سلمان رشدي: قل لي ماذا تكره كي أعرفك!

السبت 2013/08/17
أمر مزعج أن تعرف نفسك من خلال الكراهية

كان في مهرجان أدنبره الدولي للكتاب هذا الأسبوع، ليفاقم الجدل حول آرائه كلما وقف أمام طاولة الكلام، فلا يكتفي سلمان رشدي بمواصفاته الروائية وخياله الشاسع، بل هو أكثر من "منظّر" بعد أن عانى كل تلك السنين من الكراهية.

لنا أن نتخيل كيف كان ينظر إلى ولده ظفار وكان عمره تسع سنوات عندما صدرت فتوى الخميني بقطع رأسه، هل كان بإمكانه الذهاب إلى المدرسة ليكذب على التلاميذ ويتغاضى عن أصل أبيه أو أسمه أو شهرته.

أو ماذا ستكون مشاعره عندما يتخيل الصورة الروائية التي افترضتها إحدى الكاتبات بتنفيذ الحد بأبيه بالسيف الذي يفتح قناني الشمبانيا؟

ثم من قال إن الفتوى الخمينية انتهت، فالمليون دولار ثمن رأس رشدي التي أعلنها آية الله آنذاك عام 1989، زادتها المؤسسة الإيرانية إلى 3.3 مليون دولار اليوم!

وكم يبدو الأمر مثيرا للازدواجية عندما تعلن إيران نفسها عن جائزة نوبل إسلامية هي أشبه بـ"الخرافة" تمنح للعلماء من المسلمين، لمنافسة جائزة نوبل السويدية. كيف لنا أن نتخيل من يمنح جائزة للقتل هو نفسه من يمنح جائزة للتفوق؟

ألم يكن جديرا بإيران و"ملاليها" أن تمنح مثل هذه الجائزة قبل عشرين عاما لمن يكتب رواية أو كتابا يواجه به ما كتبه سلمان رشدي في "آيات شيطانية"، في حوار معرفي يواجه الحجة بالحجة، أو الرأي بالرأي الآخر، بدل أن يمنح كل ذلك المال لمن يقتل!".

التاريخ الملتبس

سلمان رشدي هذا الروائي البريطاني بامتياز إلا من أسمه وخياله الذي يعود إلى حقول وبيوت وتاريخ عتيق يمتد من الهند إلى باكستان وإيران، يعرف التعامل مع التاريخ وكشف التباسه الدائم. وستعرف عين القارئ المجربة ذلك عند التعمق في رواية "العار" مثلا، مع أن الانطباع السائد دائما يأخذ إلى روايته "آيات شيطانية" وله غيرها الكثير.

في رواية "العار" ثمة تاريخ كأنه مستل من ألف ليلة وليلة ويرتدي الحرير الهندي ويتوق إلى جنة عدن، هكذا يقدمه رشدي للقارئ الانكليزي، إنه يحمل رسالة خصبة عن عالم شرقي ساحر.

بالأمس عاد رشدي (66 عاما) إلى حلقة الجدل التي تدار حوله بعد أشهر من صدور ما يشبه سيرة الاختفاء التي عاشها في كتاب مذكرات تحت عنوان "جوزيف انطون".في هذا الكتاب كان عليه سد "فراغ في المعلومات" بكتابتها وإنه شعر أخيرا بأن الوقت قد حان ليواجه فترة صعبة في حياته.

وصف سلمان رشدي في ندوة خصصت له ضمن فعاليات مهرجان أدنبره الدولي للكتاب، العالم اليوم بأنه يعيش على وقع الكراهية المتصاعدة، وأن الناس باتوا يُعرّفون أنفسهم بما يكرهون. وحدد واحدة من خصائص العصر الحالي بنمو نوع من الثقافة مقترنة بسياسات الهوية والطائفية، أطلق عليها أسم ثقافة الإقصاء بدافع الكراهية.

وعزا الكاتب الحاصل على جائزة بوكر للرواية وجائزة هانز كريستيان أندرسن الأدبية الدنمركية، في مداخلة له ضمن المهرجان الذي يهدف إلى إثراء الحياة الثقافية لفترة ما بعد الحرب الأوروبية، تصاعد الكراهية إلى التعصب الديني بعد سقوط الشيوعية. وقال "بدلا من الستار الحديدي الذي كان مفروضا من قبل الأنظمة الشيوعية، وجدت الكثير من الجيوب المتطرفة في المجتمعات وتفاقمت الكراهية والقبلية بين فئات كثيرة من الناس، وأصبحت فئات من المجتمع تقاتل حد الموت للدفاع عن قناعاتها الخاصة الدينية والقبلية".

وأكد رشدي في ندوة خصصت له في المهرجان الذي يستمر بأسكتلندا حتى بداية سبتمبر، ضمن محور ثقافة الكراهية على الانترنت، على أن التعصب الديني ليس مرتبطا ببعض المسلمين، فهناك صعود ملفت للقوميين الهندوس، كما أن قوة الكنيسة المسيحية تزداد في الولايات المتحدة. وقال إن الإنسان مطالب اليوم أمام الآخرين لتحديد هويته، وهو قد يبدو مهما في بعض المجتمعات الغربية لكنه سمة مهمة في المجتمعات الإسلامية.

وعبر رشدي الذي عانى ولايزال من ثقافة الكراهية بعد أن أصدر آية الله الخميني فتوى بهدر دمه إثر صدور روايته "آيات شيطانية" عام 1988 وبقي متخفيا لسنوات، عن انزعاجه من أن يقوم الآخرون بتحديد ما يريدونه لك. بمعنى تعريف نفسك من خلال ثقافة الكراهية.

وقال "لقد قمنا بشكل تقليدي بتعريف أنفسنا عبر الأشياء التي نحبها والمكان الذي هو وطننا، أو من خلال أسرنا وأصدقائنا، لكن في عصرنا الحالي تصاعد السؤال الاستفزازي الذي نواجه به يوميا (من أنت)".

وعاد رشدي إلى حلقة الجدل حول روايته "آيات شيطانية" الذي خصص الخميني مليون دولار لمن يقتل مؤلفها، مؤكداً أنها لا تسيء إلى أي قوة روحية، وأن رجال الدين المسلمين المحافظين لا يحبون أيا من كتبه، وليس فقط "آيات شيطانية" مؤكدا توقعه ذلك.وقال "إن رواياتي ليست ملزمة لأحد، إذا كنت لا ترغب في ذلك، فلك الخيار بإغلاق الكتاب وعندها تنتهي أي قدرة في الإساءة اليك".

أسرار الاختباء

في كتابه الأخير "جوزيف أنطون" وهو الإسم المستعار لرشدي آنذاك، كشف أسرار عشرين سنة من الاختباء وكيف كان يقوم بزيارات سرية لبيوت أصدقائه، بعد الفتوى التي أصدرها آية الله الخميني.

كشف الكتاب الصادر عن دار "جوناثان كيب" كيف أنه عاش مختفياً يتنقل بين أكثر من عشرين منزلاً تحت مراقبة رجال الشرطة. وعمّا إذا كانت الفتوى غيّرته شخصياً، قال رشدي إنه كان سيتغيّر في أي حال خلال السنوات الماضية التي تلت صدور الفتوى.

كذلك يقول "كان عليّ أن أفهم ليس ما كنت أكافح ضده فحسب، بل ما كنت أناضل من أجله أيضاً". رجال الشرطة رافقوه حتى في الحمامات خشية اغتياله، لكنه رفض ارتداء شعر مستعار وقناع يغير ملامح وجهه وسترات واقية من الرصاص.

يكشف في هذا الكتاب المنازل التي عاش فيها وأسماء الأشخاص الذين استقبلوه، ومن بينهم صديقه الروائي وكاتب السيناريو المسلم حنيف قريشي. ووصفت شقيقة قريشي أخاها بـ "المجنون" عندما علمت أنه وافق على استقبال رشدي في منزله.

يكتب رشدي "حتى الآن أشعر أنني على صواب… لست متضايقا أو مستاء. أنا أكتبها (المذكرات) فحسب ويشعرني ذلك بسعادة كبيرة، لا يعلم كثيرون ما حدث في السر". وأشاد الكاتب الحاصل على لقب "سير" من ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، بجميع الذين وقفوا إلى جانبه وعارضوا الفتوى الإيرانية التي صدرت بقتله بعد صدور كتابه آيات شيطانية. وحسب اعتقاده يرى أن العديد من التصرفات الشجاعة دامت أكثر من التصرفات البشعة.

وعلى الرغم من تصويره كشيطان بواسطة تهديد من دولة أجنبية، إلا أنه بقي هناك بعض الأبطال الذين استمروا في بيع رواية آيات شيطانية. وطالما عبر رشدي عن عدم ندمه على مؤلفه "آيات شيطانية" بعد أكثر من عقدين على صدور هذا الكتاب.

وفي حديث مع الصحافي الاسترالي جيمس كليف بثه الموقع الالكتروني لمجلة "تايمز"، قال الكاتب "إنه كان سيندم على عدم تأليف كتاب يتطرق إلى قضايا دينية أو فلسفية مهمة، السؤال الذي أطرحه على نفسي دائما هو الآتي: هل نحن أسياد أم ضحايا؟ هل نصنع التاريخ أم إن التاريخ يصنعنا؟ هل نشكل العالم أم إن العالم يشكلنا؟".

وتابع "في رأيي إن معرفة ما إذا كنا نسيطر على حياتنا أم إننا مجرد ضحايا نستسلم للحوادث هي قضية كبرى حاولت دائما طرحها".

وقال رشدي في أسلوبه الملتبس المعتاد "في هذا المعنى، لم أرد إلا أن أكون الكاتب الذي طرح تلك المسائل" خصوصا في كتاب "آيات شيطانية".

صوت الكاتب

هذا الكاتب لا يكتفي بالتنظير لفلسفة الكتابة وفق ما يراها، إنه طالما أبدى آراء في ما يشغل العالم من أخبار، فسبق وأن وصف الفيلم المسيء للنبي محمد الذي عرض على الانترنت بـ"القمامة" مثلما رأى فيلم "المليونير المتشرد" الذي حاز على حزمة جوائز الاوسكار عام 2008، أنه أشبه بخرافة غير واقعية عن المجتمع الهندي. واليوم يطالب الكتّاب بأن يكون لهم صوت مسموع بشأن القضايا المعاصرة "إذا نظرت إلى أميركا على سبيل المثال فثمة جيل أكبر مني سنا يضم كتابا مثل سوزان سونتاج ونورمان ميلر وجور فيدال كان يجب أن يكون لهم صوت مسموع بشأن القضايا المعاصرة. الآن لا يوجد كتّاب في واقع الأمر".

"بدلا من ذلك هناك نجوم سينما.. فإذا كنت جورج كلوني أو أنجلينا جولي عندئذ يمكنك التحدث بشأن قضايا عامة… وسوف يصغي إليك الناس بالطريقة التي كان يجب أن ينصتوا بها إلى ميلر وسونتاج. وهذا تغيير".

فهل سيبقى رشدي موضع جدل دائم، غالبية المسلمين لم يغفروا له، والمتشددون منهم يطالبون برأسه، حتى إن مهرجانا أدبيا في الهند تراجع عن دعوته بعدما هبّت تظاهرات احتجاجية.

سلمان رشدي "الفاسق الكافر الزنديق" يقابل سلمان رشدي الروائي والمنظر لأفكار معاصرة تمس المجتمع، ويبدو أننا بحاجة لمن ينظر إليه بعين مفتوحة، أكثر من التعويل على فتوى خرجت من تحت عمامة رجل دين، لكنها مغلفة بطابع سياسي ودعائي، تم التراجع عنها بخجل لاحقا وفقا للمصالح. سلمان رشدي لم ينته الجدل حوله ككاتب وكإنسان بعد.

14