سلمان في القاهرة

الخميس 2016/04/14

لا أتذكر أني عاصرت زيارة دولية لمصر أخذت زخم زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى القاهرة، وحين ناقشت زملائي في الصحافة المصرية رفضوا مقارنتها بزيارة باراك أوباما المتوجة بالخطاب الشهير في جامعة القاهرة، وأحد الزملاء شبهها بزيارة نيكسون زمن الرئيس السادات.

الزيارة في شكلها ومضمونها قدمت رسائل عدة، من أهمها اللقاء التاريخي الذي جمع العاهل السعودي ببابا الأقباط الأنبا تواضروس، فالملك يقول لشعبه وللعالم ولمختلف مكونات العروبة، إن بلاده، بكل ما تمثله من ثقل ديني وثقافي واقتصادي وسياسي وجغرافي وتاريخي، مؤمنة إلى حد اليقين بقيم التعايش واحترام الآخر، فذلك اللقاء أبلغ رد على قوى التطرف التي مارست عبر الجماعات الإرهابية وعلى رأسها داعش كل صنوف الإلغاء والاستئصال ما انعكس سلبا على صورة العرب والمسلمين. يصرح الملك سلمان من دون أن يتكلم بأن الإسلام يقبل الآخر خارجه، وبالتالي قطعا داخله، فالصراعات القائمة في المنطقة راهنا وإن أخذت طابعا طائفيا بفضل الدعاية المتطرفة، إلا أنها في حقيقتها خصومات سياسية ومصلحية، ألبسها المتطرفون والطامعون لبوسا طائفيا لتأجيج الفتنة وقضم الاستقرار وتحقيق مآربهم التوسعية والتدميرية.

والملك سلمان هنا يكمل نهج الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، الذي زار بابا الفاتيكان وأطلق مبادرات الحوار على كل صعيد، وطنيا ومذهبيا ودينيا، ولعلها فرصة ليكمل الملك سلمان مشروعه بلقاء بطريرك الموارنة في لبنان، فيؤكد أن مشروع تحالف الأقليات الذي تروج له إيران لن يجد مكانا بين مكونات العرب.

لقاء العاهل السعودي ببابا الأقباط قول فصل في رفض التكفير والتهجير والإلغاء والاستئصال، وحسم إيمان الإسلام بالتنوع، وتأكيد سعي الدولة العربية باتجاه المواطنة رغم عوار الواقع وتزاحم العراقيل الثقافية والاجتماعية.

ومن الرسائل الملكية المهمة، اهتمام العاهل السعودي بالأزهر الشريف الذي يعد المرجع الأول والأهم للمسلمين في كل مكان، وصادف أن أتت زيارة الأزهر في ظرف حساس، فالنخب المصرية دخلت في اشتباك ملحوظ مع المؤسسة العريقة عنوانه الحريات، والجدل حاضر في الشارع المصري حول تحول الأزهر من قوة ناعمة إلى سلطة خشنة، وشخصيا أجد نفسي منحازا إلى حد كبير باتجاه هواجس النخبة المصرية، لكنني في الوقت نفسه، أعرف تماما قيمة الأزهر في عصر تبعثر المرجعيات والقيم، لذلك فالحاجة ماسة إلى إصلاح جذري وجدي يضع الأزهر على جادة الحداثة مع ضرورة المحافظة على حضوره المرجعي، فمن دون أزهر حديث ومهاب وتنويري ستكون معركتنا مع الإرهاب والتطرف أصعب، إن لم تكن خاسرة.

ومن أهم الرسائل الملكية كذلك، الاهتمام الواضح بشبه جزيرة سيناء، فلو تغاضينا عن أهميتها الجغرافية كهمزة وصل بين آسيا وأفريقيا، خصوصا عرب القارتين، فقد تعرضت هذه المنطقة لكل الويلات، من احتلال غاشم جثم على صدرها لسنوات إلى إهمال فادح استمر عقودا، ومع تراكم الأزمات أصبحت المنطقة هدفا للإرهاب، والجهود الأمنية المبذولة، أيا كان الموقف من أسلوبها، لن تكفي لحل المشكلة من جذورها، فكلمة السر هي التنمية كما هي التعليم، لذلك شاهدنا جامعة الملك سلمان والمشاريع الإنمائية التي يأتي على رأسها جسر الملك سلمان.

ولهذا الجسر غير أهمية، فاتصال عرب القارتين شكل هاجسا للعقلاء منذ قيام دولة إسرائيل سنة 1948، وحين أجرى الرئيس المصري جمال عبدالناصر مفاوضاته السرية مع إسرائيل زمن رئيس الحكومة موشي شاريت، كان هاجسه استعادة الاتصال الجغرافي بين قارتين، صمم على احتواء الدولة الفلسطينية المنتظرة صحراء النقب لتحقيق الهدف الاستراتيجي، وكانت هناك فكرة أخرى: جسر بين مصر والسعودية، وقد تحدث بالتفصيل عن هذه النقطة الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل في مذكراته الفضائية.

العلاقة بين مصر والسعودية علاقة حتمية وقدرية، فالمملكة هي العمق الاستراتيجي لمصر، ومصر هي عمق المملكة الاستراتيجي.

تاريخيا، كان البلدان تحت سلطة واحدة غير مرة، وعدا ذلك كان انسجامهما سبب استقرار وازدهار، وكان تنافرهما مقدمة هاوية كما عاصر من قبلنا نكسة 1967، والمملكة مدركة تماما لسطوة هذه الحقائق، فقد تعامل الملك عبدالعزيز، رحمه الله، مع نظامين مصريين متناقضين (ملكي ثم جمهوري) بنفس درجة التقارب، كما تعامل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في سابقة فريدة، مع خمسة أنماط من السلطة في مصر (مبارك، المجلس العسكري، الإخوان، عدلي منصور، عبدالفتاح السيسي) بنفس درجة المسؤولية.

من حيث المبدأ، تبدو الزيارة الملكية لمصر ناجحة وفق كل معيار، لكننا بحاجة في الأيام المقبلة إلى براهين تؤكد التناغم السياسي، فالصراع العربي – الإيراني في أوج احتدامه، والثورة السورية المجيدة في أصعب أوقاتها، ومواجهة الإرهاب في أدق مراحلها، ويقع على عاتق المملكة تدوير الزوايا بين مصر من جهة، وقطر وتركيا من جهة أخرى.

ولا بد هنا من التنبيه إلى ضرورة استكمال ثمار الزيارة مصريا، ولعلها فرصة لدعوة السلطات المصرية إلى فتح حوار جدي بين الأزهر والنخبة المصرية، والأهم هو اعتبار التوجه إلى سيناء كمشروع قومي له كل أولوية، وتشجيع ذلك قانونيا واستثماريا.

كمواطن عربي وسعودي، أتوجه بجزيل العرفان والامتنان إلى السلطات المصرية على الضيافة الكريمة لقمة الدولة السعودية والتفاعل النبيل والمسؤول، وأرجو أن تتولى الأيام المقبلة مضاعفة غيظ الحاقدين والأعداء، تحيا السعودية ومصر، أو تحيا مصر والسعودية، صدقا لا أشعر أن هناك فرقا، وهذه أهم مكاسب الزيارة. وأستذكر هنا قول الشاعر: لو مشت مصر نحو مكة شبرا / لمشت مكة إلى مصر ميلا.

كاتب سعودي

8