الإسلامية الناشطة في أوروبا، آلت الأوضاع أكثر اضطرابا وتشددا بالنسبة إلى باقي الخلايا والجماعات الناشطة في حقل الإسلام السياسي الأوروبي. ولعل دعوة رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس في خطابه حول السلفية، الأسبوع الماضي، للتصدي للأيديولوجية التكفيرية تعبّر عن مدى القلق الرسمي من تعاظم العمل الإسلامي المتشدد في أوروبا.

فقد قال فالس خلال مشاركته في منتدى في باريس حول “الإسلاموية وتقدمها الشعبوي في أوروبا”، إن “السلفيين يمثلون اليوم 1 بالمئة من مسلمي بلادنا، إلا أننا لا نسمع سوى صوتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم يعرفون كيف يُسمعون صوتهم لدى الشبان اليافعين”.

جيل دي كيرشوف: الأيديولوجية التكفيرية مصدر مهم للتطرف الجهادي في أوروبا

لقد استغلت الجماعات السلفية المتشددة مناخ المواطنة في فرنسا لتتمكن من أن تكون قوة سياسية ضمن المجتمع الفرنسي. وبقطع النظر عن منع القانون الفرنسي بشدة أي أيديولوجية دينية تمارس السياسة، إلا أن الفرنسيين من ذوي الانتماء السلفي السياسي أصبحوا حقيقة واقعية اليوم تمثل جناحا دعويا وأداة تبرير وتغطية على أحداث العنف والإرهاب باسم الإسلام التي تحدث في فرنسا وباقي أوروبا. وهذا في حد ذاته إنجاز خطير وصلت إليه تلك الخلايا بعد سنوات من التخطيط والتقدم في سياق التمركز داخل البنية الاجتماعية الفرنسية، ويبلغ عدد المسلمين في فرنسا نحو خمسة ملايين، وهم الأكثر عددا مقارنة بعدد المسلمين في بقية الدول الأوروبية.

وخلافا لما يتصوره بعض الباحثين والمتابعين لشؤون الجماعات الإسلامية في أن تلك التيارات لن تنجح في أوروبا نتيجة قوة الثقافة العلمانية والحريات فيها، فإن تلك الثقافة في ذاتها تعد مدخلا نموذجيا لتطور النشاط التكفيري داخل المجتمعات الغربية. فالقوانين والإجراءات التي تطبق في الفضاء الأوروبي عموما، وخاصة فرنسا، غالبا ما تكون بعيدة عن مجالات التعبد والمعتقدات الدينية ولا تتدخل فيها باعتبارها “حقوقا مقدسة” مثلما جاء في الدستور الفرنسي. وهذا ما يجعل من مهمة محاربة التطرف والتكفير مهمة صعبة لأنها لا تحاسب النوايا ولا تهتم بالمظاهر (مثل اللباس، وكثرة التردد على المسجد، والسلوك الفردي في الأكل والتعامل وغيرها).

ومن المفارقات التي تحدث عنها الباحث الاجتماعي آلان سورال هي أن “الجماعات التكفيرية الإرهابية تحبذ المناخات القبلية والصحراوية والطبيعة الهشة للمجتمعات للانتشار والتوسع نتيجة الاستفادة من الجهل وضعف الدولة، وكذلك تستفيد الجماعات الجهادية من قوة الدولة وقوة الثقافة المدنية للمجتمعات واحترام الحريات وخصوصياتها للانتشار”. وهذا ما يؤكد أن تلك الجماعات الإسلامية المتشددة تكون غالبا على دراية واسعة بطبيعة المجتمعات والأنظمة التي تريد الانتشار فيها.

وفي السياق نفسه، قال جيل دي كيرشوف منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب إن “الأيديولوجية التكفيرية هي مصدر مهم للتطرف الجهادي في أوروبا”، مضيفا أنه “لا بد لنا من العمل على قيام إسلام أوروبي”. إلا أن دي كيرشوف ذكر أن الخبراء ليسوا على رأي واحد إزاء هذه المشكلة، فهناك من هم على غرار الكاتب جيل كيبيل الذين يعتقدون أن “الإسلام السلفي يغذي التشدد”، ومن هم مثل الكاتب أوليفييه روا الذين يعتقدون أن اعتناق الأيديولوجية الجهادية “يأتي في ختام عملية” التشدد. وفي كل الحالات على الدولة الأوروبية أن تفرق ما بين التدين العادي والتشدد.

إن الهجمات التي استهدفت العواصم الأوروبية في السنوات الأخيرة، لا تعكس فقط قوة اختراق الإرهاب للأجهزة الأمنية الغربية، بقدر ما تدق ناقوس الخطر في الأحزمة التي تساند التطرف، والمتكونة من عناصر تعمل بكثافة على إظهار نفسها أنها الممثلة للإسلام عنوة، وأنها هي التي تقود الرأي العام المسلم في أوروبا، أوروبا التي أصبحت معنية ـ اجتماعيا وثقافياـ بمعضلة الإسلام السياسي تماما كما الوطن العربي.

13