سلمان الحسم

الأحد 2015/02/08

القرارات التي اتخذها العاهل السعودي، مساء الخميس 29 يناير 2015، أكثر من لافتة، وهي تؤكد ما وصفته به في مقالة سابقة: تحلّيه بالسرعة الحاسمة التي لا تعتبر رد الفعل عاملا معيقا، تأثّره بجرحه الشخصي (فجيعته بوفيات متتالية لأحبابه: ابناه فهد وأحمد، شقيقاه سلطان ونايف) وتأثره بتجربته زمنا طويلا كحاكم لمنطقة الرياض.

لقد تجلت تجربة الرياض في العديد من الأسماء المختارة في التشكيل الوزاري الجديد، زاد عليها رعاية الأمير سلمان للشركة السعودية للأبحاث والنشر (التي تصدر صحيفة “الشرق الأوسط” وشقيقاتها) ودارة الملك عبدالعزيز، فدخل مجلس الوزراء اثنين من منسوبي الشركة، وزير الثقافة والإعلام الدكتور عادل الطريفي، الذي ترأس صحيفة (الشرق الأوسط) قبل إدارته لقناة (العربية)، ووزير التعليم الدكتور عزام الدخيل، الذي ترأس الشركة نفسها تنفيذيا، أما الدارة فقد ترقّى أمينها (وكيل وزارة التعليم العالي سابقا) الدكتور فهد السماري إلى مستشار في الديوان الملكي. وبعيدا عن هذه الأسماء، في بقية أعضاء المجلس الجدد وإعادة تشكيل الديوان الملكي وبقية المناصب، فإن تجربة إمارة الرياض حاضرة بوضوح لا لبس فيه.

من يعرف تجربة سلمان في إمارة الرياض ثم وزارة الدفاع، يعلم تماما أنه صاحب قرار نموذجي والسرعة الحاسمة من صفاته الراسخة

من يعرف تجربة سلمان في إمارة الرياض ثم وزارة الدفاع، يعلم تماما أنه صاحب قرار نموذجي، والسرعة الحاسمة من صفاته الراسخة، لكن الجرح الشخصي المتمثل في الاحتكاك المؤلم مع مرارة الموت مرارا عزز مساحة الإقدام والشجاعة، وهذا يعني أننا أمام ملك يتخذ في أيام وساعات قرارات اتخذها أسلافه في أشهر وسنوات مسابقة للزمن وللطموح واحتراما للوقت، ومن علامات ذلك -أيضا- إعادة بعض الاعتبار لشريحة الشباب عبر إشراكها في صناعة القرار من خلال أكثر من منصب (وزارة الدفاع، وزارة الثقافة والإعلام، وزارة العدل).

على سبيل المثال، لم يكن الملك فهد يكنّ ودا لوزير النفط التاريخي أحمد زكي يماني، لكنه لم يقله إلا بعد خمس سنوات كاملة من اعتلاء العرش. والحكومة التي ورثها عبدالله بن عبدالعزيز من سلفه فهد لم تبدأ بصماته عليها إلا بعد ثلاث سنوات من الحكم وبالتقسيط المريح حتى تغيرت إلى رؤيته.

في المقابل، خلال أسبوع واحد من الحكم، أعاد الملك سلمان تشكيل مجلس الوزراء وقطاعات واسعة من الدولة وفق فريقه ورؤيته، وفي ذلك تصرف صائب لأن فترة الحكم تحسب عليه من الثانية الأولى، ومن حقه أن يختار فريق عمله الذي يثق في قدراته ويرتاح إلى كفاءته، من دون أن يعبأ بأولئك الذين مضى على تعيينهم فترة وجيزة (وزراء التعليم العالي والصحة والاتصالات والشؤون الاجتماعية والزراعة والشؤون الإسلامية والثقافة والإعلام)، ومضى إلى تطبيق رؤيته أشخاصا ومنهجا.

ولعل نهج الملك يحرر الدولة من ثقل حركتها المعروف والممل. هذا التغيير، إضافة إلى إعادة وزير سبق أن أقاله الملك عبدالله (صالح آل شيخ)، وتعيين عالم معزول (سعد الشثري) -بسبب رؤى منغلقة- في عهد سلفه، دفع البعض إلى تصوير سلمان معاديا لعهد أخيه عبدالله، وهنا لا بد من توضيح الصورة.

نهج الملك يحرر الدولة من ثقل حركتها المعروف والممل

رغم تحفظي على إعادة صالح آل الشيخ وسعد الشثري إلى الجهاز الرسمي، وحزني على عدم إتاحة الفرصة كاملة لأمير الرياض الواعد تركي بن عبدالله ولرئيس الاستخبارات الأمير خالد بن بندر ولوزيري التعليم العالي والصحة السابقين (محمد آل هيازع وخالد السبتي)، وإعجابي بتجربة وزير العدل السابق والرئيس السابق لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أن حق رئيس الدولة في اختيار فريق عمله يجب أن يحترم وأن لا يمس حتى لو أدى ذلك إلى تغيير جذري، بل إن ما فعله سلمان ليس جديدا على عهود سابقة، ويجب أن تسير عليه العهود اللاحقة: مسؤولية الحاكم من الثانية الأولى واختيار الفريق المساعد كاملا بلا اعتبارات معنوية، والابتعاد عن البطء القاتل الذي اتسمت به الدولة زمنا طويلا. فذلك في مصلحة الدولة التي تعتمد على مؤسسات ولا تقف على أشخاص، كما أن المجاملة في إدارة الدولة ضررها بالغ ولا نفع من ورائها.

وهنا ألفت النظر إلى أن الملك عبدالله -رحمه الله- اختار الدكتور فهد العبدالجبار مستشارا له بعد إعفائه من وظيفته السابقة بقرار من الملك فهد، كما أن الرئيس السابق للهيئة (عبداللطيف آل الشيخ) استقطبه عبدالله بعد خروجه من العمل مع سلمان في إمارة الرياض.

في التعيينات الجديدة، كانت بصمة وليّ وليّ العهد ووزير الداخلية الأمير محمد بن نايف واضحة من خلال تعيين ثقته اللواء سعد الجبري وزير دولة عضو مجلس الوزراء، وتعيين مرؤوسه نائب مدير المباحث العامة الفريق خالد الحميدان رئيسا للاستخبارات العامة وهي المؤسسة التي غلب على تاريخها رئاسة الأمراء.

ولفهم هذه التعيينات لا بد من الانتباه إلى مسؤولية الأمير محمد المستحدثة عن رئاسة مجلس الشؤون الأمنية والسياسية فكان في عضويته ساعده (الجبري)، وبحكم مسؤولية المجلس عن السياسة والأمن، كان لا بد من تعيين ثقة أخرى للأمير محمد في الاستخبارات المنضوية تحت إشرافه.

إن أهم قرار أصدره الملك سلمان، تمثل في إلغاء المجالس العليا، كمجلس الأمن الوطني والمجلس الاقتصادي الأعلى وغيرها، هذه المجالس خفت بريق أغلبها بعد تولي الملك عبدلله مقاليد الحكم، فالعاهل الراحل عانى من صعوبة اندماجه مع الحكومة إبان ولاية العهد وبداية الحكم، فأسس -رحمه الله- مجالس موازية لمجلس الوزراء مرر من خلالها أفكاره وسياسته، ثم أصبحت هذه المجالس بلا قيمة بعد تمكن عبدالله من الحكم، ولا بد من التنويه إلى أن مجلس الأمن الوطني حالة خاصة في هذا السياق.

كان قرار إلغاء المجالس العليا صحيحا، وقد استبدلوا بمجلسين تحت سلطة مجلس الوزراء: مجلس الشؤون الأمنية والسياسية برئاسة الأمير محمد بن نايف، ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية برئاسة وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان. وفي ذلك تفويض مبطن من الملك لشباب الأسرة، تولى من خلاله وليّ وليّ العهد المسؤولية الأهم، وتولى وزير الدفاع المسؤولية الأكبر.

مجلس الاقتصاد والتنمية فكرة ليست جديدة، حيث طالبت بها النخب في مناسبات عدة، ومنهم الكاتب السعودي محمد الساعد، والأمير الوليد بن طلال الذي أراد مجلسا كهذا لنفسه. إن اعتماد الملك لهذه الفكرة مؤشر على اهتمامه البالغ بقطاع الخدمات، وهذا واضح في فترة حكمه للرياض.

كان لافتا حقا عدم إعطاء وليّ العهد الأمير مقرن وزارة سيادية في التشكيل الوزاري الجديد وعدم إسناد أيّ من المجالس الجديدة لإدارته. وأؤكد على تمنيات التوفيق للأمير محمد بن نايف والأمير محمد بن سلمان.

إن قرارات سلمان عكست وفاءه للإصلاح الإداري والقانوني والتنظيمي، والمنتظر بث رسالة طمأنينة إلى بعض النخب المتخوفة من تراجع سقف الحريات ومن تنفس التطرف ومن أن تكون القرارات الملكية سقفا نهائيا للإصلاح، ربما لا تكون لهذه المخاوف مبررات، لكن واجب المصارحة يستدعي التنبيه إلى وجودها. ما يطمئن أن المملكة اعتادت السير على منهج تراكمي مهما كانت القطيعة مع الأدوات ومع الأشكال.

تعيين عبدالله المحيسن مستشارا في الديوان الملكي قرار خرج عن المألوف وفيه بعض رد الاعتبار لقيمة الفنون رغم الإشكاليات المفتعلة المعيقة من التيار الديني

عيّن الملك سلمان المخرج السعودي عبدالله المحيسن مستشارا في الديوان الملكي، هذا القرار خروج عن المألوف وفيه بعض رد الاعتبار لقيمة الفنون رغم الإشكاليات المفتعلة المعيقة من التيار الديني. إن سلمان يوجه رسالة بهذه اللفتة أن “التقاليد” وردود الفعل لن تعيق قرارا لمصلحة الوطن.

بعد الإعلان عن القرارات الملكية، وجّهت رسالة إلى الملك عبر حسابه في (تويتر) قلت فيها “إن قراراتكم تاريخية، أتفق مع بعضها روحا، وأتفق مع بعضها الآخر تماما كما أختلف مع بعضها القليل جذريا. أتمنى أن يستمر منهجكم في اتخاذ القرار، مع العلم بأن صاحب القرار -أيا كان ومهما فعل- لن يتمكن من إرضاء كل الناس”، مضيفا “لعلها فرصة بأن أتوجه إليكم مقترحا عقد مؤتمر وطني يناقش بصراحة وبموضوعية الأنظمة الثلاث (النظام الأساسي للحكم، الذي هو دستور البلاد والذي يجب أن يكون موضوع المبايعة بين المليك وشعبه، ثم الشورى والمناطق) بعد مرور أكثر من عقدين على إصدارها والعمل بها، ولعلكم تختارون للتصدي لهذه المهمة الجليلة -بحكم علاقتكم الوطيدة والمتشعبة مع المثقفين والتكنوقراط- خيرة النخب، وأعني أولئك الأشخاص المعروفين بصفات الكفاءة والخبرة والعلم والنزاهة والتجرد والصدق والإخلاص والأفق المستقبلي الواسع، على أن تتمتع توصيات المؤتمر بالفورية”.

لقد عرفنا سلطان بن عبدالعزيز بـ “سلطان الخير” وعرفنا نايف بن عبدالعزيز بـ”نايف الحزم”، وإننا نرى أمامنا اليوم ملكا قويا عجنته الخبرة والتجارب والمعارف هو سلمان الحسم.


صحافي سعودي

6