"سلم إلى دمشق" شهادة سينمائية للتخفيف من عار الصمت

الأحد 2014/02/23
"سلم إلى دمشق" لمحمد ملص: أصوات الشباب ورؤاهم وتطلعاتهم

أعلن المخرج السوري المخضرم محمد ملص أن فيلمه الأخير “سلّم إلى دمشق”، الذي أخرجه، مؤخرا، هو مغامرة سينمائية خاضها بسبب “عدم القدرة على الصمت عمّا يحدث في سوريا، بما هو مواطن منتم لشعبه، وسينمائي منتم لسينما بلده”.

وكشف محمد ملص في لقاء خاص مع “العرب” أنه تشكل لديه شعور، اليوم، بأن الكل يعلن عن نفسه، ومن هنا، يقول ملص: “تساءلت مع نفسي: أين هي السينما مما يحدث في سوريا؟! لذلك، قررت أن يكون للسينما حضورها. وكان فيلم “سلّم إلى دمشق” شهادة وموقفا. “فقد كنت أريد للسينما أن تخفف من عار الصمت والغياب، خاصة وأن السينما السورية، كانت وماتزال، حتى اليوم، محتكرة في قبضة السلطة الحاكمة”، يشدد ملص.


سلم إلى دمشق


وعن تعدد الأصوات في فيلمه الجديد “سلّم إلى دمشق”، وهو من إنتاج سنة 2013، وهي أصوات الشباب الذين يقدمون رؤيتهم وتفسيرهم، أو دهشتهم مما يجري في سوريا اليوم، بينما ينتمي كل واحد منهم إلى منطقة من مناطق سوريا الشاسعة، وما إذا كانت رسالته من ذلك هي أن قوة سوريا إنما تكمن في تعددها وثرائها واختلاف عناصرها ومكوناتها، وأن “على سوريا أن تعود إلى نفسها، كما كانت عليه من قبل”، ما عبر عن ذلك في مناسبة خاصة، وأوضح صاحب “أحلام المدينة” أنه ليس الذي قصد إلى ذلك القول، “بل إن الانتفاضة الشعبية في حراكها الأوّلي والأهم، وقبل اختطافها وأخذها إلى ما وصلت إليه اليوم… هي التي كانت في جوهرها على هذا النحو، على أساس أن قوة سوريا الحقيقية إنما كانت في تعددها وثرائها”. ومقابل ذلك، فإن ما أسماه المخرج بـ”المصير المعلق” والمفتوح الذي آل إليه مصير الشخصيات في فيلم “سلّم إلى دمشق”، لم يكن رغبة منه في العودة إلى ما كانت عليه سوريا، بل هدفه كان ولا يزال هو “أن لا نفقد سوريا ذاتها”، وهو يتحدث عن “سوريا التي صعد إليها الممثلون في الفيلم إلى أعلى مكان يمكنهم أن يصعدوا إليه، ليطالوا بلدهم كما يشتهون ويريدون، فصرخوا “حرية “! فماذا كان مصيرهم ؟!”، يتساءل مبدع “باب المقام” أيضا، الفيلم السينمائي الذي أخرجه ملص سنة 2005.

على السينمائي أن يمسك بالحقائق العميقة التي يعيشها الإنسان

ويبقى المخرج والكاتب السوري محمد ملص أحد رواد وأعلام السينما المستقلة في بلده، حيث قاطع الهيئة العامة للسينما منذ بداية التسعينات، مباشرة بعد إخراج فيلمه الثاني في مساره السينما الحافل، وهو فيلم “الليل”، سنة 1992، ليعانق المخرج تجربة السينما الحرة أو المستقلة، بعيدا عن سينما القطاع العام. عن هذا الاختيار النضالي والجمالي، معا، وعن هذا الوعي المبكر، يؤكد ملص لـ”العرب” أنه “لم يتخلق هذا الحال الذي تعيشه بلدي وتعيشه السينما في بلدي، إلا لكوني أعيشه بوجداني، وأعاني من عسفه واستبداده، كما يعانيه أي إنسان سوري”، كما “لم يتخلق هذا الوعي تجاه المؤسسة العامة للسينما، التي تحتكر الإنتاج السينمائي، إلا من خلال التجربة المباشرة والتماس العملي على مدى عشرين عاما”. ذلك أنه، وخلال العمل مع المؤسسة العامة للسينما في سوريا، “وما مارسته من تعطيل للمشاريع السينمائية التي كنت أطمح وأسعى لتحقيقها، والرقابة والمماطلة والإذلال”، يقول محمد ملص، أمام كل ذلك، “لم يكن أمامي من اختيار، دفاعا عن السينما وعن الكرامة، سوى السعي الصعب لتحقيق سينما سورية حرة ومستقلة”.

وعودة إلى حلمه وفيلمه الروائي الطويل الأول “أحلام المدينة”، وما إذا كانت هذه الأحلام لم تتحقق، اليوم، بقدر ما قتلت واستشهدت، هي الأخرى، تحت جرافات القتل المتواصل في سوريا، أوضح محمد ملص أنه حين قدم فيلم “أحلام المدينة” للجمهور السوري والعربي، إنما كان يسعى، ومنذ ذلك الحين، إلى التعبير عما يسميه “المفقود” في حياتنا اليومية الراهنة.

وقد بدا لي، يقول ملص، أن “هذا المفقود يومها (1984) هو انكفاء السياسة وغيابها من الشارع، فاخترت فترة الخمسينات، حيث عاشت سوريا آنذاك تجربة ديمقراطية حقيقية، لعلها التجربة الديمقراطية الأولى والأخيرة منذ الاستقلال وحتى اليوم. لذلك لجأت في مستهل الفيلم، كما لاحظت، إلى صوت الديكتاتور الحاكم آنذاك وهو يخطب بشعبه قائلا: “إن وطنا أنتم أبناؤه لا يموت”. فهذا الديكتاتور العسكري، لم يجد أمامه، حين انتفض الشارع مطالبا بالديمقراطية، إلا أن يستقيل، فأتاح باستقالته للتجربة الديمقراطية أن تعيش”.

وعن مقارنة ذلك الزمن السوري بالزمن السوري الراهن والقاتل، يتحدث محمد ملص، بمرارة، وهو يسجل بأنه “إذا كان أبناء هذا الوطن ذاته يموتون اليوم، فإن هذه الحقيقة المرة تؤكد لي أن على السينمائي أن يمسك بالحقائق العميقة التي يعيشها الإنسان في مجتمعه، وأن يمتلك الشجاعة والوعي للتعبير عنها. وهذا هو ما يمنح إبداعه وعمله حياة تجعله يتصادى طويلا في قيمته وأهميته على الرغم من مرور أربعين عاما على تحقيقه”.

يحظى ملص بتكريم خاص في مهرجان تطوان الدولي لسينما بلدان البحر الأبيض المتوسط


سلم إلى تطوان


هذا، ويحظى المخرج السوري محمد ملص بتكريم خاص في مهرجان تطوان الدولي لسينما بلدان البحر الأبيض المتوسط، كما أعلنت عن ذلك إدارة المهرجان، في دورة استثنائية من عمر التظاهرة، وكان محمد ملص واحدا من ضيوف المهرجان، في دوراته الأولى، على أساس أن آخر حضور لمحمد ملص في المهرجان يعود إلى بداية التسعينات، من القرن الماضي، بمناسبة عرض فيلمه الثاني “الليل”، الذي أخرجه سنة 1992. واليوم، يعود ملص إلى المهرجان، مكرما، ورئيسا للجنة تحكيم الأفلام الطويلة أيضا.

عن هذا الاعتراف والتكريم في مدينة تطوان المغربية، وفي مهرجانها المتوسطي، يشير المخرج السوري إلى أنه، و”منذ المبادرة الأولى للإخوة في الهيئة الإدارية لمهرجان تطوان قبل 22 عاما بدعوتي إلى تطوان، فقد احتفظت ذاكرتي بانطباعات حميمة وخاصة عن هذا المهرجان الطموح”. ويؤكد ملص أن “هذه الانطباعات لم تمس ولم تبهت، أبدا، مع مرور الزمن، رغم مشاركاتي اللاحقة في الكثير من المهرجانات الإقليمية والدولية”، يقول ملص، مضيفا أنه “في علاقتي كسينمائي وكإنسان، بهذا المهرجان، ثمة حميمية خفية. ربما لم أتعمق كثيرا في البحث عنها، بعيدا عن تقديري السينمائي للمهرجان كمهرجان لسينما البحر الأبيض المتوسط”.

هذا، ويعلن محمد ملص قائلا: “لا أريد أن أخفي تقديري ولهفتي لترأس لجنة تحكيم الدورة العشرين للمهرجان في هذه المرحلة من النهوض في الإنتاج السينمائي المغربي، وفي المرحلة الراهنة للسينما العربية، بعد هذه الانتفاضات المتعددة”. كل هذا “ليس بسبب الفضول الكبير الذي يكمن في داخلي فقط، ينبهنا المخرج السوري، ولكن، أيضا، “لأعيد اكتشاف نفسي ومكانتي داخل هذه السينما من جديد”، يختم ملص، على عادته وتواضعه الدائمين والعميقين.

يذكر أن فيلم “سلّم إلى دمشق”، سيحظى بعرض خاص في مهرجان تطوان الدولي لسينما بلدان البحر الأبيض المتوسط، خلال دورته العشرين، التي تقام ما بين 29 مارس و5 أبريل المقبلين، وهو الفيلم الروائي الرابع لمحمد ملص، بعد “أحلام المدينة” سنة 1984، و”الليل” سنة 1984، وفيلم “باب المقام” سنة 2005.

16