سلمى بكار تزيح ستار السينما عن حكايات نساء تونسيات

هزائم الماضي سلاح الغد وذخيرة لا تزال حية في ذاكرة المكان الذي يمكن أن يهدّد سكونه تغيّر الزمان، هذا ما عادت به المخرجة سلمى بكار للتونسيين في فيلمها الجديد “الجايدة” بعد انشغالها لمدة ثلاث سنوات بالعمل السياسي كنائبة بمجلس الشعب، أو المجلس التأسيسي لدستور الجمهورية الثانية لتونس ما بعد 14 يناير 2011.
الثلاثاء 2017/11/21
بيت نسوي يحكمه القيد الذكوري

تونس - كأن السياسة شحنت المخرجة التونسية المخضرمة سلمى بكار بطاقة إبداعية غيّرت من خلالها سيناريو كان بحوزتها منذ 2008، لتعيد صياغته وتعديله بالاشتراك مع الممثلة وجيهة الجندوبي التي تعدّ واحدة من بطلات فيلم “الجايدة”، الذي بدأ عرضة الأسبوع الماضي في تونس.

وفيلم “الجايدة” أرادت المخرجة التونسية وخريجة المعهد الفرنسي للسينما أن تعود من خلاله للتواصل مع التونسيات خصوصا والمرأة العربية عموما بقصة واقعية حيكت بحرفية مع أداء انسيابي متقن لثلة من الممثلات التونسيات الشابات والمخضرمات على حدّ سواء، لتزيح الستار عن أسرار وتفاصيل أسرّة بعض الأسر المسكوت عنها.

والفيلم الذي عرض لأول مرة خلال مهرجان أيام قرطاج السينمائية (قسم العروض الخاصة)، يروي قصة أربع شخصيات نسائية يجدن أنفسهنّ متهمات، وهنّ في الحقيقة ضحايا المجتمع الذكوري لأيام ما قبل استقلال تونس، يقفن أمام قاض يتوسط شيخين يمثّلان المذهب المالكي والمذهب الحنفي، ليتّفق ثلاثتهم على إدانة المرأة لأنها رفضت معاشرة زوج خائن أو عاجز، أو لأنها تحب شابا من الريف وهي من عائلة برجوازية، أو لأنها تطالب باستقلاليتها بعيدا عن تسلط حماتها، ومع كل إدانة تقاد المرأة إلى بيت كبير يشبه سجنا، يسمى “دار جواد” تشرف عليه “الجايدة”.

المخرجة سلمى بكار عادت لإكمال "رباعيتها" بـ"الجايدة" منتصرة للمرأة كعادتها

وفي أزقة المدينة العتيقة بالعاصمة تونس تدور أغلب مشاهد الفيلم لتروي حكايات نساء اجتمعن في “دار جواد” التي تعاقبت عليها النساء اللواتي لا يظهرن الطاعة لأزواجهنّ أو أولياء أمورهنّ.

وبعد استشارة “حاكم الدريبة” أو القاضي الشرعي يقرّر القاضي معاقبة النساء الخارجات عن طاعة أزواجهنّ بالإقامة في “دار جواد” ومن بينهنّ “بهجة” (الممثلة وجيهة الجندوبي) ذات الشخصية القوية المنحدرة من عائلة مرموقة، وهي المرأة المثقفة والمتزوجة من الطبيب “سي الطيب” (خالد هويسة) الذي يزجّ بها في ذلك “السجن” بعد أن اكتشفت أنه يخونها مع شقيقتها الصغرى وفي عقر دارها.

وبعد رفضها لكل محاولات زوجها لإرضائها وإيجاد صيغة للصلح بينهما، ترغم “بهجة” على الذهاب إلى “دار جواد” لتلتقي هناك بكل من “ليلى” (سهير بن عمارة) و”أمال” (نجوى زهير) و”حسينة” (سلمى محجوبي) وغيرهنّ من النساء المعاقبات.

وتختلف النسوة الموجودات داخل “بيت الطاعة” من حيث العمر والطبقة الاجتماعية وأسباب قدومهنّ إلى هناك رغما عنهنّ، وكل واحدة من هنّ تعكس مدى الاضطهاد الذي كانت تتعرض له المرأة في تلك الفترة المظلمة من تاريخ تونس قبل الاستقلال، وسط مجتمع ذكوري قاس يخضع لسلطة الفتاوى والاجتهادات.

ورغم جمال ديكورات المنازل في فترة خمسينات القرن الماضي والملابس الفخمة المنتقاة بعناية فائقة، ومع كل ذلك البهرج الذي يبدو على سكان ومترجّلي أزقة المدينة العتيقة وراكبي العربات من أعيان البلاد، إلى جانب فخامة السيارات الكلاسيكية في الحي الفرنسي، كان تمرّد ساكنات “دار جواد” يخفي معاناة وأنين كل زوجة أو أخت أو بنت تم إلجام صيحاتها داخل بيوت مغلقة، إلاّ أن سلمى بكار استطاعت أن تزيح عنهن ستار الظلم وتعطي شخصياتها الحق في التمرّد وعدم الاستسلام لأجل نيل حقوقهنّ.

وهنا تحضر شخصية “ليلى” المرأة الجميلة المتحرّرة التي تخون زوجها الذي يكبرها في السن والعاجز عن معاشرتها لترضي رغباتها الخاصة، لكنها تفشل أمام القاضي الشرعي في الدفاع عن نفسها وإخباره بأن زوجها لا يلبي رغباتها الجنسية الجامحة، وأنها تفتقر إلى الحب والحنان معه، فتستسلم للحكم وتقتاد إلى “دار جواد”، حيث تفقد الرغبة في الحياة وتخيّر وضع حدّ لحياتها في نهاية الفيلم بعد أن اختارت التحرّر.

وفي المقابل تصنع قصة الحب الرومانسية بين المراهقة “حسينة” (الشابة سلمى محجوبي) والشاب الثوري “عثمان” (بلال الباجي) الفارق، لتكون بقعة الضوء التي تنير كل تلك الأماكن المعتمة في قلوب النساء المضطهدات.

مشاهد الاستقلال الداخلي لتونس في آخر الفيلم لم تكن سوى استقلال التونسيات عن سياسة رجالية سلطوية

وحسينة التي خالفت القوانين عندما عاشت قصة حب زجّت بها هي الأخرى في “دار جواد” وكانت السبب في انقطاعها عن الدراسة، كانت جرعة أمل رغم الألم، وهي قصة تعود بالمشاهد إلى الزمن الجميل وتجعله يتابع أحداث الفيلم بشغف، حيث استطاعت المخرجة أن تمرّر رسائل مباشرة للتونسيات بسلاسة وبساطة مميزّة لم تخل من الطرافة في بعض المشاهد الحميمية بعيدا عن التعقيدات الفلسفية والشخصيات المركّبة.

وسلمى بكار مخرجة “فاطمة 75” و”رقصة النار” أو (حبيبة مسيكة) و”خشخاش” عادت لإكمال “رباعيتها” السينمائية بـ”الجايدة”، من خلال موضوع طالما أثار جدلا واسعا في تونس ما بعد 14 يناير 2011، وهو موضوع مكانة ومكتسبات المرأة التونسية التي باتت على المحك إثر الثورة.

ويبدو أنها اختارت تذكير التونسيات بأن الحقوق لا تعطى وإنما تكتسب، وإذا لم تحافظ المرأة على حقوقها وحرياتها فإن العودة إلى النقطة الصفر ليست ببعيدة خصوصا بعد عودة الإسلاميين إلى الساحة السياسية آنذاك.

ولم تكن مشاهد الاستقلال الداخلي لتونس في آخر الفيلم سوى استقلال التونسيات عن سياسة رجالية سلطوية ثنائية تواطئية بين القوانين الرجعية التي حكمت المجتمع التونسي في تلك الفترة الزمنية، وبعض رجال الدين المنافقين والمرتشين الذين يكرّسون النصوص الدينية حسب أهواء النافذين.

وفي النهاية يمكن القول إن سلمى بكار كانت مدركة لأهمية تذكير التونسيات بمكتسباتهنّ وأهمية المحافظة عليها، وربما لذلك السبب كانت رسالة الفيلم مباشرة جدا، وعن قصد من امرأة تونسية شاركت صحبة عدد من زملائها النواب في مجلس سنة 2012 في سن فصول من الدستور التونسي الجديد يدافعن فيه عن مدنية الدولة لضمان حقوق المرأة بشكل أكبر، وهي المشاهد التي انتهى عليها فيلم “الجايدة”.

16