سلمان بن سلطان.. صفحة الاستخبارات في أروقة الدفاع

السبت 2013/08/17
الجيل الثالث من الأمراء يصنع مستقبل السعودية

الرياض- إن امتدّت مسيرة الأمير سلمان بن سلطان في اللباس العسكري حتى اليوم؛ فلن تتجاوز رتبة (رائد) وهي من رتب الضباط العسكريين الصغار، لكنه اليوم أصبح نائب وزير الدفاع السعودي.

الأمير الشاب سلمان بن سلطان لن يتولى المساندة في إدارة ملف الدفاع الكبير فحسب؛ بل سيكون كبير وزارة الدفاع في يومين على مدار أيام العمل السعودية، حيث أن عمه الكبير الأمير سلمان وزير الدفاع ورجل الدولة الثاني يساند أخاه العاهل السعودي في أعمال الحكومة السعودية.

من يوازون الأمير سلمان بن سلطان عمراً في قبيلة أسرة آل سعود الحاكمة، وإن تشابهت طموحاتهم في تولي مناصب قيادية عليا؛ إلا أنهم يعون أن سرّ تميز الأمير سلمان بن سلطان ووصوله إلى منصب نائب وزير الدفاع يكمن في معلّمه الكبير أخيه الخبير دبلوماسيا واستخباراتيا الأمير بندر بن سلطان.

خريجو مدرسة بندر بن سلطان، أصبحوا اليوم حاضرين على مستوى الخريطة الدبلوماسية والمهنية السعودية، من أبرز شواهد تلك المدرسة السفير السعودي لدى أميركا عادل الجبير، وكذلك مندوب السعودية في جامعة الدول العربية وسفير الرياض لدى القاهرة أحمد قطان، ويظهر اليوم من مدرسته الاستخباراتية الأمنية الأمير سلمان بن سلطان.

الحديث تحديدا عن الشخصية السعودية القادمة بقوة، وبصمت خاشع في عمله ومهماته التي تدرب لأجلها. الأمير الصغير الذي قاد فصيلا عسكريا يعنى بصواريخ «شاهين» بقيادة الدفاع الجوي (جنوب السعودية) سيكون رجل الدفاع وكذلك المرحلة المهمة في تاريخ الوزارة التي صنعها والده ولي العهد الأسبق الأمير سلطان بقوة طوال خمسين عاماً.

تعيين «فتى المستقبل» الأمير سلمان بن سلطان بعد إبعاد سلفه الأمير فهد بن عبدالله أحد الأمراء غير الملكيين؛ يثبت لدى محللين كثر أن الوزارة تريد تغيير جلدها والحفاظ على مكتسباتها ورفع أسهمها داخليا وخارجيا، خاصة بعد تحويل الحرس الوطني إلى وزارة تعنى بالأمن والدفاع وتعيين الأمير متعب إبن الملك عبدالله وزيرا لها.

تميز الأمير سلمان استخباراتيا على الساحة الإقليمية، علاوة على دبلوماسيته المتزنة المعلومة وقدرته على التفاوض، قرّبه من منصب أخيه البكر الأمير خالد بن سلطان الذي كان قبيل أشهر معدودة في ذات المنصب قبل أن يخلفه الأمير فهد بن عبدالله الذي غادره مبكرا، بعد أن ثبت لدى قيادات الدولة عدم صلاحيته للمهمة التي جاء لأجلها خاصة وأنه مرشح ولي العهد وزير الدفاع الأمير سلمان بن عبدالعزيز، ليعود آل سلطان لعشقهم ووجودهم في وزارة الدفاع.

سلمان بن سلطان، جاء إلى منصبه الجديد بعد أكثر من عامين قضاها «مساعدا لأمين عام مجلس الأمن الوطني للشئون الأمنية والاستخباراتية»، وهو أحد الأمراء السعوديين «النادرين» الأكثر زيارة للعاهل السعودي الملك عبدالله ممسكا بتلابيب تقارير أمنية عديدة خاصة في مرحلة ما بعد ثورات ما يسمى بـ»الربيع العربي».

وجاهة سلمان الصغير وحضوره ودهاؤه أمام العاهل السعودي، بحضور أخيه الأمير بندر بن سلطان الذي يمسك بخيوط رئاسة الاستخبارات العامة، وكذلك مجلس الأمن الوطني بالمملكة؛ رفعت مكانته أكثر وجعلته مبعوث حكومة الرياض ومندوبها في مهمات غالبها يحاط بتعتيم إعلامي لحساسيتها. يتجاوب ذلك مع شخصية الأمير التي تكره الحضور الإعلامي الحارق في المملكة، في دلالة سعودية أصيلة جعلت الوصولية للمناصب مفصلا على مقياس البعد عن الإعلام.

ومما مهد للأمير الوصول إلى منصبه الكبير حاليا، هو الدور الواضح له في التعامل السعودي مع الأزمة السورية المتمسكة فيه الرياض بمغادرة الرئيس السوري بشار الأسد السلطة، ودور الأمير سلمان بن سلطان تجلى في تعرجات القضية بعد الفشل القطري في قيادة الصفوف المعارضة رغم توافق الموقف السعودي مع الموقف القطري فيما يخص أزمة سوريا تحديدا، حيث سعى باحترافية إلى تجميع صفوف المعارضة تحت إئتلاف موحد للمشاركة في (جنيف2).

ووجدت الرياض في حيوية الأمير سلمان بن سلطان ودبلوماسيته، ما يحجب خفوت وهج الدبلوماسية السعودية، ووهن صحة عرّابها الأمير سعود الفيصل، في ظل محافظتها على اتزانها ومسارها؛ وهو ما يفسر علاقات الأمير الصغير سلمان بالائتلاف السوري الذي ساهم فيه مع أخيه بندر في إعادة تشكيله وضمان تقليص مشاركة الإخوان والسيطرة على الجيش السوري الحر، وتحقيق المكاسب الاستراتيجية على الأرض السورية عبر إضعاف قوات حزب الله اللبناني المدعوم من إيران.


لماذا سلمان بن سلطان؟


من الخلفية الاستخباراتية التي تميز بها عبر أعوام معدودة بين الملحقية العسكرية السعودية بواشنطن وعمله كمساعد للأمين العام لمجلس الأمن الوطني السعودي للشئون الاستخباراتية والأمنية؛ ومرحلة سريعة كوزير مفوض بوزارة الخارجية السعودية؛ وجدت القيادة السعودية ضالتها في شخصية الفتى سلمان بن سلطان الذي لم يتجاوز حتى اليوم عامه الـ(37).

عقليته الاستخباراتية الأمنية، ستعزز من قوة أقوى «استخبارات عسكرية» تتواجد في نطاق عمله وإدارته بالقوات المسلحة السعودية وهي استخبارات القوات البرية التي يقودها حاليا الأمير اللواء نايف بن أحمد بن عبدالعزيز، حيث كانت ركن الحجر الغائب في جمع تحركات الحوثيين «الخاملين» على الحدود اليمنية السعودية، وأوقعت أكثر من مئة قتيل من الجانب السعودي فقط في حرب جبلية لم تكن القوات البرية السعودية في غالبها مستعدة لها، وكشفت للعدو ثغرات عديدة.

رؤية الأمير القديم الجديد في وزارة الدفاع كما يراها مرافقوه تكمن في «التدريب والابتعاث والتطوير التقني» يرافقها «سند استخباراتي» يحبط كل ما يهدد المملكة مسبقا، ويكون ذلك السند هو العمق الأهم لتجهيز القوات السعودية ضد أي عدوان أو ما يهدد سلمها.

قدومه من مدرسة «بندرية» عزز فيه قوة التأثير على من يحيط به، وإن ظهر غير متحدث كثيرا أمام الإعلام لكنه خلف إضاءات الكاميرات أكثر فصاحة وتخطيطا، بل وأكثر الأمراء اليوم تفوقا في إدارة المفاوضات.

مقربون دبلوماسيون من الأمير، يحكون عن سعيه منذ لحظات الأمن الوطني إلى تعزيز التحالفات السياسية والعسكرية مع قوى إقليمية ودولية، من باكستان شرقا حتى تركيا شمالا ومصر غربا وتوسيع العلاقة السياسية العسكرية مع اليمن جنوبا التي تتربع على أطراف الحدود السعودية، والمنتشرة بها تنظيمات إسلامية جهادية تهدد من فترة لأخرى السعودية.

خطواته ومسيرته جاءت به من مهمة الأمن الوطني، إلى مهمة أمن وطني آخر ليحرك خلالها مياهاً راكدة فشل سلفه الأمير فهد بن عبدالله في تحريكها، تتمثل في تنفيذ خطوات تحديث القوات المسلحة السعودية بفروعها الأربعة برية، وجوية، وبحرية، ودفاع جوي، عبر صفقات ضخمة تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار مع أميركا وبريطانيا وألمانيا والسويد.

وتعي الحكومة السعودية أن صفقات التسليح القادمة تحتاج دبلوماسيا لا عسكريا فقط وهو ما ستركز عليه المهمة الأولى للأمير الشاب، وكأنه يعيد تاريخ بندر بن سلطان ودوره في صفقات طائرات الإنذار المبكر (الإيواكس) وطائرات حربية من طراز (F15) ووقوفه متفوقا ضد منظمة (آيباك) الإسرائيلية النافذة داخل الكونغرس الأميركي في مهماته الأولى كسفير لبلاده بواشنطن.

الأمير سلمان يريد توجيه جهده الأول في محاولة إقناع ألمانيا لشراء دبابات (ليوباردو) المتطورة للاستخدام في المناطق الجبلية والصحراوية، في صفقة تسليح كبرى بعدد يفوق 400 دبابة، ترى السعودية أنها بحاجتها خاصة بعد ثغرات كشفها عدو السعودية الصغير (الحوثي) على حدودها الجنوبية ودعم لواء الملك عبدالله الثامن عشر الموصوف بــ"اللواء الجبلي" بعدد من تلك الدبابات.

ومن صفقات تطوير الجيش السعودي الكبرى المتعطلة ما توده السعودية من السويد، لتصنيع أنظمة صواريخ ومصنع لها تسمى بصفقة «رياح السموم» المضادة للدروع والمتفجرات، عوضا عن صفقة أسلحة سعودية فرنسية تعنى بتطوير قطاع البحرية السعودية.

وأعطى الكونغرس الأميركي في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي الضوء الأخضر لصفقة تسليح سعودية تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار على مدى عشر سنوات، تشمل شراء 84 طائرة مقاتلة وتحديث أكثر من 60 طائرة مقاتلة أخرى، وشراء 170 طائرة مروحية من طراز (أباتشي) إضافة إلى عدد من الرادارات الأرضية والصواريخ الخاصة بالدفاع الجوي.

فضلا عن حزمة الصفقات المنتشرة أرضا وبحرا وجوا، تتسلم السعودية حاليا بعضا من طائرات (التايفون) التي تعد الصفقة الأهم للقوات الجوية بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار وصل السعودية منها 48 طائرة من أصل 72 طائرة، متضمنا العقد كذلك تدريب طيارين سعوديين في صفقة سعودية ضمن مشروع «السلام» مع بريطانيا.

الخطوات السعودية لتحديث جيشها تسير في اتجاهات عديدة، وتعيين السلمان الصغير يكسر التكهنات التي تحدثت عن انضمام جهاز الحرس الوطني السعودي إلى وزارة الدفاع وتعيين متعب بن عبدالله وزيرا لها، إذ أن من خطوات التطوير ما تسعى إليه السعودية في صفقات سرية ومعلنة مع عدد من مصانع عالمية كبرى لتجهيز المملكة كمصنّع لقطع غيار الأسلحة والمعدات، التي يعد جيشها ثالث أقوى جيش من ناحية العتاد بالشرق الأوسط.

وكان متوقعا أن يكون الأمير سلمان بن سلطان أحد أمراء الصف الثالث، في منصبين: أحدهما وزارة الخارجية أو أن يكون نائبا لوزير الداخلية الأمير محمد بن نايف المثقل بمهمات وزارته الكبرى، لكن العقد الكثيرة التي تحيط بجهاز الدفاع بحاجة إلى ذي صبر يفكك عقدها وخيوطها العديدة، ويتضح التوجه الحالي في الحكومة السعودية «فرش الورد» أمام جيل متمكن من صفوف الأمراء الشباب وكذلك غير المتوقع تواجدهم في مناصب عليا قيادية.

وفي ظل إمساك الأمير العتيق سلمان بن عبدالعزيز وليّ العهد السعودي بحقيبة الدفاع؛ إلا أن التعيين الملكي للأمير سلمان الصغير، يفتح صفحة تمكين «الأحفاد» في مثلث الوزارات الكبرى السيادية من الداخلية إلى الحرس الوطني، بينما لا يزال الخبير الدبلوماسي الأمير سعود الفيصل على رأس وزارة الخارجية مع وجود الحفيد الأمير عبدالعزيز بن عبدالله نائبا له.

الأفق السعودي مليء بالتغييرات مع ضبابية كثيفة في مشهد تلك التغييرات التي يراها السعوديون إصلاحا، وسط مطالبات عديدة بأن يتعمق الإصلاح في كراسي الدولة والحقائب الوزارية التي يمسك بها من تجاوزوا عقودا شبوا وشابوا حاملين لها.

12