سلفيو مصر.. سعي لتعطيل تجديد الخطاب الديني عبر مهادنة الأزهر

مراوغات سلفيي مصر باتت مكشوفة لدى الكثير من المراقبين في محاولاتهم إضفاء الشرعية على وجودهم كتيّار يسعى للتخلّص من مؤسسات الدولة الدينية الرسميّة، وذلك باقتراح مشاريع التجديد والتقرّب من الأزهر لتبييض صفحته في محاولات للتغلغل حتى عبر أقوال وآراء تبدو في ظاهرها غير متطرّفة، لكنها تصب في خطة إنشاء كيان مواز للأزهر وبديل عنه على المدى البعيد.
الاثنين 2016/05/16
ترميم الخطاب بأدوات هدمه

عـاد الجـدل حول تجديد الخطاب الديني في مصر مرة أخرى، وارتدى ثوبا متشددا فيما أعلن نواب حزب النور السلفي في البرلمـان المصري، أنهـم بصدد الانتهاء من مشروع قانون قـاربوا على تقـديمه إلى اللجنـة الدينيـة بمجلس النواب لتجديد الخطاب الديني.

وضعت مؤسسة الأزهر نفسها في مأزق شديد، على خلفية اللقاء الذي جرى بين شيخها أحمد الطيب، ووفد من التيار السلفي الأحد الماضي، لمناقشة مستجدات تجديد الخطاب الديني، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قبل عامين، خاصة أن الطيب سبق أن اتهم السلفيين بأنهم “خوارج العصر”.

وسبق لشيخ الأزهر أن ذكر في كلمته بمظاهرة مؤيدة له قام بها بعض الطلاب الوافدين من دول مختلفة في العالم بتاريخ 4 أبريل 2011 “عقيدة الأزهر هي عقيدة الأشعرية وفقه الأئمة الأربعة، وأن السلفيين الجدد هم خوارج العصر”. وارتفع سقف هجوم الطيب أكثر من ذلك واتهمهم بـ”تنجيس مذهب الحنابلة” في لقاء تلفزيوني سابق.

أثار اللقاء موجة سخط غير مسبوقة على الأزهر، فكيف يجلس شيخه مع رموز تيار ديني، يصدر شيوخه فتاوى تحريم تهنئة المسلمين للمسيحيين في أعيادهم، وإجازة زواج الفتاة حتى لو كان عمرها 10 سنوات، وهو ما زاد الشكوك حول جديّة الأزهر في تجديد الخطاب الديني.

غير أن مراقبين للمشهد رأوا أن ظهور السلفيين مع شيخ الأزهر محاولة لإثبات شرعية وجودهم كتيار ديني يسعى للتخلص من حصار المؤسسات الدينية الرسمية، خاصة في ظل التضييق الشديد على شيوخهم من جانب وزارة الأوقاف التي منعتهم من اعتلاء المنابر لإلقاء خطبة الجمعة، لأنهم من غير خريجي الأزهر.

بالتالي فإنهم يسعون إلى تصدير فكرة التقرب من الأزهر لتوصيل رسائل عدّة بأن هذه المؤسسة الدينية العريقة تؤيد خطواتهم وأفكارهم وعقيدتهم، ما يعطيهم ثقلا يمكن استغلاله إذا اشتد التضييق المدني عليهم، وحاولت باقي المؤسسات الدينية إقصاءهم عن المشهد الدعوي، وهذا ما لم يدركه شيخ الأزهر.

قالت مصادر برلمانية لـ”العرب” “متوقّع ألا يخرج مشروع قانون حزب النور السلفي حول تجديد الخطاب الديني إلى النور، لعدة أسباب، أهمها أن أسامة العبد رئيس اللجنة الدينية في البرلمان شخصية أزهرية وعازم على التصدي للمشروع”.

كما أن عدد النواب السلفيين لا يزيد عن تسعة نواب فقط، وهو عدد لا يرقى لأن يمثّل ضغطا داخل البرلمان للحصول على موافقة ولو مبدئية لمناقشة المشروع في جلسة عامة.

أيّدت آمنة نصير، عضو مجمع البحوث الإسلامية، والنائبة في البرلمان، هذه الرؤية، وقالت “مشروع حزب النور السلفي ‘مرفوض جملة وتفصيلا’، ولو لم يتصدّ له أحد سأقف أنا له بالمرصاد، لأن الأزهر بعلمائه والأوقاف ودار الإفتاء هي الجهات المعنية بتجديد الخطاب الديني، وليس هناك تيار ديني آخر يقحم الدين في السياسة”.

وأضافت لـ”العرب” أن السلفيين يحاولون القفز والسطو على دور الأزهر، والظهور للرأي العام على أنهـم “دعـاة تجديد وإصلاح ديني”، على الرغم من أن شيوخهم أكثـر من أصدروا فتاوى دينيـة هدّامة لا تنطبـق مع الديـن، ويسعون إلى غسل أيـديهـم وتبـرئـة ذمتهـم من خـلال إقحام أنفسهم في تجديـد الخطـاب الـديني، وهذا مـا لـن نسمح بوجـوده.

تشدد السلفيين ظهر في دعواتهم لتجديد الخطاب الديني، ومشروعهم يرفض التطرق إلى الأحكام الدينية

غير أن التشدد الذي يسيطر على الفكر السلفي، ظهر حتى في دعواتهم إلى تجديد الخطاب الديني، لا سيما أن مشروعهم الخاص بالتجديد يرفض التطرق إلى الأحكام الدينية، بحيث يقتصر على الفتاوى فقط، باعتبار أن الأحكام لا تتغير بتغير الزمان، والحرام يظل حراما والحلال يظل حلالا، كما أنهم رفضوا صراحة أن يعلنوا أن ارتداء النقاب “ليس فرضا”، وقالوا “يمكن النقاش حوله”. طالب أحمد كريمة، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، بضرورة إقصاء أي حزب ديني يعمل في السياسة عن مسألة تجديد الخطاب الديني، لأن له “مآرب أخرى”، معتبرا أن أصحاب الفكر السلفي يمثلون العائق الأكبر في مسألة التجديد لفكرهم المتشدد وعقيدتهم المتحجرة.

وأضاف لـ”العرب” أن السلفيين بشكل عام، لهم عداء مع مؤسسة الأزهر وفكرها الوسطي، وظهر ذلك في أحاديث ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية خلال حكم الإخوان لمصر، بأنهم يريدون تهميش دور الأزهر وإنشاء كيان مواز من خلالهم ليكون بديلا عنه، وأن تحركهم الحالي يكشف عن توجههم لتطبيق ذلك على أرض الواقع.

وزاد بأن التيار السلفي بشكل عام، وشيوخه تحديدا يدركون أنه حال انتهاء الأزهر والأوقاف، أو بمعنى أصح المؤسسات الرسمية، من مشروع تجديد الخطاب الديني، فإن وجودهم على الساحة سوف ينتهي، ويختفي نفوذهم من البلاد، ما يدفعهم إلى إقحام أنفسهم في الأمر، إما لأن يكونوا مشاركين في المشروع أو متواجدين في المشهد العام، أو حتى تعطيل المشروع برمته.

يظهر من خلال مشروع السلفيين حول تجديد الخطاب الديني، أنهم يستهدفون التغيير في سياسة وزارة الأوقاف (المسؤولة عن إدارة شؤون المساجد)، خاصة أنهم يطالبون بـ”تغيير طريقة إلقاء الخطب في المساجد وألا تكون روتينية”.

وهو الأمر الذي يعني بأنهم يرفضون سياسة الوزارة التي تتبعها حاليا في إلزام خطباء المساجد بموضوع محدد لخطبة الجمعة، ومن يخالف ذلك يتعرض للمساءلة.

كان السلفيون إحدى ضحايا هذه السياسة بعد إقصائهم من خطب الجمعة لرفضهم الالتزام بموضوع الخطبة الذي حدّدته وزارة الأوقاف في مصر، فجرى منعهم من اعتلاء المنابر، إلاّ بعد الحصول على ترخيص أو موافقة منها.

13