سلوا أصدقاء إيران والقاعدة

الأربعاء 2014/02/12

لا يكفي أن تحدث المتعاطفين مع إيران ومؤيديها من الليبراليين الخليجيين والقوميين العرب عن هجوم الصحافة الإيرانية – مايو 2010 – على حسن نصر الله (أمين عام حزب الله)، بسبب ذكر الأخير أن الخميني وخامنئي من أصول عربية كونهما من أحفاد الرسول.

ولا يكفي أن تحدثهم بالشواهد والأدلة عن القواسم المشتركة بين إسرائيل وإيران في شهوة الهيمنة والنظرة الاستعلائية على العرب واحتلال أراض عربية (فلسطين – الجزر الإماراتية).

ولا يكفي أن تحدثهم عن خلايا التجسس الإيرانية التي تم ضبطها – في العام الماضي – في السعودية وعمان والكويت، ولا أن تحدثهم عن جرائم ميليشيات إيران في العراق ولبنان وفلسطين واليمن. ما دخلت إيران بلدا عربيا وإلا وتحول أهلها من قتال الأجنبي إلى قتال بعضهم البعض.

كل ما سبق لن يكفي قوميا عربي أو ليبراليا خليجيا متعاطفا مع إيران أو مؤيدا لسياساتها ليراجع موقفه من الجمهورية الإسلامية، ولعله سيتناسى تماما – وهو يدافع عن الربيع العربي – ما فعله النظام الإيراني بشعبه بعد الانتخابات الرئاسية ما قبل الأخيرة، بدءا بإطلاق الحرس الثوري على المواطنين في الشارع وليس انتهاء باغتصاب الرجال – قبل النساء – في المعتقلات. أتوجه هنا بسؤال واحد إلى المتعاطفين مع إيران ومؤيديها ومن الليبراليين الخليجيين والقوميين العرب، ما هي علاقة إيران بتنظيم القاعدة الإرهابي؟

بعد دخول القوات الأميركية إلى أفغانستان – عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر – بثت الإدارة الأميركية شريطا مسجلا لزعيم تنظيم القاعدة – آنذاك – أسامة بن لادن جالسا مع شيخ مقعد ومتحدثا عن تخطيطه للعملية وابتهاجه بنجاحها. هذا الشيخ المقعد هو خالد عودة الحربي (أبو سليمان المكي)، في عام 2004 سلم أبو سليمان نفسه إلى السفارة السعودية في طهران مستفيدا من مهلة أعلن عنها ولي العهد السعودي أرادت فتح باب التوبة للمنتسبين إلى تنظيم القاعدة، وتحديدا أولئك الذين لم تتلوث أيديهم بالدماء. السلطات الرسمية – في إيران والسعودية – أعلنت أن الشيخ المقعد سلم نفسه لأنه كان لاجئا في نقطة حدودية بين إيران وأفغانستان.

في عام 2003، كانت الولايات المتحدة تسخر كل جهودها لاعتقال الرجل الثالث في تنظيم القاعدة – ومخطط عمليات الإرهاب في السعودية – سيف العدل المصري في أفغانستان. ليكتشف الجميع صدمة إقامة الرجل في إيران. تحدثت أوساط إعلامية بأن سيف العدل معتقل، وأن ثمة صفقة تدور بين الولايات المتحدة وإيران لمبادلته بعدد من مجاهدي خلق المعارضة للنظام الإيراني، لكن هذا لم يحدث، كما أن الرجل لم يكن معتقلا، بل مقيما في مجمع سكني معزول في إحدى ضواحي طهران مع زملاء له في تنظيم القاعدة فروا بعد دخول الولايات المتحدة لأفغانستان.

منذ 2001 إلى 2009 أقام سعد بن أسامة بن لادن في إيران، ساهم مع سيف العدل المصري – خلال تلك الفترة – في التخطيط لهجمات إرهابية في السعودية أبرزها تفجيرات المحيا – عام 2003 – وغيرها. لم يتوقف نشاط سعد الإرهابي في إيران مثل سيف العدل. عام 2009 غادر سعد إلى باكستان ثم قتل هناك لاحقا. لم يكن سعد الوحيد من أسرة زعيم تنظيم القاعدة المقيم في إيران، بل لوالده زوجات وأبناء وأحفاد يقيمون هناك وصل عددهم إلى 24 فردا. وفي عام 2010 وصل بكر بن لادن إلى دمشق قادما من طهران، ثم لحقته شقيقته إيمان بعد أن لجأت إلى السفارة السعودية لأشهر. وصرح عمر بن لادن بأن أسرتهم تعيش حياة طبيعية في إيران لكنها ممنوعة من التواصل مع العالم الخارجي. السؤال الآن: لماذا اطمأن الزعيم الراحل لتنظيم القاعدة لإقامة أسرته في إيران؟

بعد أن أقام عشر سنوات في إيران، ألقت الولايات المتحدة القبض على سليمان أبو غيث (المتحدث الرسمي باسم تنظيم القاعدة وصهر أسامة بن لادن) في الأردن الذي تسلمه عام 2013 من تركيا حاملا جواز سفر إيراني سليم.

منذ 2001 إلى 2013، أقام أبو حفص الموريتاني في إيران، هناك من زعم أنه كان تحت الإقامة الجبرية، وقد أصدر بيانا بذلك مرة، لكن تسريبات أمنية نشرت عن التحقيقات معه بعد اعتقاله في نواكشوط العام الماضي، أفادت بأن الرجل كان أقرب إلى اللاجئ السياسي لا المعتقل، ثم فجرت مقابلته التلفزيونية في قناة الآن (التركية الناطقة باللغة العربية) بأن الرجل كان حليفا لا لاجئا، تحدث عن لقاءاته الدائمة مع المسؤوليين الأمنيين الإيرانيين وبعض الوزراء.

قصة صالح القرعاوي، القائد العسكري لكتائب عبدالله عزام التابعة لتنظيم القاعدة – وأحد المقربين من أبي مصعب الزرقاوي – مثيرة للشفقة، فالرجل الذي تخلى عنه التنظيم الذي أسسه بعد إصابته بقنبلة بدأت انطلاقة تأسيسه لكتائب عبدالله عزام من إيران – حين تلقى تدريبا عسكريا مكثفا – برفقة خلفه في القيادة ماجد الماجد الذي وجد مقتولا في سجن في لبنان. إيران هي المرجع للإسلام “الثوري” في المنطقة، كما أن السعودية هي المرجع للإسلام المحافظ. لذا ليس غريبا أن تحصى عشرات العمليات التي نفذتها القاعدة في السعودية ولا تجد عملية واحدة نفذتها في إيران.

فك ألغاز العلاقة بين القاعدة وإيران هي المدخل السليم لقراءة ما يجري في المنطقة بشكل صحيح. مثلا.. من يتصور أن (حزب الله) خصم للقاعدة سيتعجب حين يعلم أن عماد مغنية كان وسيطا رئيسا في العلاقة بين طهران والقاعدة. ومن يتصور أن القاعدة وداعش اقتحمت الثورة السورية لمقاتلة بشار الأسد عليه أن يدرك أن القاعدة وداعش هما حليفا بشار المخلصيْن، إذ تفرغوا لقتال خصومه – ثم قتال بعضهما – وأضعفا الدعم الدولي للثورة السورية وحققا الدعاية السلبية التي بثها بشار عن شعبه الحر. كيف لا وهم من دخلا إلى العراق ولبنان – عبر سوريا – لزعزعة الأمن وسفك الدماء.

نعود إلى تلك الشريحة المؤيدة لإيران من الليبراليين الخليجيين والقوميين العرب، ما هو موقفهم من هذه العلاقة التي تجمع ربيبتهم بأكبر تنظيم إرهابي في العالم؟. لا تتعجب – بعد هذا السؤال – أن تجد بعض أصدقاء إيران هم أنفسهم أصدقاء للقاعدة.

كاتب صحافي سعودي

8