سلمان كاصد: لا جديد في أشكال الرواية العربية المعاصرة

الثلاثاء 2015/02/17
الرواية صنعة أغلبها يرتبط بأنظمة الشكل والتلاعب في كيفية سرد الأحداث

البصرة (العراق)- منذ فترة مبكرة من حياته انشغل الباحث العراقي سلمان كاصد بالثقافة والأدب، حين وجد نفسه محاطا بالكتب الأدبية والثقافية في البيت المتواضع بمحلة سبخة العرب بالعراق، حيث أسس أخوه الشاعر عبدالكريم كاصد مكتبته العامرة، ومنذ فترة مبكرة أيضا مارس كتابة القصة، واشترك مع ثلّة متميزة من قصاصي البصرة في إصدار مجموعة قصصية مشتركة أطلقوا عليها “12 قصة”، صدرت في جزأين ثم توقفت.

كتب الباحث العراقي سلمان كاصد أطروحتين مهمتين عن كاتبين من رواد القصة العراقية في العراق هما: فؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقر، وقد أصبحت هاتين الأطروحتين مصدرا هاما عن هذين الروائيين الرائدين، وخلال ذلك تعرف على منجزات النظرية النقدية العالمية التي أعانته في كتاباته النقدية والثقافية وأصبحت خلفية ارتكاز من خلفياته الثقافية.


صرامة النقد


بعد هجرة كاصد إلى الإمارات العربية المتحدة، أفرد وقتا خاصا لكتاباته النقدية متابعا المنجز الأدبي لشعراء الإمارات العربية في الرواية وقصيدة النثر، وقد أصدر عدة كتب في هذا المجال، ثم كتب عن أهمّ الروايات العربية التي رشحت لجائزة البوكر العربية، وهي المقالات التي شكلت المتن الرئيس لكتابه “صنعة السرد”، الصادر عن دار الروسم من إصدارات اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة.

كتاب ينقد روايات كانت مرشحة لجائزة البوكر العربية، يحمل آراء صادمة عنها

يلاحظ الدكتور سلمان كاصد أن النقد العربي لم يتعامل مع المنتج العربي في حقل الرواية “بشيء من الوضوح والصرامة”، ولذا فالكتاب يبدأ من حيث انتهى النقاد بعدم النظر الجادّ والمفعم بروح اكتشاف الجديد والاستثنائي في النتاج الروائي العربي، حين يلاحظ الناقد بوضوح تامّ “إن الروائي العربي لا يزال صانعا غير مجترح لأشكال جديدة، إذ أن أشكال الرواية العربية التي تطرح الآن تقليدية وتعاقبية، جل ما يحاوله الروائي حين يتلاعب بشكلها أن يعتمد الاسترجاعات المبسطة، دون أن يبني هياكل معمارية جديدة صادمة تثير القارئ بشكلها المتطور”.

لقد قرأ الدكتور سلمان كاصد ثلاث عشرة رواية عربية، توزعت على معظم أقطار الوطن العربي، ومعظم هذه الروايات كانت مرشحة لجائزة البوكر العربية، لكن رحلته مع هذه الروايات لم تسفر إلا عن آراء صادمة حول شكلها المتشابه وتقنياتها المألوفة على الرغم من إشادته ببعض تلك الروايات.

وتمثل مقدمة الكتاب توجيها مباشرا لقراءة المقالات التي كتبها الناقد في فترات متفرقة، وهذا التوجيه يمثل وجهة نظره الأخيرة عن هذا المنجز الروائي، حين يعتبر الرواية صنعة “أغلبها يرتبط في أنظمة الشكل والتلاعب في كيفية سرد الأحداث”، ولذا فإن المتأمل في نصوص المتن ينبغي له الانتباه لـ”أنظمة الشكل وكيفية سرد الأحداث”.

غير أن الناظر إلى معظم تلك المقالات يلاحظ أنها لم تقرأ معظم تلك الروايات وفق أشكالها الفنية، وفحص أبنيتها الشكلية، بل إلى تلخيص مضامينها، ليستنتج ما ذهب إليه في نقده، من أمثلة ذلك ما كتبه عن رواية ربيع جابر “دروز بلغراد”، تحت عنوان “حكايات زمن الموت”، وهي تشير إلى بلاغة الحكاية بالتواشج مع فحص تجلي آليات الشكل ليتوصل إلى استنتاج أخير “رواية جسدت التاريخ والجغرافيا وعادات الناس؛ مأكلهم ومشربهم حتى الأشياء التي لم تخطر على بال”.

الكتاب مجموعة من مقالات حول أهم الروايات العربية التي رشحت لجائزة البوكر

وهو استنتاج يؤكد بلاغة الحكايات في الرواية، دون الشكل، فهو من وجهة نظر الناقد مكرر وليس جديدا، على وفق مقدمة الكتاب، مع أنه لاحظ أن ربيع جابر قد لعب على “مجموعة من الأنظمة النسقية ببراعة وقدرة، واستثمر نسق التضمين والتناوب والاسترجاعات والخلاصات والمجمل”.


الشكل والمضمون


وفي مقال عن رواية جبور الدويهي “شريد المنازل” بعنوان “نظام: الباحث عن الهوية”، يلاحظ سلمان كاصد أن الروائي “يقيم روايته على مبدإ التضاد في تبادلية الفائض والنقصان”، وهو نظام يقيمه على إشكالات الحكاية المركزية “التقابل بين عائلتين إحداهما مسلمة والأخرى مسيحية وضياع الابن نظام بينهما”، ونلاحظ أن الدويهي قد نجح في إقامة هذا التضاد حتى نهاية الرواية من خلال التلخيص الوافي للرواية، غير أن الدكتور سلمان يرى أن شخصية نظام في الرواية “نموذج لا هو بالمسيحي ولا هو بالمسلم، والذي لا بّد أن يكون مسطحا، نموذجا مفرغا بلا هوية سواء كان نظاما أو غيره”.

وقبل ذلك يتساءل “هل هذه شخصية سوية؟ هل هي نموذج لكي يكون بطل رواية؟”، الأمر الذي يثير استغرابنا عما قصده الناقد بـ”شخصية سوية”، وليس شخصية إشكالية كما هو مألوف في النقد، فالشخصية السوية كما أكد هو “يكون مسطحا، نموذجا مفرغا”، في حين يشير تلخيص الحكاية المركزية في الرواية إلى أن الروائي أراد فعلا أن يقيم نموذجا ضائعا بين الهويات القارة التي لا تجيز التحول عنها إلى هوية أخرى، وإلا سيكون مصيرها القتل كما حدث لـ”نظام” الذي قتل في ظروف غامضة، وقد علق الناقد على هذا الموت بكونه “موتا عاديا”، لم يستطع الروائي أن يقدم فيه “وصفا دقيقا لمأساة الموت بمعناه الدرامي”، لكنه يؤشر أخيرا بنجاح الدويهي في إنقاذ روايته بخاتمة “أسطورية” للرواية.

وفي قراءته لرواية “دمية النار” لبشير مفتي يلاحظ كاصد أن هذه الرواية بنيت على أساس “المخطوطة الرسالة”، يشترك في سردها ساردان: الكاتب باسمه “بشير م.” وشخصية أخرى تحمل اسم “رضا شاوش”، ويتساءل الناقد عن جدوى وجود اسم الكاتب في متن الرواية وهو لم يكن سوى وسيط و”فعله السردي (..) صفرا”. كما يلاحظ أن “20 صفحة من هذه الرواية لا ضرورة لها بل هي قد أفسدتها فعلا لأنها أدخلتها في التقليدية والتكرار الشكلي”.

وقد اكتشف الناقد أخطاء سردية ولغوية “قاتلة” على حدّ تعبيره، ومع كل هذه الإخفاقات في الرواية، يلجأ الناقد إلى تلخيص أحداثها لكسر حدة ملاحظاته عنها مشيرا إلى أن الروائي أراد أن يقدم شخصية روائية تتماهى مع مسخ كافكا، معتبرا أن ذلك “لم يكن اعتباطيا”، فمجمل هذا العمل الروائي “هو رصد التقلبات في البنية النفسية والسلوكية لهذا المسخ رضا شاوش”. وهو نوع من تلطيف جدية قبضة الناقد على هذه الرواية.

وفي قراءته لرواية “عناق عند جسر بروكلين” للكاتب المصري عزالدين شكري، نلاحظ أن الناقد يقترح قائلا “أجد أنه لا بدّ أن يكون تسلسل للفصول؛ أن يتأخر الفصل 1 ليحتل مكان الفصل 8”، ومن الملاحظات المهمة عن هذه الرواية كونها رواية “لا تبني موضوعها على صراعات درامية، بل هي تدخل في نسق حكائي مفترض عبر سبع قصص قصيرة لهؤلاء الساردين”.

الدكتور سلمان كاصد قرأ ثلاث عشرة رواية عربية، توزعت على معظم أقطار الوطن العربي، ومعظم هذه الروايات كانت مرشحة لجائزة البوكر العربية

وفي تناوله لـ”مجنون زينب” للقاص جمعة اللامي، استثمر أدواته النقدية في تجنيس هذا العمل أولا، مما تطلب منه “تهشيم” بعض النظم النقدية ليخلص إلى أنها “حالة متفردة من الكتابة الجديدة لا تستقر على أرض ولا يحيط بها فضاء”.

وحين قرأ رواية “أم الدويس” للروائي علي أبو الريش، أشار إلى أهمية توظيف أو تضمين الأسطورة والحكاية الشعبية في البناء الروائي، وقد اقترح الدكتور مصطلحا لهذه الرواية وهو “الرواية المفاهيمية/ الجدلية”، حيث “يحاول الروائي تركيب عالم متخيل من أشياء ليس لها دلالات مشتركة لخلق دلالة شاملة تجمعها ببعضها (…) أي الاشتغال على حرية التعبير الأدائي والسردي”.

سنلاحظ أخيرا أن العديد من قراءات هذا الكتاب تتجه إلى تحفيز القراءة بطرح العديد من الأسئلة الجوهرية عن هذا النوع الأدبي، التي تفتح أفقا لقراءات أخرى لهذه الروايات بأسئلة عن مستقبل هذا النوع الأدبي.

وتتعلق بماهية الإبداع الروائي ومتى يصبح الشكل عائقا في انفتاح عالم الرواية، وهل الرمز جزء من صنعة الرواية أم يظل مكوّنا مخفيا؟ وهي أسئلة واقتراحات تتجه نحو مستقبل الرواية بالتمعن في واقعها الراهن.

15