سلفيو مصر.. الطريق إلى الله يبدأ بالدعوة وينتهي بالعنف

التيار السلفي في مصر يبدأ بطريق الدعوة ليعتنق مفاهيم الجهاد وما يترتب عنه من عنف وصولا إلى تقديم فتاوى تبيح القتل أحيانا.
الاثنين 2019/06/10
تشدد يتفاوت في الدرجة لا في النوع

تختلف جل تيارات الإسلام السياسي تقريبا في تفصيلات وجزئيات منهجية، لكن هدفها النهائي انحصر تاريخيا في الوصول إلى مرحلة التشدد الذي يتولّد عنه العنف، فرغم محاولات الدفع للتفريق مثلا بين جماعة الإخوان المسلمين، كتيار متخصص في ما هو سياسي، وبين السلفيين كتيار دعوي اجتماعي، فإن مجرّد الرجوع إلى ظروف وتاريخية نشأة هذا التوجّه الأخير وإلى ما وصل إليه راهنا، يظهر أنها تشير إلى أن مرور مئة عام على أدوار التيار السلفي في الشأن العام يختزل وصوله إلى نقاط فارقة حولت مساره من الاقتصار على الدعوة إلى الله بالحسنى إلى اعتناق مفاهيم الجهاد وما يترتب عنه من عنف، وتعد تجربة هذا السلفي في مصر نموذجا حيا على ما وصل إليه أتباع السلفية من تطرف.

بنجاح ثورة 25 يناير 2011 في إنجاز خطوتها الأولى والأخيرة بخلع حسني مبارك، فوجئ المصريون بذوي اللحى يشغلون المشهد العام، في الشوارع والساحات والمساجد والجامعات وأماكن العمل والشاشات. كانت تلك اللحى تنبئ بطبيعة مرحلة، عنوانا على متن تستفزّه كلمة “السفور” ولكنه الآن يُسفر عن نفسه بثقة وتحد ينقصه التواضع، عبر لحى مرسلة لم يؤخذ منها طول أو عرض.

 لحى غير مشذّبة تدل على “سلفيين” دعا حضورهم الطاغي إلى هذا السؤال: من أين جاء هؤلاء؟ وأين كانوا؟ وفي السؤال شيء من الغفلة عن جمعيات ومؤسسات سلفية تنشط منذ بدايات القرن الماضي في المجالين الديني والاجتماعي لا السياسي، وفي مرحلة قطف الثمار لا تتردد في خلط النسبي بالمطلق، فتحرث الأرض بتقديم تسهيلات في صيغة فتاوى تبيح القتل أحيانا، كما تقدم خدمات ما بعد القتل؛ بتسويغه إذا نفّذه قتلة لا يُتهمون بأكثر من الافتئات على السلطة. وهكذا تنطلق أغلب الطرق السلفية من الدعوة إلى الله بالحسنى، ثم تنتهي إلى تشدد يتفاوت في الدرجة لا في النوع.

يقدم الكاتب المصري محمود الورواري في كتابه “سلفيو مصر” خارطة لنشوء وتطور هذا العالم، فتبدو مصر منذ مطلع القرن الماضي ساحة مفتوحة تتنافس فيها جمعيات سلفية، تنشطر أو تندمج، تتصارع أو تتكامل.

ظروف النشأة

لم يكن غريبا أن ينتهي المشهد في مصر عام 2012 بوجود أكثر من 12 حزبا سلفيا، في سياق استثنائي أغرى الأذرع السياسية والعسكرية لجماعات يمينية بالإعلان عن نفسها، وامتدت عدوى هذا الإغراء إلى جمعيات وتيارات سلفية ذات واجهات دعوية، وقررت خوض التجربة، وفي تلك السّكْرة استجابت الجماهير، وكادت بحماستها وكتلتها التصويتية تدفع بحازم صلاح أبوإسماعيل إلى كرسي الرئاسة لو أتيح له التنافس الحرّ في انتخابات نزيهة، على الرغم من أنه القائل “إيه يعني لما يموت 10 آلاف في سبيل مشروعنا؟ مصر فيها 90 مليونا”.

سلفيو مصر كتاب يقدم خارطة لنشوء وتطور التيارات السلفية منذ مطلع القرن الماضي
سلفيو مصر كتاب يقدم خارطة لنشوء وتطور التيارات السلفية منذ مطلع القرن الماضي

وبعد القضاء على حلم أبوإسماعيل الرئاسي، واصل أنشطته، ومن منصة ميدان نهضة مصر، بالقرب من جامعة القاهرة، أعلن سعيد عبدالعظيم نائب رئيس الدعوة السلفية “مصر إسلامية رغم أنف العلمانية”، وفي اليوم التالي حاصروا المحكمة الدستورية العليا، وبدلا من التفكير في الاستراحة في اليوم السابع للحصار، قاد أبوإسماعيل أنصاره، الجمعة 7 ديسمبر 2012، لحصار مدينة الإنتاج الإعلامي.

نهاية مختلفة لمشهد بدأ عام 1912 بتأسيس الشيخ محمود خطاب السبكي “الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة والمحمدية”، معلنا هدفيْها الدعوي والاجتماعي “وعدم التعرض لشؤون السياسة التي تخص وليّ الأمر”. وبعد مرور مئة عام على تأسيسها أصبح لها 500 فرع و2500 مكتب وتدير 45 معهدا لإعداد الوعاظ من الرجال والنساء.

وفي عام 1926 أسس الشيخ محمد حامد الفقي جمعية أنصار السنة المحمدية. وكان الفقي يرفض التظاهر ضد قوات الاحتلال البريطاني، خلال ثورة 1919؛ لاختلاط النساء بالرجال، ويرى أن إخراج الاحتلال “لا يكون بالمظاهرات، وإنما بإحياء عقيدة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين… وأنكر مبادئ الثورة”، واعترض على شعار “الدين لله والوطن للجميع”.

ويسجل المؤلف أن هذه الجمعية “أضافت نقطة لم تكن موجودة في فكر من سبقها من التيارات السلفية السابقة وهي وجوب الحكم بالشريعة الإسلامية في كل مؤسسات الدولة”. وللجمعية في مصر 280 فرعا، ولها أيضا فروع في السودان وإثيوبيا وإريتريا وتشاد.

وفي عام 1927 تأسست جمعية الشبان المسلمين بحماسة من كثيرين منهم محب الدين الخطيب والتونسي محمد الخضر حسين الذي صار شيخا للأزهر، وتولى رئاسة الجمعية عبدالحميد سعيد. وشهد عام 1928 تأسيس جمعيتين. فأنشأ محمد الخضر حسين مع شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي جمعية الهداية الإسلامية، وفتح لها فروعا في سوريا والعراق. وأسس حسن البنا جمعية الإخوان المسلمين.

وفي عام 1931 أسس الشيخ محمد أحمد عبدالسلام القشيري الجمعية السلفية. وأسس متشددون انشقوا عن حركة الإخوان المسلمين جماعة شباب محمد عام 1939، لرغبتهم في “الحكم بما أنزل الله” وإقامة الخلافة، وهم المرحلة المبكرة لتيار جهادي نشط في سبعينات القرن الماضي، وبلغت ذروة نجاحه في 6 أكتوبر 1981 باغتيال الرئيس السابق أنور السادات، وسط جيشه في الاحتفال بذكرى انتصار أكتوبر.

وتكمن خطورة التيار الإرهابي في أمرين،أولهما تفضيل “جهاد” العدو القريب على العدو البعيد وهو إسرائيل، وهكذا رأى الفلسطيني صالح سرية قائد تنظيم الفنية العسكرية 1974 أولوية قلب نظام الحكم في مصر وتغييره أولا، ولا يختلف عنه خلفه على درب تغيير أنظمة الحكم بالقوة المسلحة. وأما ثاني وجوه الخطورة فيكمن في قدرة أعضاء هذا التيار على تجنيد ضباط في الجيش، وأبرزهم المقدم عبود الزمر ضابط المخابرات الحربية، والرائد عصام القمري من سلاح المدرعات، كما جرى في التمهيد لاغتيال السادات.

كان عقد السبعينات ربيع الجماعات الإسلامية الطلابية والسلفية الإرهابية، فتأسست جماعة شباب الإسلام بكلية الهندسة بجامعة القاهرة 1972، والجماعة الإسلامية بجامعة أسيوط 1973، وكان نظام السادات يرعاهم أو يغض الطرف عنهم؛ لكي يواجه بهم غضب الناصريين وتيارات اليسار.

ومن الشواهد على ذلك موقف الإخوان من انتفاضة الخبز 18 و19 يناير 1977، فبعد أقل من أسبوعين صدر عدد فبراير 1977 من مجلة “الدعوة” لسان حال الإخوان، وتبنى المرشد عمر التلمساني في افتتاحيته خطابا يزايد على السادات في وصفه للانتفاضة الشعبية بأنها “انتفاضة حرامية”، وأما التلمساني فاعتبرها فتنة، وطالب بتطبيق “حدود الله على مثيري الشغب”، وتفعيل حد الحرابة، وأرسلت الجماعة رسالة تأييد إلى السادات.

سلاح الدولة

تجربة تيار دعوي التحف بعباءة الفتاوى لاقتحام السياسة
تجربة تيار دعوي التحف بعباءة الفتاوى لاقتحام السياسة

في الكتاب الذي صدر في 553 صفحة عن الدار المصرية اللبناية بالقاهرة يقول الورواري إن “تواجد الكيانات السلفية مرهون بإرادة الدولة في إحداث توازن في مواجهة تيارات أخرى… أعطيت هذه الجماعة الإسلامية الطلابية جميع التسهيلات داخل الجامعات، وسمح لها بممارسة كافة أنشطتها حتى وصل تيارها الطلابي إلى السيطرة الكاملة على جميع الجامعات المصرية”، وإن الجماعات الإسلامية “كانت قناعا جديدا لجماعة الإخوان المسلمين”، وسمح لها بحرية العمل داخل الجامعات لتتصدى لقوى اليسار.

كان مسمى “الجماعة الإسلامية” عنوانا لعدة تيارات وحركات جامعية، وكذلك موضع نزاع بين أكثر من تيار. وفي جامعة أسيوط، رفض كرم زهدي وناجح إبراهيم وغيرهما من سلفيي الصعيد الانضمام إلى جماعة الإخوان ومبايعة التلمساني، وأسسا الجماعة الإسلامية التي ظلت “بعيدا عن الصدام مع المجتمع والعنف حتى وصلت إلى نقطة فارقة غيرت مسيرتها ودفعتها نحو الجهاد والعنف”، بعد مقابلة كرم زهدي مع محمد عبدالسلام فرج مؤلف كتاب “الفريضة الغائبة”، إذ أقنعه بوجوب الخروج على الحاكم الكافر “وقتله وتغيير النظام بالقوة”، ونقل زهدي هذه الأفكار إلى ناجح إبراهيم رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية بالصعيد، وشكلت الجماعة جهازا للدعوة والتجنيد، وجناحا عسكريا، واختير أستاذ التفسير في كلية أصول الدين بجامعة أسيوط عمر عبدالرحمان أميرا للجماعة.

وبعد يومين على قتل السادات، صباح عيد الأضحى الذي أرادوه مناسبة للإعلان عن الدولة الإسلامية، اشترك عاصم عبدالماجد ورفاقه في الهجوم على مديرية الأمن في أسيوط، وقتل في تلك الجريمة 118 من أفراد الشرطة والمواطنين. ومن جرائم الجماعة الإسلامية أيضا مجزرة معبد حتشبسوت بالأقصر في 17 نوفمبر 1997، وأدت إلى قتل 58 سائحا أجنبيا وأربعة مصريين (مرشد سياحي وثلاثة من الشرطة). وفي 16 يونيو 2013 عيّن عادل أسعد الخياط المنتمي إلى “الجماعة الإسلامية” محافظا للأقصر، فاحتجت سويسرا (لها بين الضحايا 36 قتيلا) واليابان (10 قتلى) على تعيينه.

وفي برنامج تلفزيوني وجهت ريم ماجد سؤالا إلى الخياط عن تصريحات منسوبة إليه، يصف فيها الآثار بأنها “أصنام وحرام”، وإذا لم تهدم فيجب تغطيتها؟ فأجاب “لم يصدر لي أي تصريح بشأن هذه الأصنام إطلاقا”، ثم استدرك حين سألته “هل قلت: أصنام؟”، فقال “هذا تراث وتاريخ إنساني يجب الحفاظ عليه”. وبعد مجزرة الأقصر، تبنى كرم زهدي وناجح إبراهيم فكرة مراجعات الجهاد من داخل السجون.

محمود الورواري: تواجد السلفيين مرهون بإرادة الدولة لمواجهة تيارات أخرى
محمود الورواري: تواجد السلفيين مرهون بإرادة الدولة لمواجهة تيارات أخرى

ولكن الاستقواء، بعد خلع مبارك، أجرى دماء الصلف في شرايين سلفية، فتأسست “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح” بعضوية خيرت الشاطر وصفوت حجازي وحازم أبوإسماعيل ومحمد عبدالمقصود ومحمد حسين يعقوب ومحمد حسان وياسر برهامي. وفي نهاية عام 2011، قبيل أعياد الميلاد، أصدرت الهيئة فتوى بعدم جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم الدينية، وجاء فيها “المسلمون الذين لا يعتقدون في صلب السيد المسيح عليه السلام لا تحل لهم بحال التهنئة بقيامته المدعاة”.

وذكر الورواري تفاصيل رواها له منتصر الزيات المحامي الأشهر للجماعات المتشددة، وقد اعتقل ثلاث سنوات عام 1981 في قضية تنظيم الجهاد، وكان مقربا جدا من عمر عبدالرحمان ومن الضابط خالد الإسلامبولي قاتل السادات، “لدرجة أن والدة خالد أصرت أن يتزوج منتصر الزيات خطيبة خالد التي كانت شقيقة محمد عبدالسلام فرج صاحب كتاب ‘الفريضة الغائبة’ الذي وضع بذور التكفير والقتال، والذي كان السبب في تحول الجماعة الإسلامية التي أسسها كرم زهدي إلى العنف والقتل”.

الزيات قال إن محمد عبدالسلام فرج حوّل الجماعة الإسلامية من “دعوية سلمية إلى التنظيم المسلح… كان متحدثا ولديه قدرات وكاريزما… وكان مؤهلا شرعيا”. ووصف عمر عبدالرحمان بأنه “وسطي”، ولم يصرح بقتل السادات بعينه، ولكن كرم زهدي شهد بأن عبدالرحمان أجاز العمل الجهادي، “كان هو الأساس في الموافقة  حتى أعطانا الرأي النهائي والقاطع عام 1981”.

أغلقت الكتاب، ورأيت أن أستريح من هذا اللغو بالاستماع إلى أغنية، فقفز إليّ الزيات من اليوتيوب، بمقطع فيديو منذ بضع سنوات، يقول فيه “فرج فودة قُتل، ويستحق القتل مئة مرة، ولو بعث من جديد سيقتل من جديد. محدش هيخوّفني بقضية فرج فودة، فرج فودة كفر حينما سخر من الشريعة الإسلامية.

الإسلام هو دين المدنية، الإسلام دين مدني.. فرق بين أن تقول رأيك وبين أن تتطاول على الدين.. لتتلقى دعما من الكنيسة ومن الدول الغربية.. حُكم الذي يسخر من شريعة من شرائع المسلمين هو القتل، وقد قتل فرج فودة، وقال علماء الدين إنه يستحق القتل، وإن الشباب الذين قتلوه افتأتوا على السلطة، لكن قرار القتل كان قرارا صائبا، ولو بعث مرة أخرى يقتل، وأي مفكر يتكلم زيّ فرج فودة.. أدعو إلى اغتياله”.

13