سلفيّو مصر يستثمرون غلق المساجد للعودة إلى المشهد

السلفيون يستغلون تعاطف المجتمع مع الدين للثأر من الحكومة بعد إقصائهم دعويا.
الاثنين 2020/03/23
تمرد سلفي على الحكومة

التيار السلفي في مختلف البلدان العربية والإسلامية لا يعنيه سوى الترويج لخطاب رجعي قائم على تحقيق مآرب سياسية معينة، واقتناص الفرص للسيطرة على عقول الناس، واستغلال الظروف الاستثنائية للبلاد بغلق دور العبادة حفاظا على حياة المواطنين من الأوبئة الفتاكة للترويج لأفكار تحضّ على التمرد على الحكومات.

القاهرة - منذ اتجهت بعض الدول العربية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لمواجهة فايروس كورونا، من بينها غلق المساجد، تعمّدَ التيار السلفي استثمار الهوس الديني لدى قطاعات كبيرة من المواطنين، وقدّم نفسه بديلا عن المؤسسات الرسمية، يفتي ويحدد علاقة الناس بربهم وينصح الناس بـ”وصفة دينية” لرفع بلاء المرض.

ثمة تشابه ملحوظ بين النهج الذي سار عليه سلفيّو الجزائر والمغرب مع نهج أقرانهم في مصر، حيث بدا الأمر وكأنهم اتحدوا على توظيف الوباء لخدمة طموحاتهم السياسية، باستقطاب الناس إلى خطابهم الديني المتشدد، وتحريضهم ضد قرار غلق المساجد، وترويج أفكار تدّعي مواجهة المرض بالتمرد على القرارات الحكومية بذريعة أنها تخدم أهداف العلمانيين.

وإن تقاربت السلفية فكريا في بعض البلدان، لكنها في الحالة المصرية تبدو مختلفة بعض الشيء، حيث إن السلفيين باتوا ينظرون إلى أن تسللهم مرة أخرى للسيطرة على المساجد، محاولة للثأر السياسي من الحكومة بعدما جففت منابعهم واستحوذت على دور العبادة التي كانوا ينشطون فيها دعويا ويجمعون التبرعات من خلالها.

دخلت دار الإفتاء المصرية على خط مواجهة التيار السلفي الذي يتمسك باستمرار فتح المساجد للصلاة، رغم قرار مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف بغلقها، للحيلولة دون انتشار العدوى في التجمعات، وقالت دار الإفتاء، الأحد، إن “الإصرار على إقامة الجماعات في المساجد حرام شرعا”، كمحاولة منها لمواجهة الفكر بالفكر، وتفنيد ادعاءات السلفيين.

أعلن شيوخ من الجماعة السلفية في مصر، رفضهم قرار غلق المساجد والاكتفاء برفع الآذان وتعديل محتواه لحث الناس على الصلاة في المنزل، وبرروا ذلك بأن “القضاء على ابتلاء المرض يكون من داخل بيوت الله وليس بغلقها”، وحثّ المواطنين على صلوات الجماعة، لأن “غلق دور العبادة سوف يترتب عليه عقاب إلهي لن يتحمله البشر”.

أكدت دار الإفتاء، في ما يبدو أنها تخاطب السلفيين، أن الشريعة الإسلامية قدّمت درء المفاسد على جلب المصالح، ونظمت طرق الوقاية من الأمراض والأوبئة المعدية، وحثت على الإجراءات الوقائية، ونهتْ عن مخالطة المصابين، وحمّلتْ ولاة الأمر مسؤولية الرعية، وخوَّلت إليهم اتخاذ ما فيه المصلحة الدينية والدنيوية، ونهت عن مخالفتهم.

يرى متابعون أن الخطاب السلفي أصبح يتعمد القفز على المشهد لإعادة إقناع الناس بأن المشروع الإسلامي هو الوحيد القادر على إنقاذ المجتمع وتحصين مواطنيه من المصائب والأوبئة، لأنه قائم على التقرب إلى الله، كما أن دعمه ضد محاولات القضاء عليه بقرارات أو مضايقات واجب شرعي على كل المنتمين إلى الإسلام. يقول هؤلاء إن استراتيجية التيار السلفي في تجنيد الناس تقوم على استغلال تديّن المجتمع ووضع خطوط حمراء أمام محاولات المساس بعقيدته، لذلك روّجوا لفكرة أن الحكومة تريد المزيد من العلمانية وتضييق الخناق على كل صوت إسلامي، بدليل إبعاد السلفيين وغلق المساجد بدلا من تطهيرها.

أكد سامح عيد، الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، لـ”العرب”، أن السلفيين يستغلون تعاطف الناس مع دينهم للترويج إلى خطابهم المتشدد والثأر من الحكومة على إقصائهم من المشهد مقابل الاهتمام بالمسيحيين، وتحصينهم ضد محاولات النيل منهم، لذلك يقوم النهج السلفي حاليا على تقديم نفسه بأنه الأكثر ملاءمة للبيئة المصرية.

ورصدت “العرب” إصرار التيار السلفي على التمرد على إجراءات الحكومة، وكيف أصبح شيوخه يقدمون أنفسهم على أنهم البديل الشرعي لتثقيف الناس دينيا وتعويضهم عن غلق دور العبادة، وبدا ذلك من تمسكهم برفع الأذان في المساجد وحشد المواطنين إليها، بل إن بعضهم يتعمّد الصلاة بمكبرات الصوت من داخل دور العبادة.

في اتجاه مواز، بدأ شيوخ السلفية تكثيف نشاطهم على منصات التواصل الاجتماعي، واستخدامها كبديل أكثر سهولة للوصول إلى الناس من خلال بثّ الخطب والتحريض على غلق المساجد، وإرسال دروس دينية لمتصفحي الشبكات الاجتماعية، بذريعة “المشاركة في تثقيف عامة الشعب دينيا وفكريا، واستثمار أوقات فراغهم بالمنازل للتقرب إلى الله”.

يبدو هذا التوجه قريبا للسياسة التي اتبعها سلفيّون مطلع التسعينات من القرن الماضي، عندما لجأ شيوخهم إلى تسجيل دروس دينية على شرائط كاسيت وبيعها في الأسواق بأسعار زهيدة لنشر أفكارهم، ثم تطور الأسلوب ببرامج تلفزيونية، وبعدها إنشاء قنوات فضائية لتحقيق الانتشار الأوسع، لكنهم اتجهوا أخيرا لمنصات التواصل الاجتماعي.

الحكومة بدت متراخية في مواجهة التيار السلفي، فلم تكن هناك إجراءات حاسمة ضد الشيوخ المخالفين لقرار إغلاق المساجد

يزعم سلفيون أن الفرصة أصبحت سانحة أمامهم للعودة إلى السيطرة على المساجد مرة أخرى بعد سنوات من إقصائهم بقرارات صادرة عن وزارة الأوقاف، تنوعت بين منعهم من الخطابة والإمامة والفتوى، ولجأوا إلى تصدير خطاب ديني مغاير لما تروّجه المؤسسات الرسمية، يقوم على إقناع الناس بأن “الفكر السلفي أساس الوقاية من الأوبئة”.

شاركت “العرب”، في إحدى الصلوات التي يؤمها شيخ سلفي بمسجد “عليش” بحي المطرية في شمال القاهرة، للوقوف على مبررات هؤلاء من التمرد على الحكومة، وعندما انتهى الإمام من الصلاة، تحدث إلى الجالسين، وقال إن “الله يعاقب الناس بكورونا لأنهم هجروا مساجده واستخفوا بفرائضه”.

لم يكتف الإمام بتحريض الناس على التجمع في المسجد، لكنه ذهب إلى عقد محاضرة يشرح فيها كيف تتم مواجهة المرض بزيادة التديّن والالتزام بنهج السنة، وهو قطعا يرّوج للأفكار السلفية التي اعتادت إقناع المجتمع بأنها التي تطبق الشريعة وهي السبيل الأمثل لنهضة الأمة.

تسببت بعض التصرفات في امتعاض فئة من الأقباط، لأن الكنيسة ألزمت كل دور العبادة المسيحية بالغلق، فيما يبدو أن مضايقة الأقباط ما زالت هدفا سلفيا، فإن لم ينجحوا في ذلك بإثارة الاحتقان الطائفي، تعمدوا فتح المساجد وقت غلق الكنائس للإيحاء بأن مصر بلد إسلامي وكفى، ولا يجوز أن يتساوى فيه المسجد بالكنيسة.

ما يلفت الانتباه، أن الحكومة بدت متراخية في مواجهة مساعي التيار السلفي للعودة إلى المشهد مرة أخرى، فلم تكن هناك إجراءات عقابية حاسمة ضد الشيوخ المخالفين لقرار غلق المساجد، وحتى الذين خرجوا بتصريحات إعلامية يتهمون فيها المؤسسات الرسمية بأنها تعمل ضد الدين ظهروا وكأنهم محصّنون من المساءلة.

يتناقض ذلك مع ما اتخذته دولة مثل المغرب التي اعتقلت الشيخ السلفي عبدالحميد أبوالنعيم على خلفية فيديو انتشر له على منصات التواصل الاجتماعي، وهو يقول إن “البلد الذي تُغلقُ فيه المساجد ولا تُصلّى فيه الصلوات الخمس، هذا بلد ارتد عن دينه، وكفر بعد إيمانه وأصبح دار حرب وليس دار إسلام”.

أكد سامح عيد أن الحكومة المصرية تدرك خطورة التدخل لغلق مسجد بالقوة حتى لو تعلم أنه يُدارُ بواسطة سلفيين، فقد يتسبب في صدامات مع مواطنين يعتبرون الدين بمثابة خط أحمر، كما أن شيوخ السلفية نجحوا في إقناع فئة من الناس بأن غلق المساجد حرب على الإسلام.

وقال عيد لـ”العرب”، يبقى الحل في إقناع الناس بأن التمرد السلفي على الحكومة محاولة للقفز على المشهد وتحقيق مآرب سياسية من وراء الدين، وأصبح من الضروري خروج شيخ الأزهر لتحريم فتح المساجد وقت الأوبئة، لأن الكثير من المواطنين لا يقنعهم كلام الأوقاف كإحدى أذرع السلطة،بل الأزهر كمؤسسة ما زالت تؤثر في توجهات وسلوكيات الناس.

وإذا ما تحقق ذلك، سوف يجد السلفيون معضلة كبرى في استمالة المتدينين لدعمهم في إعادة نشاطهم الديني والسياسي ويصطدمون بتمرد الناس عليهم، لكن هل يدخل الأزهر في مواجهة مباشرة مع التيار السلفي؟

13