سلمى مرشاق: لو كان نقولا حداد حيا اليوم لوقف ضد الديكتاتوريات

الأربعاء 2013/09/25
مرشاق: انتمائي إلى أصول عربية مختلفة عامل قوى حبي للغة العربية

يتفرد مشروع الباحثة اللبنانيّة الأصل، المصريّة الجنسية، سلمى مرشاق سليم بكونه يعمل على شخصيات لبنانية أسهمت إسهاما بارزا في النهضة الثقافية والإبداعية التي شهدتها مصر ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، حيث قدمت كتابا ضخما موثقا للأديب إبراهيم المصري الذي كان له حضور مهم في الثقافة المصرية من خلال مجلته "الأدب الحي". وقد صدر لها هذه الأيام عن دار الجديد ببيروت كتاب عن نقولا الحداد الصيدلي، الذي كان محتواه منطلقا لحوار "العرب" معها.

سلمى مرشاق سليم من مواليد القاهرة لوالدين من خارج مصر، حيث تعود جذورها، من جهة الأب إلى قرية النبك السورية، ومن جهة الأم إلى قرية جون الشوفية اللبنانية، وقد نشأت وتعلمت في مصر.


قنطرة الهويات


علّقت سلمى مرشاق في بداية حديثها إلى "العرب" على رأي أمين المعلوف "إن الهويّات لا تكون رمادية بتاتاً"، بقولها: "في الحقيقة لا أفهم ماذا يقصد أمين المعلوف بإضافة وصف "رمادية" للهويّة هل يعني أنها خليط من الأبيض والأسود؟ هل هي مزيج من حضارات مختلفة؟ قد يكون ذلك ما رآه هو، لأنه ترك لبنان وتبنّى فرنسا أو هي تبنته، أي إن الشرق والغرب اندمجا فيه. أما بالنسبة إلي فلم أعبر مثل هذه القنطرة لأن والديّ جاءا صغيرين وأتمّا تعليمهما في مصر وحصلا على الجنسية المصرية فور صدور قانون التجنيس المصري الذي منح كلّ من هو من أصل عثمانيّ حقّ اكتساب الجنسية المصرية.

ولذلك فأنا ولدت لأبوين مصريين من أصل شامي – لبناني، وإقامتنا الدائمة كانت في القاهرة باستثناء فصول الصيف التي كنا نقضيها في بلودان المصيف السوري أو بيت مري في جبل لبنان أو في الإسكندرية خلال فترة الحرب العالمية الثانية.

وبإيجاز لم انتقل من حضارة وبيئة إلى أخرى كما يحدث مع الذين يهاجرون من المشرق العربي إلى بلاد الله الواسعة، بل إن انتمائي إلى أصول عربية مختلفة عامل قوّى حبي للعالم العربي وللغة العربية التي لا أتخلّى عنها كتابة رغم إجادتي اللغة الإنكليزية".


عرفان بالجميل


أكدت سلمى مرشاق أهمية مشروعها الثقافي الذي بدأته بالكتابة عن إبراهيم المصري، موضحة أن إبراهيم المصري كاتب من أصول لبنانية جاء والده سليمان الحداد إلى مصر، حيث عمل في المحاكم المختلطة وأسّس أسرته المكوّنة من أربعة أبناء. علّم أبناءه في المدارس الفرنسيّة المجّانيّة والخاصة.

الإبن الأصغر توفّي شاباً والآخر جورج عمل في جريدة الأهرام في القسم الإداري، والأخت تزوجت السيد حبيب جنّاوي، أما إبراهيم فلم يرغب في الدراسة المنتظمة وكانت المطالعة هوايته وسلوته الوحيدة. وعنه تضيف قولها: "تعلّقي بكتاباته يعود إلى مرحلة الصبا والشباب، فلقد كان دفاعه عن المرأة وقصصه التحليلية تجذبني وكنت أتابع كلّ ما يكتب في صحف دار الهلال والأخبار".

وتردف سلمى مرشاق في الصدد ذاته قائلة: "اخترت البحث في تراثه الذي قدّرته منذ زمن دون سبب علميٍّ خاص، ولكن بعد مطالعة إنتاجه تبيّن لي أنه يستحق الاهتمام لأنه قام بنقلة نوعيّة هامّة، إن في كتابة القصة القصيرة أو في المقالات الأدبية التي نشرها في كتبه، مثل: وحي العصر وصوت الجيل، وفي مجلته الأدب الحيّ التي صدرت في آذار 1937، معبّرة عن الجيل الجديد ولكنها لم تتمكن من الاستمرار فترة طويلة. وممّا يؤكد أهمية الدور الذي لعبه في تجديد الأدب العربي، شهادة شارل عيساوي عنه في كتابه التحليلي عن مصر.

كذلك شهادة سيد حامد النسّاج المتخصّص في دراسة القصة القصيرة وله حول الموضوع عدد من الأبحاث، فهو أطلق عليه لقب رائد القصة النفسية في الأدب المعاصر.

أما دوره في دار الهلال فجاء في مقال في العدد التذكاري الصادر بمناسبة مرور مئة عام من التنوير 18 /9 /1992 بقلم الأستاذ رجاء النقاش عنوانه: "رجال في الهلال" حيث يعتبره أحد النجوم الساطعة. كما أن الأستاذ يحيى حقّي يوفيه بعض حقه في كتابه فجر القصة المصرية".


أديب وعالم


"نقولا الحداد.. الأديب العالم"، كتاب تبحث فيه سلمى مرشاق ملامح حياة الكاتب نقولا الحداد ابن قرية جون، والمثقف متعدد النشاطات، حيث كان صيدليا، ومؤلفا، ومترجما، وعالما. وعن هدفها من هذا الكتاب، تقول سلمى: "إن كان للقارئ أن يستنتج أو يعتبر، فحياة نقولا الحداد تمثّل العزيمة والارادة والعطاء للأجيال المتلاحقة. رغم ظروف قاسية لا نعرفها بالتفصيل اضطر للانقطاع عن الدراسة فترة والعمل. ثم العودة للحصول على شهادة الصيدلة. كما أن مغامرة الذهاب إلى أميركا والتعرف على حضارة مختلفة والإقرار بالفشل أو عدم النجاح والعودة إلى مصر نهائياً دليل على صدقه مع نفسه وسواه.

إصراره على المواظبة على الدرس والتعمق في مواضيع جديدة ومستجدة، دليل على ثقته بقدراته الذهنية وأن المثابرة والجهد يؤدّيان إلى تحقيق الهدف والحلم. وأكبر دليل على ذلك، دراسته لموضوعَي الذرة والنسبية وكتاباته حولهما ، فكان الرائد السبّاق".


ذاكرة صحفية


يلاحظ المتتبع لأبحاث سلمى مرشاق اهتماماً بالغًا بالصحافة العربية التي صدرت في نهايات القرن التاسع عشر ومطلع العشرين. الأمر الذي يطرح تساؤلا حول قصتها مع هذه الصحافة وعلاقتها بها، وهو ما قالت عنه: "قصتي مع الصحافة القديمة الرائدة والمعاصرة تعود إلى أيام الشباب الأول. ففي البيت الأبوي كانت مجلدات المجلات القديمة، مثل اللطائف المصورّة لمنشئها شاهين مكاريوس والمقتطف ليعقوب صروف والهلال لجرجي زيدان، تزيّن خزائن الكتب. كما أن الصحف اليومية مثل الأهرام، المقطّم، البلاغ والأخبار، تصل يومياً إلى المنزل لاهتمام والديّ بتتبّع الأخبار والمقالات.

بدأت بالتمتّع بصور اللطائف المصوّرة خلال العطلة الصيفية وفترة القيلولة للكبار.أصبحت اللطائف مدخلي إلى الصحافة المصوّرة والمطالعة الخفيفة.

بعدها بدأت مرحلة القراءة التي نمت مع نضجي وازدادت مع تقدمي في العمر، كما كانت مجلات دار الهلال "مثل الهلال الشهريّة والمصور الأسبوعية" والمقتطف الشهرية جلسائي خلال عطلة نهاية الأسبوع وانضمت إليها الأخبار وأخبار اليوم مع بدء صدورها للأخوين علي ومصطفى أمين.

وفي المرحلة الثانوية في كلية البنات الأميركية، حيث مادة اللغة العربية متينة مقارنة بالمدارس الأجنبية الأخرى، وبإيعاز من الأستاذين فرنسيس العتر وسليم عبد الأحد، أخذت أتابع الرسالة لأحمد حسن الزيات والأديب لألبير أديب من مصروف جيبي الخاص.

وفي هذه المرحلة من العمر اصطحبني زوج خالتي الذي كان يمت بصلة لآل زيدان لا أعرفها تحديدًا، وكان يعمل في القسم المالي من الدار، إلى دار الهلال في مبناها الجديد القائم في شارع المبتديان واستقبلني الأستاذ فكري أباظة "رئيس تحرير المصور والأستاذ طاهر الطناحي وغيرهما ووقعوا لي في دفتر أوتوغراف الذي كان شائعاً آنذاك، متمنين لي أن أنهي دراستي وانضم إلى "مهنة المتاعب"، وكان هذا حافزاً ثبّت رغبتي في دراسة الصحافة، وقد حصلت على ليسانس في هذا الاختصاص، من الجامعة الأميركية في القاهرة حيث نلت جائزة الأهرام السنوية التي تُمنح لطالب متفوق. كما واظبت على الذهاب إلى جريدة الأهرام العريقة التي تأسست سنة 1876 في الإسكندرية على يد بشارة وسليم تقلا، وانتقلت بعد ذلك إلى القاهرة لمدة ثلاثة أيام أسبوعياً، خلال فصل دراسيٍّ كاملٍ لأن هذه الخبرة العملية كانت مفروضة على طلاب الصحافة وتعادل برنامج مادة دراسية نظرية.

وقد تعرّفت على مختلف أقسام الجريدة، من المحرر إلى رئيس التحرير إلى المصور إلى المصحح والمطبعة ومسؤولية كلّ منهم، ولا أترك الجريدة إلا حين تغادر السيارة التي تحمل النسخ المسافرة إلى الصعيد بعد منتصف الليل.

أما البحث الذي قدّمته لنيل درجة الليسانس، فكان حول موقف ثلاث صحف مصرية من الحرب الباردة، الموضوع الساخن يومذاك، أما عملي المهني فلقد بدأ مع مجلة نيوزويك، التي توقفت الآن عن الصدور ورقيًا، لأن مراسلها في الشرق الأوسط سمير سوقي كان أحد أساتذتنا في الجامعة، وقبل التخرج بأيام، عرض عليّ العمل معه في بيروت كمساعدة.

هذه هي قصتي مع الصحافة إلى أن توقفتُ لأسباب شخصية صورتها زواجي من محامٍ وسياسيّ طموح وإنجابي، ولكن من حين إلى آخر أرسل مقالاً لجريدة النهار البيروتيّة فترحّب بنشره".


مشوار متواصل


حول الدور الذي لعبته السيدة روز أنطون الحداد صاحبة مجلة "السيدات والرجال" في حياة زوجها نقولا حداد، أشارت سلمى إلى أن "روز كانت ذات شخصيّة قويّة واثقة من قدراتها، وأول دليل على ذلك هو التحاقها بأخيها فرح أنطون في الإسكندرية لمعاونته بعد وفاة الشقيق الأصغر الذي كان فرح أنطون يأمل في مساندته. وبناء على ذلك يمكن القول إنّها لعبت دورًا هامًا في حياة زوجها وتربية أبنائها".

وأوضحت "المرة الوحيدة التي يذكر نقولا الحدّاد زوجته وشريكته جاءت في آخر محاضرة ألقاها في النادي الشرقي وأعاد طبعها وديع فلسطين في مجلة العلوم، حيث يقول عنها: إنّها ترفض التزيين بالحلي وجمالها هو جمال الخُلق والروح وأنه يطلعها على كل ما يكتب قبل نشره. من هذه الجمل القصيرة في ختام المحاضرة نفهم أنها واسعة الاطلاع، متابعة لكل ما يكتب زوجها ومقدّرة إنتاجه وعلمه".

وردا على سؤال لو عاش نقولا الحدّاد اليوم أتظنين أنه كان سيدافع عن الفكر الممانع علمًا أنّ مقالاته عن فلسطين لم تدرس بعناية بعد؟ قالت سلمى مرشاق: "لو كان على قيد الحياة لرفض جميع القادة الذين يمثّلون الديكتاتورية بأقصى درجاتها لأنه الداعي والكاتب والمبشّر بالديمقراطية التي عرفها الشرق منذ نصف قرن تقريباً. الممانعة عن التعسف والتسلّط والانفراد في الحكم نعم. والديمقراطية رغم بعض أخطائها التطبيقية نعم. ومساندة الدول العربية بعضها بعضًا نعم، شرط أن تكون الأنظمة الحاكمة مدنية، راقية، منفتحة، علمية".

وعن أفكارها الدراسية المقبلة أكدت سلمى أن هناك أسماء كثيرة تحتاج منها إلى بحث، وأوضحت ذلك بقولها: "على من سيقع الاختيار أمر لم أحسمه بعد. صوت عادل الغضبان يرن في أذني وهو يلقي الشعر. بشر فارس وأسلوبه يستهويني. داوود بركات الملتصق تاريخه بالأهرام. السيدة روز انطون الحداد بعد أن أهدتني إبنتي رشا أعداداً من مجلتها النادرة "السيدات والرجال" وقبل كل هذه الأسماء يأتي موضوع العمر فهل سيطول لأنجز؟ العلم عند الله".

15