سلفيو مصر يتلقفون تولية الأقباط مناصب عليا للتقارب مع الحكومة

رغبة السلفيين في الدفاع عن الحكومة تتزامن مع اتساع دائرة الملاحقة الأمنية لمن تمرد منهم على قرارات غلق المساجد للوقاية من تفشي وباء كورونا.
الأحد 2020/05/31
التيار السلفي يناور مجددا

القاهرة – تلقف التيار السلفي في مصر إطلاق بعض الأصوات المناوئة للحكومة دعوات جديدة ومفتعلة لتولية الأقباط المناصب العليا في الدولة كمدخل لإثارة توترات داخلية، وعزف السلفيون عليها لحنا يفيد بمحاولة انتهاز الفرصة وإظهار الولاء للحكومة والدفاع عنها وتصوير أنفسهم كظهير سياسي معتدل لا يستحق التطويق الراهن.
وبدا التحرك المناهض لورقة الفتنة الطائفية والمطالبة بالتوسع في تصعيد الأقباط لمناصب حيوية أخيرا، بتبرير عدم اتجاه السلطة إلى المزيد من الاعتماد على المسيحيين في قيادة المؤسسات الهامة، باعتبار أن الدولة المسلمة لا يقودها إلا مسلمون.

حاول السلفيون تحسين صورتهم أمام الحكومة في ظل حربها على الإرهاب وداعميه، باعتبارهم ضمن الفئة القادرة على خدمة النظام في مواجهته للعناصر المتطرفة، وأنهم قريبون من قاعدته الوطنية وليس العكس.

بلغت درجة التماهي في إظهار التناغم مع السلطة حد مطالبة سلفيين بإتاحة الفرصة أمامهم لدعم استقرار الدولة وفتح قنوات فضائية تواجه شائعات وأكاذيب المنابر الإعلامية للإخوان، بذريعة أن السلفيين حاضرون في كل المحافظات، ولديهم حواضن شعبية قادرة على هزيمة التنظيمات الإرهابية، والتصدي لكل من يريد النيل من السلطة، في محاولة لتغيير الصورة النمطية التي وضعتهم مع الإخوان والإرهابيين في خندق واحد، وقللت من حظوظهم السياسية، بعد أن كانوا إحدى الأدوات التي استخدمها النظام عقب ثورة 30 يونيو 2013.

وبررت أصوات سلفية حتمية وجود مظلة سياسية عملية تتجاوز أحزابهم التقليدية المكبلة، بأن ذلك ينعكس على نشاطهم المجتمعي، وعلّل البعض ظهور تيارات متشددة بإقصاء التيار السلفي من المشهد، مقابل التوسع في الاعتماد على علمانيين في الشأن السياسي، وهي توجهات حكومية ساهمت في زيادة المتطرفين على الجانبين.

تبدو دعوة السلفيين إلى التبرع لمواجهة الإخوان وطنية في ظاهرها، لكن متابعين وصفوها بأنها مناورة تهدف إلى إضفاء شرعية جديدة عليهم، بعد تآكل شرعيتهم السابقة، بحيث يكون لهم حضور سياسي اضطراري برغبة حكومية تحت وقع الضغوط الإخوانية. وفي حال تحقق الغرض تكون لهم منابر إعلامية تعوضهم عن المنابر الدعوية التي جفت في المساجد، وتتدفق الدماء في عروق حزبهم السياسي “النور” ليمارس نشاطه في الشارع.

تبرع السلفيين لمواجهة الإخوان يبدو وطنيا في ظاهره، لكن متابعين يعتبرونه مناورة للبحث عن شرعية جديدة 

وأكد جهاد عودة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، شمال القاهرة، أن “السلفيين والإخوان يخدمان أهداف بعضهما البعض بدرجات متفاوتة، بمعنى أنه يتم تقسيم الأدوار بينهما، بدليل أن الكثير من شيوخ التيار السلفي يتعمدون صناعة توترات طائفية وأمنية يتلقفها الإخوان لتصعيد نبرة العداء ضد الحكومة، أو العكس”.

ولفت عودة في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن تبرع التيار السلفي بمواجهة الإخوان جزء من المناورة السياسية حتى تقبل الحكومة وجودهم كأمر واقع، وتوافق على صعودهم السياسي كفصيل مقاوم للجماعات المسلحة، لكن تظل أزمة السلطة في إقصاء هؤلاء أنهم يلعبون على وتر تعاطف المتدينين، ونجح البعض من أصحاب اللحى في إقناع الناس بأن استهدافهم حرب على الإسلام، وليس على فصيل سياسي انتهازي.

وتزامنت رغبة السلفيين في الدفاع عن الحكومة مع اتساع دائرة الملاحقة الأمنية لمن تمرد منهم على قرارات غلق المساجد كأحد إجراءات الوقاية من تفشي وباء كورونا، وأرادوا من التصدي لدعوات إثارة أزمة داخلية من ثغرة الأقباط تخفيف حدة الحصار المفروض عليهم دعويا وسياسيا، لأنهم يجيدون التكيف مع التحديات التي تواجههم بالشكل الذي يتيح لهم البقاء.

ولم تلق دعوات منح الأقباط أولوية في تولي المناصب الحيوية أصداء في أوساطهم، لأنها إسطوانة قديمة تتجدد كلما حاولت بعض الجهات ابتزاز النظام الحاكم، أو إحداث فتنة وقت الفراغ السياسي، وفوتوا الفرصة على التجاوب معها، لأنهم يعلمون من يقفون خلفها وأهدافهم، وحتى لو كانت لهم مطالب مؤجلة في هذا الفضاء.

نجحت الحكومة في توصيل رسائل سياسية رادعة بأنها لن تتوقف عن ملاحقة داعمي الإرهاب بالقول أو الفعل أو استحضار فتاوى الماضي لإحداث توترات داخلية لأغراض سياسية والعمل كسلطة موازية للدولة، وهي رسائل دفعت الكثير من السلفيين إلى محاولة النأي بأنفسهم عن الاستمرار في التمرد، والبحث عن أيّ فرصة لإظهار الولاء السياسي.

نسخة مكررة مِن الجماعة
نسخة مكررة مِن الجماعة

ولم تخل الهجمة السلفية على الدعوات الإخوانية الرامية إلى تأليب الأقباط على الحكومة من إصرار على تكفير هذه الطائفة لإقناع مؤيديهم في الشارع بأن دعمهم للسلطة والوقوف إلى جانبها وقت الحاجة لا يعنيان التخلي عن ثوابت نظرتهم إلى المسيحيين، ودون أن يدركوا إصرار الحكومة على التعامل معهم بسياسة “احتواؤكم أفضل من تحولكم إلى إرهابيين”.

وقال أحمد كامل بحيري، الباحث المتخصص في شؤون الإسلام السياسي، إن “التيار السلفي لم يفهم بعد أن هناك خطوطا حمراء تضعها الحكومة أمام عودة أي فصيل ديني لممارسة السياسة واستغلال العاطفة المجتمعية تجاه الدين لتحقيق أغراض مشبوهة تكرر التجربة المريرة لتنظيم جماعة الإخوان”.

وأضاف بحيري لـ”العرب” أن قفزة السلفيين على مشهد المواجهة مع مناوئي الحكومة الراغبين في استغلال ورقة الأقباط للضغط عليها محاولة لإحداث توازن في خطاب دعوي مصبوغ بالسياسة، بين ضرب مدنية الدولة ومبدأ المواطنة، وإظهار الولاء لسلطة تتمسك بعدم التفريق بين المسلم والمسيحي في الحقوق والواجبات والخدمات وأغلب المناصب.

وتظل أزمة التيار السلفي في أنه يريد تقديم نفسه على أنه فصيل ديني – سياسي بديل عن الإخوان، لكن بنفس الفكر والأيديولوجيا، ومطلوب من الحكومة أن تتقبله وتدمجه في المجتمع وتمنحه مساحة من المشاركة السياسية دون تنازلات أو إقصاء لشيوخه المتشددين الذين يتولون زمام القيادة داخله.

وأخفق سلفيو مصر في تطبيق إستراتيجية الإخوان في التقرب إلى الشارع من خلال توزيع سلع غذائية على البسطاء في شهر رمضان الماضي مطبوعة عليها شعاراتهم، كنوع من الالتفاف على قرار الحكومة بغلق الجمعيات الأهلية الشرعية في المساجد، بغرض استقطاب الفئات المهمشة لدعمهم في الانتخابات البرلمانية مطلع العام المقبل، لكن هذه المسرحية لم تنطل على قطاعات كبيرة من البسطاء، فقد استوعبوا التداعيات السياسية لهذه الحيل.

وقال عودة “مهما حاول السلفيون إقناع الحكومة بأنهم البديل الإسلامي الآمن والمناهض للإخوان، سيظل الحل في توسيع دائرة إقصائهم بإقناع الشارع بأنهم نسخة مكررة مِنَ الجماعة ويبحثون عن تحقيق مآرب سياسية من وراء الدين، ويكفي أنهم يضعون الناس أمام خيارين، إما أن يكونوا سلفيين أو لا يكونون مسلمين”.

4